المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البرهان في إعجاز القرآن



بكر علي الجازي
13-01-2010, 13:14
بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته، وبعد:
فإنه لمّا كان عمادُ الإسلامِ شهادةَ ألاّ إله إلاّ الله، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلَّم عبدُه ورسولُه، كان تحصيلُ العلمِ بأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى موجود، وأنَّه لا إله غيرُه، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسولُ اللهِ من أوجبِ الواجباتِ، كيف لا؟ وهاتان الشَّهادتانِ هما عمادُ الإسلامِ ومفتاحُ الدُّخولِ فيه.
وتحصيلُ العلمِ بهذا يكونُ بالنَّظرِ في إقامةِ الأدلَّةِ والبراهينِ على صدقِ هذه الدَّعاوى، إذ وجودُ اللهِ من حيث هو دعوى يلزمُها دليلٌ، و "لا إله إلا الله" دعوى يلزمُها دليلٌ، وأنَّ محمداً صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رسولُ الله هي أيضاً دعوى يلزمُها دليلٌ، فكان النَّظرُ من أجلِ تحصيلِ العِلمِ بِصحَّةِ هذه الدَّعاوى، بما تذعنُ له النَّفسُ، ويطمئِنُّ له القلبُ من أوجبِ الواجباتِ في الدِّينِ.
أمّا الرُّكنُ الأَوَّلُ في هذه الشَّهادةِ "لا إله إلا الله" فأمرٌ يَتَبَيَّنُه النَّاظرُ في هذا الكونِ، إذ يَستَدِلُّ بهذا الكونِ وما فيه من عجائبَ على ضرورةِ وجودِ موجودٍ أوَّلَ، هو واجبُ الوجودِ، تستندُ الأشياءُ جميعُها في وجودِها إليه، ولا يستندُ هو إلى شيءٍ؛ يدركُ الناظرُ أنَّ هذا الكونَ بما فيه يستوي فيه جانبا الوجودِ والعدمِ، فكانَ لا بُدَّ لِترجيحِ الوجودِ على العدمِ فيه من مرجِّحٍ، ثم إنَّ هذا المرجِّحَ للوجودِ على العدمِ لو كان من جنسِ الكونِ، لَتَسَلسَلَ الأَمرُ، ولمّا كان التَّسلسلُ محالاً، كان لا بدَّ من وجودِ موجودٍ أَوَّلَ هو واجبُ الوجودِ لا يستندُ في وجودِه إلى شيءٍ. ثم نستوي بعد إثباتِ ضرورةِ وجودِ واجبِ الوجودِ إلى إثباتِ وحدانِيَتِه سبحانه وتعالى، وأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ متعدِّداً، بل لا يكونُ إلاّ واحداً، إذ لو كان مُتعدِّداً أدَّى هذا إلى ثبوتِ الاحتياجِ في حقِّه، ولمّا كان الاحتياجُ في حقِّه محالاً كان التَّعَدُّدُ محالاً، فَنَشهَدُ بحقٍّ ألاّ إلهَ إلاّ الله، وحدَه لا شريك له، شهادةً تطمئِنُّ بها النَّفسُ، ويذعنُ لها القَلبُ، والدخولُ في تفصيلاتِ إثباتِ وجودِ اللهِ وأنه واجبُ الوجودِ، واحدٌ لا شريكَ له، ممّا يطولُ، ولكن اكتفينا بالإشارةِ إليه، ولمن أراد الاستزادةَ أن يرجعَ إليه في مظانِّه.
أما الرُّكنُ الثَّاني من هذه الشَّهادةِ "محمدٌ رسولُ اللهِ" فلا بدَّ في إثباتِها أن نقدِّمَ لها بمقدمتين:

1. الأولى: أنَّ بعثةَ الأنبياءِ من الأُمورِ الجائزةِ عقلاً، إذ ليست من المحالاتِ، ولا هي من الواجباتِ، فكانت من الأُمورِ المُمكِنةِ.

