المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اليوم خطبة في ذكرى وفاة صلاح الدين



صهيب محمود السقار
12-02-2010, 05:36
ففي مثل هذا اليوم من شهر صفر أعلن الأطباء عجزهم وفشلهم في استنقاذ يوسف بن أيوب. واجتمع الأمراء والعلماء يشهدون آخر أيام الرجل الذي عاني من صراع المرض. فدخلوا عليه وهو في غياب كامل عن وعيه. وقام أحد علماء القرآن يقرأ عنده القرآن فلما انتهى إلى قوله تعالى‏:‏ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة‏.‏ حرك المريض شفتيه وقال: صحيح‏ وتبسم وتهلل وجهه ثم أسلم روحه إلى بارئه.ا وغشي الدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى‏.‏ وكان يوماً عظيماً ارتفعت الأصوات بالبكاء وعظم الضجيج حتى إن العاقل ليخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتا واحدا. وكان أولاده يخرجون مستغيثين إلى الناس فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم‏.‏
كان المسلمون يوم وفاته لا يتصورون أن يأتي على المسلمين يوم لا يعرف المسلم فيه يوسف بن أيوب. ولا يعرف زمن وفاته بل ربما يوجد فيهم من لا يعرف في أي قرن مات.
الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الذي صار رمز الفتح والنصر لأنه حرر القدس مستودع الرموز وبوابة النصر والفتوح.
القدس معيار ومقياس دقيق على سير الأمة على هدي نبيها محمد صلى الله عليه وسلم. صلاة المسلمين فيها وسام على صدر الأمة يشهد لها باتباع السنة والسير على خطا نبيها محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا ظهر فيها البدعة في الدين والركون إلى الدنيا نزع منها هذا الوسام.
هذا الوسام الذي تقلدته الأمة بعد خمسة أعوام من وفاة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن هب الصحابة الكرام يفتحون الشام والعراق متسلحين بالقرآن والسنة حتى سهل الله لهم محاصرة بيت المقدس. واشترط أهل القدس على أبي عبيدة الجراح أن لا يسلموا مفاتيح الأقصى إلا للخليفة فسار الفاروق إليهم بجيش جعل العباس بن عبد المطلب على مقدمته فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة مع رؤوس الأمراء كخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان فترجل أبو عبيدة عن فرسه ليقبل يد الفاروق وترجل الفاروق ليقبل رجل أبي عبيدة الذي علقت وسلم القدس على صدر الأمة بعد خمس سنوات من وفاة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ولما تقاربت خطى الفاروق والأمين وعلم كل منهما بمراد الآخر رضي كل منهما على ترك ما عزما عليه (محمد رسول الله ) (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)
ثم دخل المسلمون المسجد الأقصى من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء وصلى فيه تحية المسجد. ثم جاء إلى الصخرة وأزال عنها الزبالة التي كان يلقيها الروم عليها إهانة لقبلة اليهود. وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود. وكانت نساء الروم تنتقم من تدنيس اليهود للكنيسة التي جعلها اليهود مزبلة في المكان الذي زعموا أنهم صلبوا المسيح ابن مريم عنده فكانت النساء تلقي بدم حيضتها في الكنيسة. فدخل المسلمون ليطهروا أماكن العبادة من مزابل اليهودية ومزابل النصرانية. وليتشرفوا بفتح يحافظون عليه إلى ما قبل نهاية القرن السادس.
هذا القرن الذي شهد انشغال الأمة بالدنيا وتمزق ممالكها وملوكها، هذا القرن الذي شهد انتشار بدع الغلاة الفاطميين فاستحقت الأمة أن يسلب منها وسام الأقصى فاحتلها الصليبيون وقتلوا عند المسجد الأقٌصى ما يزيد على ستين ألفا من الرجال والنساء والصبيان. وظل الأقصى أسيرا نحو قرن من الزمان.
شاب يقبل على الدنيا ولهوها امتد به اللهو حتى أوصله إلى شرب الخمر، هذا الشاب هو الذي سيسير خلفه العلماء والقراء ليحرر الأقصى. فكم بين شرب الخمر واستعادة وسام الأقصى من بعد.
إذا كان الأقصى وساما تتقلده الأمة باتباعها لسنة نبيها فلا تنتظر من صلاح الدين أن يقود الأمة إلى معركة عسكرية طاحنة ليحرر بها الأقصى.
هذا الشاب ألقى كأس الخمر وأقبل على هدفه البعيد. مشوار طويل استفتحه بالقضاء على الدولة الفاطمية الشيعية في مصر، وأنشأ فيها عددا من المدارس لتدريس الفقه المالكي والفقه الشافعي.
فهم صلاح الدين أن تصحيح العقيدة هو السبيل إلى توحيد الأمة. لكنه لم يفشل كما فشلنا في محاولة توحيد الأمة على العقيدة. نحن في هذا العصر جعلنا من العقيدة التي أردنا توحيد الأمة عليها سببا في تفريق أسرنا ومساجدنا. يصلي الرجلان في مسجد واحد بل في صف واحد تحسبهم جميعا وقلوبا شتى . وما من سبب لتدابرهم وتنازعهم إلا الاختلاف في ما حسبوه عقيدة.
