المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ترجمة الإمام الجليل أبو القاسم الرافعي شيخ المذهب وعمدة المتأخرين



عثمان عمر عثمان
04-02-2010, 10:42
عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني الإمام الجليل أبو القاسم الرافعي


صاحب الشرح الكبير المسمى ب العزيز وقد تورع بعضهم عن إطلاق لفظ العزيز مجردا على غير كتاب الله فقال الفتح العزيز في شرح الوجيز والشرح الصغير والمحرر وشرح مسند الشافعي والتذنيب والأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة وهو ثلاثون مجلسا أملاها أحاديث بأسانيده عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلم عليها وقد وقفنا على هذه التصانيف كلها


وله كتاب الإيجاز في أخطار الحجاز ذكر أنه أوراقٌ يسيرة ذكر فيها مباحث وفوائد خطرت له في سفره إلى الحج وكان الصواب أن يقول خطرات أو خواطر الحجاز ولعله قال ذلك والخطأ من الناقل


وكتاب المحمود في الفقه لم يتمه ذكر لي أنه في غاية البسط وأنه وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثمان مجلدات


قلت وقد أشار إليه الرافعي في الشرح الكبير في باب الحيض أظنه عند الكلام في المتحيرة وكفاه بالفتح العزيز شرفا فلقد علا به عنان السماء مقدارا وما اكتفى فإنه الذي لم يصنف مثله في مذهب من المذاهب ولم يشرق على الأمة كضيائه في ظلام الغياهب


كان الإمام الرافعي متضلعا من علوم الشريعة تفسيرا وحديثا وأصولا مترفعا على أبناء جنسه في زمانه نقلا وبحثا وإرشادا وتحصيلا وأما الفقه فهو فيه عمدة المحققين وأستاذ المصنفين كأنما كان الفقه ميتا فأحياه وأنشره وأقام عماده بعد ما أماته الجهل فأقبره كان فيه بدرا يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضمها أوجها وجوادا لا يلحقه الجواد إذا سلك طرقا ينقل فيها أقوالا ويخرج أوجها فكأنما عناه البحتري بقوله


وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ** برقت مصابيح الدجا في كتبه


باللفظ يقرب فهمه في بعده ** منا ويبعد نيله في قربه


حكمٌ سحابتها خلال بيانه ** هطالةٌ وقليبها في قلبه


كالروض مؤتلقا بحمرة نوره ** وبياض زهرته وخضرة عشبه


وكأنها والسمع معقودٌ بها ** شخص الحبيب بدا لعين محبه


وكان رحمه الله ورعا زاهدا تقيا نقيا طاهر الذيل مراقبا لله له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية والكرامات الباهرة


سمع الحديث من جماعة منهم أبوه وأبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عثمان العمراني والخطيب أبو نصر حامد بن محمود الماوراء النهري والحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمذاني ومحمد بن عبد الباقي بن البطي والإمام أبو سليمان أحمد بن حسنويه وغيرهم وحدث بالإجازة عن أبي زرعة المقدسي وغيره


روى عنه الحافظ عبد العظيم المنذري وغيره


قال ابن الصلاح أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله


قلت لا شك في ذلك


وقال النووي الرافعي من الصالحين المتمكنين كانت له كراماتٌ كثيرة


وقال أبو عبد الله محمد بن محمد الإسفرايني هو شيخنا إمام الدين وناصر السنة كان أوحد عصره في العلوم الدينية أوصلا وفروعا مجتهد زمانه في المذهب فريد وقته في التفسير كان له مجلسٌ بقزوين للتفسير ولتسميع الحديث


ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي نقلت من خط الحافظ علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي نقلت من خط الشيخ الإمام تاج الدين بن الفركاح أن القاضي شمس الدين بن خلكان حدثه أن الإمام الرافعي توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة وأن خوارزم شاه يعني جلال الدين غزا الكرج بتفليس في هذه السنة وقتل فيهم بنفسه حتى جمد الدم على يده فلما مر بقزوين خرج إليه الرافعي فلما دخل إليه أكرمه إكراما عظيما فقال له الرافعي سمعت أنك قاتلت الكفار حتى جمد الدم على يدك فأحب أن تخرج إلي يدك لأقبلها فقال له السلطان بل أنا أحب أن أقبل يدك فقبل السلطان يده وتحادثا ثم خرج الشيخ وركب دابته وسار قليلا فعثرت به الدابة فوقع فتأذت يده التي قبلها السلطان فقال الشيخ سبحان الله لقد قبل هذا السلطان يدي فحصل في نفسي شيءٌ من العظمة فعوقبت في الوقت بهذه العقوبة


سمعت شيخنا شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب يحكى أن الرافعي فقد في بعض الليالي ما يسرجه عليه وقت التصنيف فأضاءت له شجرةٌ في بيته


أخبرنا أبو عبد الله الحافظ بقراءتي عليه أخبرنا إسحاق بن إبراهيم المقرئ أخبرنا عبد العظيم بن عبد القوي الحافظ حدثنا الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني لفظا بمسجد رسول الله أخبرنا أبو زرعة إذنا


ح وكتب إلي أبو طاهر بن سيف عن المنذري أخبرنا الرافعي لفظا


ح وقرأت على أبي عبد الله وأبي العباس الحافظين أخبركما عبد الخالق القاضي أخبرنا ابن قدامة أخبرنا أبو زرعة أخبرنا المقومي إجازة إن لم يكن سماعا أخبرنا أبو القاسم الخطيب أخبرنا القطان أخبرنا ابن ماجه حدثنا إسماعيل بن راشد حدثنا زكريا بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر أن رسول الله قال صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه


قال الحافظ عبد العظيم صوابه ابن أسد


وهذه فوائد من أمالي الرافعي




قال في قوله إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنما قال مائة إلا واحدا لئلا يتوهم أنه على التقريب وفيه فائدة رفع الاشتباه فقد يشتبه في الخط تسعة وتسعون بسبعة وسبعين


روى بسنده إلى عبد الله المغربي من ادعى العبودية وله مرادٌ باق فهو كاذبٌ في دعواه إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته وقام بمراد سيده ليكون اسمه ما سمي به إذا دعي باسم أجاب عن العبودية ولا يجيب إلا من يدعوه بالعبودية ثم أنشأ يقول


يا عمرو ثاري عند أسماء ** يعرفه السامع والرائي


لا تدعني إلا بيا عبدها ** لأنه أشرف أسمائى


ثم أنشد الرافعي لنفسه


سمني بما شئت وسم جبهتي ** باسمك ثم أسم بأسمائي


فسمني عبدك أفخر به ** ويستوي عرشي على الماء


وأنشد لنفسه أيضا


إن كنت في اليسر فاحمد من حباك به ** فليس حقا قضى لكنه الجود


أو كنت في العسر فاحمده كذلك إذ ** ما فوق ذلك مصروفٌ ومردود


وكيفما دارت الأيام مقبلة ** وغير مقبلة فالحمد محمود


وقال اعلم أن الناس في الرضا ثلاثة أقسام قومٌ يحسون بالبلاء ويكرهونه ولكن يصبرون على حكمه ويتركون تدبيرهم ونظرهم حبا لله تعالى لأن تدبير العقل لا ينطبق على رسوم المحبة والهوى قال قائلهم


لن يضبط العقل إلا ما يدبره ** ولا ترى في الهوى للعقل تدبيرا


كن محسنا أو مسيئا وابق لي أبدا ** وكن لدي على الحالين مشكورا


وقومٌ يضمون إلى سكون الظاهر سكون القلب بالاجتهاد والرياضة وإن أتى البلاء على أنفسهم بل


يستعذبون بلاياهم كأنهم ** لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا


ولذلك قال ذو النون المصري الرجاء سرور القلب بمرور القضاء وقالت رابعة إنما يكون العبد راضيا إذا سرته البلية كما سرته النعمة


وقومٌ يتركون الاختيار ويوافقون الأقدار فلا يبقى لهم تلذذٌ ولا استعذاب ولا راحةٌ ولا عذاب قال أبو الشيص وأحسن


وقف الهوي بي حيث أنت فليس لي ** متأخرٌ عنه ولا متقدم


أجد الملامة في هواك لذيذة ** حبا لذكرك فليلمني اللوم


أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ** إذ كان حظي منك حظي منهم


وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ** ما من يهون عليك ممن يكرم


قال في الإملاء على حديث عائشة كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين حمل الشافعي ذلك فيما نقله أبو عيسى الترمذي وغيره على التعبير عن السورة يذكر أولها بعد آية التسمية المشتركة كما يقال قرأت طه ويس قال ثم هذا الاستدلال يعني استدلال الخصوم على أنها ليست من القرآن بهذا الحديث لا يتضح على قول من يذهب إلى أن التسمية في أوائل السور ليست من القرآن لأن المراد من قوله يستفتح القراءة قراءة القرآن لا مطلق القراءة وحينئذ فالافتتاح بالحمد لله رب العالمين لا ينافى قراءة البسملة أولا كما لا ينافى قراءة التعوذ ودعاء الاستفتاح


قال الرافعي سبيل من أشرف قلبه ونور بصيرته على الضياع أن يستغيث بالرحمن رجاء أن يتدارك أمره بالرحمة والاصطناع ويتضرع بما أنشد عبد الله بن الحسن الفقير


لو شئت داويت قلبا أنت مسقمه ** وفي يديك من البلوى سلامته


إن كان يجهل ما في القلب من حرق ** فدمع عيني على خدي علامته


ثم روى بسنده أن سمنون كان جالسا على الشط وبيده قضيبٌ يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه وهو يقول


كان لي قلبٌ أعيش به ** ضاع مني في تقلبه


رب فاردده علي فقد ** ضاق صدري في تطلبه


وأغث ما دام بي رمقٌ ** يا غياث المستغيث به


وروى عن مسرور الخادم قال لما احتضر هارون أمير المؤمنين أمرني أن آتيه بأكفانه فأتيته بها ثم أمرني فحفرت له قبره ثم أمر فحمل إليه وجعل يتأمله ويقول ‏{‏مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ‏}‏ ثم أنشد الرافعي لنفسه


الملك لله الذي عنت الوجوه ** له وذلت عنده الأرباب


متفردٌ بالملك والسلطان قد ** خسر الذين تجاذبوه وخابوا


دعهم وزعم الملك يوم غرورهم ** فسيعلمون غدا من الكذاب


وقال في قوله إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في كل يوم مائة مرة مم كان يتوب النبي وعلى م يحمل الغين في قلبه افترق الناس فيه فرقتين فرقة أنكرت الحديث واستعظمت أن يغان قلب رسول الله حتى يستغفر مما أصابه وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج صاحب كتاب اللمع في التصوف فروى الحديث وقال عقيبه هذا حديثٌ منكرٌ وأنكر علماء الحديث استنكار السراج وقالوا الحديث صحيحٌ وكان من حقه أن لا يتكلم فيما لا يعلم والمصححون له تحزبوا فتحرج من تفسيره متحرجون


عن شعبة سألت الأصمعي ما معنى ليغان على قلبي فقال عمن يروى ذلك قلت عن النبي قال لو كان عن غير قلب النبي فسرته لك وأما قلب النبي فلا أدري فكان شعبة يتعجب منه


وعن الجنيد لولا أنه حال النبي لتكلمت فيه ولا يتكلم على حال إلا من كان مشرفا عليها وجلت حاله أن يشرف على نهايتها أحدٌ من الخلق وتمنى الصديق رضى الله عنه مع علو مرتبته أن يشرف عليها فعنه ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله


فهذه طريقة المصححين وتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم ولهم منهاجان أحدهما حمل الغين على حالة جميلة ومرتبة عالية اختص بها النبي والمراد من استغفاره خضوعه وإظهار حاجته إلى ربه أو ملازمته للعبودية ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان وعن أبي سعيد الخراز الغين شيءٌ لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء لصفاء الأسرار وهو كالغين الرقيق الذي لا يدوم


والثاني حمل الغين على عارض يطرأ غيره أكمل منه فيبادر إلى الاستغفار إعراضا وعلى هذا كثرت التنزيلات والتأويلات فقد كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم فكان يستغفر لهم وقيل سببه ما يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله وقيل ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم وقيل ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب وقيل لم يزل رسول الله مترقيا من رتبة إلى رتبة فكلما رقي درجة والتفت إلى ما خلفها وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها وذلك هو الغين فيستغفر الله منها وهذا ما كان يستحسنه والدي رحمه الله ويقرره انتهى كلام الرافعي ثم أنشد لغيره هذا


والله ما سهري إلا لبعدهم ** ولو أقاموا لما عذبت بالسهر


عهدي بهم ورداء الوصل يشملنا ** والليل أطوله كاللمح بالبصر


والآن ليلي إذ ضنوا بزورتهم ** ليل الضرير فنومي غير منتظر


وهذه فوائد من شرح المسند للرافعي




ذكر فيه أن الأفضل لمن يشيع الجنازة أن يكون خلفها بالاتفاق والذي أوقعه في ذلك الخطابي فإنه كذلك قال وقد ذكر الرافعي نفسه في شرحيه أنه يكون أمامها وحكى ما سبق رواية عن أحمد


ومن شعر الرافعي مما ليس في الأمالي أنشدنا قاضي القضاة جلال الدين محمد ابن عبد الرحمن القزويني في كتابه عن والده عن أبي القاسم الرافعي رحمه الله أنه أنشده لنفسه


تنبه فحق أن يطول بحسرة ** تلهف من يستغرق العمر نومه


وقد نمت في عصر الشبيبة غافلا ** فهب نصيح الشيب قد جاء يومه


وهذه تنبيهات مهمة تتعلق بالرافعي رحمه الله ورضي عنه وعنا بكرمه




تنبيه اشتهر على لسان الطلبة أن الرافعي لا يصحح إلا ما كان عليه أكثر الأصحاب وكأنهم أخذوا ذلك من خطبة كتابه المحرر ومن كلام صاحب الحاوي الصغير واشتد نكير الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى على من ظن ذلك وبين خطأه في كتاب الطوالع المشرقة وغيره ولخصت أنا كلامه فيه في كتاب التوشيح ثم ذكرت أماكن رجح الرافعي فيها ما أعرف أن الأكثر على خلافه وها أنا أعد ما يحضرني من هذه الأماكن


منها الجلوس بين السجدتين هل هو ركنٌ طويلٌ أو قصير فيه وجهان أحدهما أنه طويل قال الرافعي حكاه إمام الحرمين عن ابن سريج والجمهور والثاني أنه قصيرٌ قال الرافعي وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في الفروق وتابعه صاحب التهذيب وغيره وهو الأصح انتهى


ولعل الرافعي ينازع الإمام في كون الجمهور على أنه طويل


ومنها في صلاة الخوف إذا دمي السلاح الذي يحمله المصلي وعجز عن إلقائه أمسكه وفي القضاء حينئذ قولان قال الرافعي نقل الإمام عن الأصحاب أنه يقضي وقال النووي ظاهر كلام الأصحاب القطع به قال الرافعي والأقيس أنه لا يقضي ووافقه الشيخ الإمام


ومنها ذكر أن الأكثر لا سيما المتقدمين على تجويز النظر إلى الأجنبية واقتضى كلامه

(الطبقات للتاج الدين السبكي رحمه الله )