2. الثانية: أنَّ هذا الجائزَ واقعٌ، أو قد وقعَ بالفعلِ، فقد بَعَثَ اللهُ الأنبياءَ، وعرَّفَ النَّاسَ صدقَهم بأمورٍ خارقةٍ أجراها اللهُ على أيديهم، ممَّا لا يكونُ من البَشَرِ أن ياتوا بها أو بمثلِها. وهذا ما يُعرفُ عند علماءِ الكلامِ وأصولِ الدِّينِ بالمعجزةِ.

والنَّظرُ في إثباتِ نبوَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يكونُ بالنَّظرِ في آيةِ نبوَّتِه، والعلامةِ الدَّالَّةِ على رسالتِه، في القرآنِ الذي جاء به، والذي تحدَّى إليه العربَ أن يأتوا بمثلِه، فإذا ما أثبتنا أنَّ القرآنَ الذي جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلَّم ممَّا ليس في وُسعِ البَشَرِ ولا في مقدورِهم أن يأتوا بمثلِه، وأنَّه قد تحدَّى إليه العَرَبَ الذين هم أهلُ البلاغةِ والفصاحةِ، وأعجَزَهم، فانْقَطَعَتْ الأَطْمَاعُ عن المُعارَضَةِ، وَخَرَسَت الأَلْسُنُ عن دَعْوى المُداناةِ، ولم تحدِّثْ نَفْسٌ صاحِبَها أَنْ يَتَصَدَّىٰ، ولم يَدُرْ بخَلَدٍ أَنَّ الإِتيانَ بمثلِه ممكِنٌ، وحتَّى كان يأْسُهم منه، وإِحساسُهم بِالعَجْزِ عنه في بَعْضِه مثلَ ذلك في كُلِّه، إذا ما أثبتنا هذا فقد أثبتنا نبوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وقبل الشُّروعِ في إثباتِ هذا، نبتديءُ أولاً بتعريفِ المعجزةِ وتقريرِها، وتصويرِها في الأذهانِ، ثم نصيرُ بعد ذلك إلى إثبات إعجاز القرآن، فنقولُ:
عُرِّفت المعجزةُ، بأنها الأمرُ الخارقُ لِلعادةِ، يُظهِرُه اللهُ على يَدِ مُدَّعي النُّبُوَّةِ على وجهٍ يُبَيِّنُ صدقَ دعواه.
ومعنى أنَّها خارقٌة للعادةِ أنَّها خارقٌة للمألوفِ والمعهودِ، ولا تخالِفُ العقلَ والإمكانَ، فالعقلُ لا يحيلُ – مثلاً- ألاّ تُحرِقَ النَّارُ، ولا يُحيلُ ألاّ يحترقَ الخشبُ عند ملامسةِ النار، ولا يُحيلُ أن يطيرَ الإنسانُ بجسمِه في الهواءِ، ولا أن يسيرَ برجليه على الماءِ، العقلُ لا يحيلُ شيئاً من هذا، وإنما تُحيلُه العادةُ، فإذا ما وقعت مثلُ هذه الأشياءِ كانت خارقةً للعادةِ، لا خارقةً للعقلِ، وبها نعرف أنَّ الله أجرى لهذا الرجلِ ما لم يجرِه لغيرِه من بني آدم، فنعلمُ بها صدقَ ذلك الرَّجلِ في دعواه النُّبُوَّةَ.

