المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد لغوية



احمد سعيد احمد
10-10-2004, 21:38
فوائد مقتطفة من كتاب (فروق حقي/ لإسماعيل حقي أبي الفداء)

اعلم أن أول من خطّ بالقلم بتعليم الله تعالى إدريس عليه السلام، وأصل الخط العربي هو الخط الكوفي، ولذا قيل: حدوث النقاط والأعجام قريب العهد، حيث وضعها بعض الخطاطين الذين وضعوا واستخرجوا خط النسخ المعروف عندنا كابن مقلة وزير المقتدر بالله، ثم القاهر بالله، فإنه أول من نقل الخط الكوفي إلى طريقة العربية، ثم جاء ابن البواب وزاد في تعريب الخط، وهذب طريقة ابن مقلة وكساها بهجة وحسناً، ثم الياقوت المستعصمي ثم .. وثم .. إلى أن ينتهي إلى ما هو المرسوم الآن، وللخط العربي قواعد ورسوم إذا انتظم في سلكها كان شية مستحسنة، لكن قال العلماء: (خطّان لا يقاسان: خطّ المصحف العثماني وخطّ العروض)، أما الأول فلأنه سنة متبعة تعبداً وتبركاً واقتداءً بالصحابة الكرام كتابة وقراءة؛ ولذا رسم مثل (ق)، و(ن)، من فواتح السور على صورة المسمى مع أن القياس أن يكتب قاف ونون على صورة الاسم، فافهم. وأما الثاني فلأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه، ألا ترى أن أهل العروض يقولون في البسملة: بسمل لاهر رحمانر رحيم بإثبات الألفات لعدم انفهام تقطيع الأوزان بدونها، ثم نقول: الخط تصوير اللفظ برسم حروف هجائه التي هي المسميات لا برسم حروف أسمائها، وأسماؤها الألفاظ التي يتهجى بها، أي يعدد بها الحروف، فمثل جعفر، الأول منه اسمه جيم ومسماه (ج)، وهكذا، وللشيء في الوجود أربع مراتب: حقيقة في نفسه، ومثاله ذهناً واللفظ الدال على مثاله الذهني، ووجوده الخارجي، والكتابة الدالة على اللفظ. والأوليان لا تختلفان باختلاف، الأمم بخلاف الأخريين كاللغة العربية وغيرها والخط العربي وغيره؛ ولذا نقول: لا يقاس رسوم لغة على رسوم لغة أخرى، كرسوم ألفاظ الفارسية أو التركية مثلاُ لا تقاس على العربية، بل اللفظ الواحد العربي يختلف بحسب الاستعمالين، فمثل عزت ورفعت وحقيقت وغيرها من الألفاظ العربية يكتب بالتاء الطويلة في قولنا: عزت دارين ورفعت عالمين وحقيقت نشأتين، بخلاف ما إذا قلنا عزة الدارين، فإنه يكتب بالقصيرة مع اتحادهما من حيث اللفظ، أي الإضافة والمعنى، فقس عليه.
قال ابن درستويه: لفظ الصلوة لم يثبت بالواو في غير القرآن. أقول: ذلك لأنهم وإن قالوا فيه إنه بالألف مبدلة عن الواو لفظاً وبالواو كتابة إلا إذا أضيف أو ثني، فيكتب صلاتك وصلاتان، وكذا حياتك وحياتان، وزكاتك وزكاتان بالألف في الكل، حتى علله الحريري في درة الغواص بأن الإضافة والتثنية فرعان على المفرد، وقد يجوز في الفرع ما لا يجوز في الأصل. انتهى.
إلا أن ذلك منهم تعبد أو تبرك أو اقتداء كما سبق، ولو كان ذلك أمراً لازماً على الإطلاق لما رسم أصلوتك في قوله تعالى حكاية: (أصلوتك تأمرك) الآية بالواو في صورة الإضافة، فحالة الإفراد والإضافة والتثنية على السوية في كتابة الألف في غير المصحف إلا أن يتبع كما أنها على السوية في الكتابة بالواو في المصحف كما عرفت آنفاً، ولا يغرنك قول صاحب الكشاف: كتب الحيوة في صورة الواو على لغة من يميل الألف إلى الواو، وكذلك الصلوة والزكوة انتهى، فإن ذلك حق بالنسبة إلى رسم المصحف لا غير، كما أجاب عنه سعد الملة والدين التفتازاني في شرح التصريف، وأكثر من يشار إليه بالبنان في هذا الزمان من أصحاب الفضل والعرفان يقفون عند شيء من غير حجة وبرهان، ولكن عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان.

وإذا تمهد هذا فنقول على وجه المعقول والمنقول: إن الألف في أول البسملة حذفت من اللفظ والكتابة طلباً للخفة ولكثرة استعمالها، وطولت الباء ليكون عوضاً عنها ودالاً عليها، قال الحريري: وإنما تحذف إذا كتبت في فواتح السور وأوائل الكتب لكثرة استعمالها في أول كل ما يبدأ به ويشرع فيه، وتقدير الكلام في البسملة المصدرة: ابدأ باسم الله، فترك إظهار الفعل لدلالة الحاضرة عليه، فإن أُبْرِزَ وجب إثبات الألف كما في (اقرأ باسم ربك) (فسبح باسم ربك)، فإن أضيف إلى غيره من الأسماء الحسنى، نحو: الرحمن، والقهار، وجب إثبات الألف، فيقال: باسم الرحمن، وباسم القهار، وعلل في ذلك بقلة مدار هاتين اللفظتين ونظائرهما في الكلام وعند افتتاح الأعمال.