مرت على محاولات جمعنا مئة عام ما ازددنا فيها إلا تمزقا. كيف يجمع الأمة من بدأنا تعلميه بأن الأمة في النار إلا هو من معه. من يلوم شابا لا يعرف للجار ولا للأهل ولا للعلماء قدرا ولا حقا وقد أسلمناه في تعليمه ليستفتح المعلمون تعليمه بعلم الجرح والتعديل.
أما صلاح الدين فقد فهم أن الأمة لا تجتمع على العقيدة إذا أقحمنا فيها المسائل الخلافية. فكتب مراسيمه وسن قوانينه بمعاقبة من خاض في المتشابهات, وأمر العلماء أن يكتبوا له العقيدة كما فهموها من القرآن والسنة نقية صافية. وأملى عليه علماء السنة العقيدة الصافية فكان يحفظها ويربي أولاده على حفظها.
جمع العلماء من حوله وأنشأ مدارس الفقه المالكية والشافعية. وأكرم القراء وطلاب العلم يفتح لهم الخزائن. وإذا فتح صلاح الدين الخزائن أهلكها كما يهلك أعداؤه، لا يبقي فيها دينارا ولا درهما. يقول صاحب ديوانه حصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا فكان عشرة آلاف فرس‏.‏ ولهذا كان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال حتى لا ينفقه ولا يبقي للدولة مالا ربما تحتاج إليه.
مر صلاح الدين على صبي وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وشاركه في طعامه وأهدى لأبيه بستانا ومزرعة‏.‏ استعد لفتح المقدس بتعلم السنة المطهرة يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم من مشايخه ويستدعي من المحدثين من يرضى بذلك فيسمع منه الحديث ويجلس معه أولاده ومماليكه وينهاهم عن الوقوف أثناء سماع الحديث‏.‏ وإذا سمع عن شيخ لا يحب الدخول على السلاطين ذهب إليه في حلقته وسمع عليه‏.‏
ثبت صلاح الدين دولته بالعدل والعلم في مصر ثم انطلق ليوحد الدولة ويضم بلاد الشام إلى مصر. فضمها إليه ثم تفرغ لحرب الصليبيين. وخاض معهم سلسلة من المعارك.
لن تجد في تاريخه إلا أنه حاصر هذه القلعة زمانا وقاتل قتالا شديدا ثم فتحها وسار إلى مدينة وقلعة فحاصرها وقاتل وفتح أو صالح ثم سار.
هذا ملخص حياته كلها يركب خيله من بكرة النهار إلى صلاة المغرب. ويقضي الليل في التفكير والتدبير والتخطيط لركوب الغد.
كانت دولته أربعا وعشرين سنة قضاها على فرسه يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله ينتزع حصون الشام من الفرنجة حصنا حصنا واقتحم قلاعها قلعة قلعة.
وفتح من بلاد المسلمين حران وآمد وفتح برقة وطرابلس الغرب وكسر عسكر تونس وافتتح بلاد اليمن. وافتتح كثيرا من بلاد النوبة من يد النصارى
وكانت مملكته من الغرب إلى تخوم العراق ومعها اليمن والحجاز فملك ديار مصر بأسرها مع ما انضم إليها من بلاد المغرب والشام بأسرها والحجاز بأسره واليمن بأسره.
لا تتعجب إذا علمت أن صلاح الدين الذي حفظ القرآن وتعلم السنة وفتح البلاد لم يدفع زكاة طوال حياته. هذا الرجل الذي ملك من الشرق والغرب ما ملك خرج من الدنيا ولم تجب عليه الزكاة . وهل يعقل من يعرف صلاح الدين أنه يبقي على دينار في خزانته حولا كاملا. نظر إلى الخزائن وقال للقاضي كأني أنظر إلى التراب.
هذا هو السلطان الذي لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً. ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك‏.‏
هذا هو صلاح الدين الذي ألقى بكأس الخمر وتاب إلى ربه واستقر على ظهر فرسه أكثر من عشرين عاما حتى يعيد للأمة وسام الأقصى.
من الوفاء في ذكرى وفاته أن نتذكر رسالته إلى ريتشارد قلب الأسد. من الوفاء لمن لمن حرر مسرى نبيه أن تذكر سيرته ورسالته على منبر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. رسالة كتبها إلى قلب الأسد لكنا وجدنا فيها رسالة إلى كل مسلم يقول فيها: «القدس إرثنا كما هي إرثكم.. من القدس عرج نبينا إلى السماء.. وفي القدس تجتمع الملائكة.. لا تفكر بأنه يمكن أن نتخلى عنها كأمة مسلمة. أما بالنسبة للأرض، فإن احتلالكم فيها كان شيئاً عرضياً، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء. ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجراً واحداً في هذه الأرض طالما استمر الجهاد».
وتدور الأيام ويتناسى المسلمون عهد المحافظة على وسام الأقصى وفي بداية القرن العشرين
يدخل الجنرال الإنجليزي القدس ويقول «اليوم انتهت الحرب الصليبية» وترسم مجلاتهم رسماً ساخراً يظهر الصليبي قلب الأسد وهو يحدق في القدس، قائلاً: «أخيراً تحقق حلمي»
ويذهب دخل الجنرال الفرنسي إلى قبر صلاح الدين الأيوبي فيركل القبر بحذائه، وقال: «ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين»!
تجد النص كاملا ومسموعا على هذا الرابط
http://www.suhaibalsaqqar.com/ar/khotbaview.asp?no=85