ومعنى أن يُظهرَهُ اللهُ: أن يكونَ هذا الأمرُ المعجزُ من الأمورِ الواضحةِ الظَّاهرةِ، وذلك بأن يَتبَيَّنَه النَّاسُ الذين ظهرَ فيهم على وجهٍ لا يُداخِلُه الشَّكُ، حتى تقومَ به الحجَّةُ على المخاطبين، ولو أجرى اللهُ المعجزةَ على يدِ نبيِّه ورسولِه ثمَّ لم تَتَبَيَّنْها إلا فئةٌ قليلةٌ لم تقم بذلك حجةٌ، إذ لا بدَّ من ظهور المعجزةِ ظهوراً يَتَبَيَّنُه النَّاسُ، ثم يتناقلونها فيما بينهم، ويشيعُ أمرُها، بحيثُ يبلغُ المخبرون بها مبلغَ التَّواترِ.
ومن هذا البابِ اشتراطُ العلماءِ وجودَ التحدِّي، بأن يُقالَ في تعريفِ المعجزةِ: هي الأمر الخارق للعادةِ يظهرُ على يدِ مدَّعي النبوَّةِ عندَ تحدِّي المنكرين له، على وجه يبيِّنُ صدقَ دعواه، والتحدِّي إن لم يكنْ ركناً من أركانِ المعجزةِ، فهو شرطٌ من شروطِ إدراكها، ثم ظهورها، إذ لا تقومُ الحجَّةُ على النَّاسِ إلا بظهورِ أمرِ المعجزةِ، والتحدِّي الذي يُصاحبُ المعجزةَ، ويُدعى إليه الناسُ، أبلغُ ما يكونُ في إثباتها وتقريرها، ثم في إظهارِها وبيانها لِلنَّاسِ بياناً لا يداخله الشك.

مثالُ هذا معجزة موسى عليه السَّلامُ، فإنَّه لما جاءَ فرعونَ بالعصا يلقيها فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، وبأن يدخلَ يدَه في جيبِه، ثم يخرجَها فإذا هي بيضاءُ للنَّاظرين، ظنَّ فرعونُ وحاشيتُه أنَّ ما جاء به موسى من جنسِ السِّحرِ، ولعلَّه كان معذوراً في بادي الأمرِ إذا لم يكن له حظٌّ في أصولِ السِّحرِ وغرائبِه، وكذلك العوامُّ من النَّاسِ لعلهم لم يكن لهم حظٌّ في هذا، فـ﴿قالَ أجيتَنا لِتُخرِجَنا من ارضِنا بِسحرِك يا موسى. فلناتينَّك بِسحرٍ مثلِه، فاجعلْ بيننا وبينك موعداً لا نخلفُه نحن ولا أنتَ مكاناً سوى. قال موعدُكم يومُ الزينةِ وأن يُحشرَ النّاسُ ضُحى﴾،فأرجأ فرعونُ موسى وأخاه عليهما السلامُ، وأرسل في المدائنِ لياتوه بكلِّ ساحر عليم، ثم اجتمع السحرة في يوم الزينة، وسألوا فرعونَ الأجرَ إن كان هم الغالبين، فقال فرعونُ ﴿نعم وإنكم إذاً لمن المقربين﴾، وحُشِرَ الناسُ ضحى، وهذا أبلغُ ما يكونُ في ظهورِ المعجزةِ، وإقامةِ الحجَّةِ.
ثم ﴿قال لهم موسى ألقوا ما أنتم مُلقون. فألقوا حبالَهم وعصيَّهم وقالوا بعزةِ فرعونَ إنا لنحنُ الغالبون. فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يافكون. فألقيَ السَّحرةُ ساجدين. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون﴾.
فظهرت المعجزة، وقامت بها الحجَّةُ على الناسِ أجمعين، أما السَّحرةُ فعرفوا بالضرورةِ أنَّ ما جاء به موسى عليه السلام ليس من جنسِ السِّحرِ وهم أربابُه والأدرى بعجائبه وفنونِه، وأما عامَّةُ النَّاسِ مِمَّن لا درايةَ لهم بفنونِ السِّحرِ وأصولِه، فعرفوا بالنَّظرِ أنَّ هذا ليس من جنس السِّحرِ، تفصيل ذلك أنَّ السَّحرةَ كانوا جمعاً عظيماً وحشداً كبيراً في مقابلة موسى عليه السَّلامُ، وكانوا عالمين بالسِّحرِ، بحيث تحيلُ العادةُ:

1. تواطؤهم على الكذبِ، أو الخيانة بأن يكونَ موسى عليه السَّلامُ استمالهم إلى جانبِه وأجزلَ لهم العطاءَ ليكذبوا ويخونوا.

2. أو أن يُظَنَّ أنهم لم يحكموا أصولَ السِّحرِ وفنونَه، أو غاب عنهم شيءٌ من أسرارِه وخفاياه.

ثم إن هذا التَّحدي كان في جمعٍ حاشدٍ من عوامِّ الناسُ، بحيث يتناقلونه وتطير به الأخبارُ في كلِّ صوبٍ.

ولو كان السَّحرةُ واحداً أو اثنين أو ثلاثةً لداخلت عامَّةَ النَّاسِ الشُّبهةُ، أن يكونَ ذلك الساحرُ الوحيدُ أو الاثنان أو الثلاثةُ ممَّن لم يُحكِموا فنونَ السِّحرِ فهانَ أمرُهم على موسى، أو أنَّهم كانوا عالمين مُتقنين ولكن عثرَت بهم حظوظُهم، وخانهم التَّوفيقُ، كالمبارزة تكونُ بين فارسين متكافيين، ثم تنتهي لا محالةَ بفوزِ أحدِهما، أو أنَّ موسى استمالهم إلى جانبِه على فرعونَ وأجزلَ لهم العطاء، بل لعلَّ هؤلاء السَّحرةَ لو كانوا قلَّةً ظنُّوا أنَّ ما جاءَ به موسى سحرٌ لم تتناهَ إليه مداركهم، ولم يكشفوا عن سرِّه، فلا يحصلُ عندهم اليقينُ أنَّ ما جاء به موسى ليس من جنسِ السِّحرِ، بل ربما ظنُّوا أنَّه سحرٌ لم يتَبَيَّنوا بعد أسرارَه. ذلك أن اليقين بحصول خرق العادة لا يحصل بمجرد إحساسك بالعجز عنه، بل لا بد أن يكون إلى جانب هذا علمُك بعجز الناس عنه، وإلا فما يدريك أن ما تظنه خارقاً للعادة ليس بخارق على الحقيقة، وأن هذا وهم حصل عندك لقصور في علمك، أو لخفاء مكمن الزلل عليك. إما إن حصل هذا من مجموع الناس بأن يقروا بأن هذا الأمر خارق للعادة، أو بأن يتحدوا إليه فلا يستطيعوا، فعند ذلك يتحصل لك العلم بأن هذا خارق للعادة. فعجز الناس، أو عجز من لا يتصور منهم في العادة العجز عن الإتيان بمثل ما جاء به صاحبهم وليس عجز فردٍ واحدٍ مما يلزم في إثبات أمر المعجزة، وفي تقريرها، ثم بعد ذلك في ظهورها، وهذه فائدة شريفة، ودقيقة لا يجوز إغفالها.

نعود فنقول: إن كلَّ هذه شُّبهاتٌ يمكنُ أن تحيطَ بأمرِ المعجزةِ فلا يتبيَّنَها النَّاسُ، ولا يستيقنوها، إلاّ أنَّ الأمرَ كان على خلافِ ذلك، فقد حشدَ فرعونُ لموسى عليه السلامُ كلَّ ساحرٍ عليم، ووعدهم العطاءَ الجزيلَ، وأن يكونوا من المقرَّبين، وتحيلُ العادةُ أن يتواطأَ هذا العددُ من السَّحرةِ على الكذبِ، أو أن يكونَ موسى استمالهم على فرعونَ، وتحيلُ العادةُ أيضاً أن يكونَ هذا العددُ من السَّحرةِ العليمين بالسِّحرِ وفنونِه خفيَ عليهم سحرُ موسى لو كان ما جاء به موسى سحراً، فظهرَ أمر المعجزةِ للعامَّةِ ظهوراً لا يداخلُه الشكُّ، ولا تُشامُّه الظُّنونُ والتَّخرُّصاتُ، وسواءٌ في إدراكِ هذا الخبراءُ وعوامُّ النَّاس، الأوَّلون يدركونه بالضرورةِ، والآخِرون يدركونه بالاستدلالِ.

ثم – لنكن على بينةٍ- أنَّ إيمان السَّحرةِ بموسى أو استكبارَهم بعد هزيمتِهم لا اعتبارَ به، فإنهم - إذ ألقوا ساجدين- مقرّون بأنَّ ما جاءَ به موسى عليه السلامُ ليس من جنسِ السِّحرِ الذي عَرَفوه وخَبروه، وأنَّ هذا من خوارقِ العاداتِ الدالَّةِ على صدقِ دعوى النبوَّةِ، ولو أنهم استكبروا واستنكفوا أن يذعنوا لموسى لظلّوا مطالبين بأن ينفصلوا بجوابٍ عما جاء به موسى: كيف لموسى أن يغلبهم؟ ولماذا عجزوا عن مقارعته؟ وكيف ظهر ما جاء به على سحرِهم؟ فإذا ما عجزوا أن ياتوا بمثلِه، كان هذا حجةً عليهم وعلى من جاء بعدهم على صدقِ دعوى النُّبوَّةِ.

لذلك...

فإنَّه ممّا يلزمُ لظهورِ المعجزةِ ظهوراً تقومُ به الحجة على النّاس:

أ‌. أن يقع بها التّحدي على جمعٍ من النَّاس لا يُتصَوَّرُ منهم العجزُ عنه إن كانوا عليه قادرين.

ب‌. ثم يتبيَّن عجزُ المُتَحَدَّيْن عن الإتيانِ بمثلِها.

ج‌. وأن تطيرَ الأخبارِ بذلك التَّحدي من جانبِ الرَّسولِ، وذلك العجزِ من جانبِ المتحدَّين وتبلغَ مبلغَ التواترِ الذي يفيدُ العلمَ الضروريَّ.

وبالنَّظرِ في القرآنِ الذي هو معجزةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، يمكنُ لنا أن نتبيَّنَ تحقُّقَ هذه الشروطِ، وحصولَها في القرآنِ على وجه لا يداخلُه الشكُّ ولا تحتفُّ به الظُّنون:

‌أ. إذ قرع القرآنُ أسماعَ قريشٍ والعربِ، ونزلَ على محمد صلى الله عليه وسلم منجماً، فعرفوه وخبروه، وظهرَ أمرُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما جاء به في قريش وفي قبائل العربِ، وتحدّاهم إليه أن ياتوا بمثلِه في البيانِ والبلاغةِ والفصاحةِ في آياتٍ كثيرة:
قال تعالى ﴿قل لئن اجتمعت الإنسُ والجنُّ على أن ياتوا بمثلِ هذا القرآنِ لا ياتون بمثلِه ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً﴾
في آيةٍ أخرى ﴿أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشرِ سورٍ مثلِه مفتريات﴾
وفي آية أخرى ﴿وإن كنتم في ريبٍ ممّا نزَّلنا على عبدِنا فاتوا بسورةٍ من مثلٍه وادعوا شهداءَكم من دونِ اللهِ إن كنتُم صادقين﴾
وفي موطنٍ آخر ﴿أم يقولون افتراه قل فاتوا بسورةٍ مثلِه وادعوا من استطعتُم من دونِ اللهِ إن كنتُم صادقين﴾
وكذلك قولُه تعالى ﴿أم يقولون تقوَّلَه بل لا يومنون. فلياتوا بحديثٍ مثلِه إن كانوا صادقين﴾

‌ب. هذه الآياتُ فيها من التَّحدي ما يقرَعُ الأسماعَ، وتهتزُّ له القلوبُ، وتقشعرُّ الأبدانُ، وما يثقُلُ على النُّفوسِ، ثم إنَّ أمرَ التَّحدي قد طالَ واستمرَّ سنين طويلة، إذ نزلت آياتُ التحدي منجمةً لا دفعةً واحدةً، ولا يُتصوَّرُ في قريشٍ الذين هم أهل الأنفة والحميَّةِ، والهممِ العاليةِ، والصَّريحُ من ولدِ إسماعيلَ عليه السلامُ، ولا في العربِ من ورائهم وهم أهلُ البلاغةِ والفصاحةِ والبيانِ أن ينصرفوا عن هذا التَّحدي إلى بذلِ دمائهم وأموالِهم وفلذاتِ أكبادِهم لوأدِ الإسلامِ وإطفاءِ نورِ الله؛ أي عاقلٍ هذا الذي ينصرفُ عن معارضةِ الكلامِ – إذا كان قادراً عليها- إلى بذلِ الدماءِ والأموالِ وإسعارِ نارِ الحربِ؟ ‘‘ثم إنَّ أحكامَ القرآنِ تضمنَّت استباحةَ دمائهم وأموالهم، وسبيّ الذراري، فلو كانوا يقدرون على تكذيبِه ومعارضةِ ما جاء به لفعلوا وتوصَّلوا إلى تخليص أنفسِهم وأهليهم من حكمِه بأمرٍ قريبٍ، هو عادتهم في لسانِهم، ومالوف خطابِهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلُّفِ القتالِ وإكثارِ المراءِ والجدالِ، وعن الجلاءِ عن الأوطانِ، وعن تسليم الأهلِ والذُّرِّيَّةِ. فلمّا لم يحصلْ هناك معارضةٌ منهم علم أنهم عاجزون عنها، يبيِّنُ ذلك أنَّ العدوَّ يقصِدُ لِدفعِ قولِ عدوِّه بكلِّ ما قدر عليه، من المكايد، لا سيَّما مع استعظامِه ما أبدعَه بالمجيء من خلعِ آلهتِه، وتسفيهِ رأيِه في ديانتِه، وتضليلِ آبائِه’’ ، فإذا كانوا قادرين على دفعِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالكلامِ والبيان الذين هم أهلُه وذووه، وأربابُه فما كان يمنعهم من ذلك لو كانوا قدروا عليه؟
ثم إنهم لم يجيئوا في معارضة القرآن بشيءٍ، مع طولِ المدَّةِ، ووقوعِ الفسحةِ، بل بذلوا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم السَّيفَ، وأخطروا بالنُّفوسِ والأموالِ والأولاد، فكيف يجوز ألا يتوصَّلوا إلى الرَّدِّ عليه، وإلى تكذيبِه بما هو أهونُ من ذلك لو كانوا عليه قادرين، وفيهم البلغاءُ والفصحاءُ والشُّعراءُ والخطباءُ؟!
فدلَّ هذا على عجزِهم عن الإتيانِ بمثلِه، على كثرتِهم، مع طولِ المدِّةِ ووقوعِ الفسحةِ، بل لقد وصلتنا الأخبار والروايات باعترافِ سادة قريش وكبرائها بنبوةِ محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الكلام ليس في وسعِ بشرٍ ولا في مقدورِه أن يأتي به، ومن ذلك قول الوليد بن المغيرة: إن لقولِه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمغدقٌ أسفلُه مورقٌ أعلاه...إلخ، وجهدوا أن ينسبوا ما جاءَ به محمدٌّ صلى الله عليه وسلم إلى السِّحرِ والكهانةِ والشِّعرِ، فلم يظفروا من ذلك بنائلٍ.

ج. ثم إنَّ أمرَ التَّحدي قد تناقلَته الرواةُ في أرجاءِ جزيرةِ العرب، وتسامعَت به الناسُ، وبما كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وقريش من حروبٍ، كان يكفي قريشاً والعربَ فيها مؤونةَ الحربِ أن ياتوا بمثلِ القرآنِ، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. وتناقلَ الناسُ هذا الخبرَ جيلاً بعد جيلٍ إلى يومِنا هذا، ولم يُنقلْ لنا أنَّ أحداً قَدَرَ على معارَضَةِ القرآنِ، أو ادَّعى أنَّه جاء بمثلِه، إلا أخباراً عن مسيلمةَ الحنفيِّ وأمثالِه، وهي إلى الكذبِ والخيالِ أقربُ منها إلى الحقيقةِ، إذ لا يُظَنُّ بمسيلمةَ الكذَّابِ والذي هو سيِّدُ بني حنيفةَ، ومن أفصحِ العربِ أن ينتهي به الأمرُ إلى ذلك الكلامِ الرَّكيكِ الذي تناقلتْه الرُّواةُ.
فكان هذا كلًُّه دليلَ صدقٍ على أنَّ القرآنَ من عندِ اللهِ، وعلى أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلَّم عبدُ اللهِ ورسولُه.

العرب الأَوَّلون عرفوا إعجازَ القرآن بالضرورةِ، وذلك لما وقعَ في أنفسِهم من بديعِ البيانِ، وروعةِ النَّظمِ، فإن المتذوِّقَ لجمالِ الكلامِ وبديعِه يدركُ إذا صحَّتْ قريحتُه، وصفت ذائقتِه، وذكى حسُّه أنَّ هذا ليس كلام بشر.

أما من لم يكن قادراً على الإحساسِ بجمالِ الكلامِ من الأعاجمِ الذين لا علمَ لهم بلسانِ العربِ، أو من العربِ الذين لم يبلغوا مبلغَ العربِ الأوَّلين في معرفةِ أساليبِ الكلامِ، ومواطنِ الجمالِ فيه، فحكمُهم حكمُ عوامِّ النَّاسِ الذين يَتَبَيَّنون عجزَهم بِعجزِ أَهلِ ذلك الفنِّ على كثرتهم، ومع طولِ المدَّةِ، ووفورِ الفسحةِ في تحديهم. يقولُ الإمام الباقلاني في كيفيَّةِ الوقوفِ على إعجازِ القرآنِ:
(قد بيَّنَّا أنَّه لا يتهيَّأُ لمن كان لسانُه غيرَ العربيَّةِ، من العجمِ والتُّركِ وغيرِهم، أن يعرفوا إعجازَ القرآنِ إلاّ أن يعلموا أنَّ العربَ قد عجزوا عن ذلك. فإذا عرفوا هذا بأن علموا أنَّهم قد تُحدُّوا على أن ياتوا بمثلِه، وقُرِّعوا على تركِ الإتيانِ بمثلِه، ولم ياتوا بمثلِه، تبيَّنوا أنهم عاجزون عنه. وإذا عجزَ أهلُ ذلك اللسانِ فهم عنه أعجزُ.
وكذلك نقولُ إنَّ من كان من أهلِ اللسانِ العربيِّ؛ إلاّ أنَّه ليس يبلغُ في الفصاحةِ الحدَّ الذي يتناهى إلى معرفةِ أساليبِ الكلامِ، ووجوهِ تصرُّفِ اللغةِ، وما يَعُدُّونه فصيحاً بليغاً بارعاً من غيرِه، فهو كالأعجميِّ، في أنَّه لا يمكِنُه أن يعرفَ إعجازَ القرآنِ إلاّ بمثلِ ما بيَّنَّا أن يَعرفَ به الفارسيُّ الذي بدأنا بذكرِه، وهو ومن ليس من أهل اللسان سواءٌ) . انتهى كلام القاضي.

ولا يضيرنا بعد ذلك ألاّ نكونَ قادرين على الإحساسِ بجمالِ النَّظم ِالقرآنيِّ، أو أن تقصرَ قرائحنا وذوقُنا عن تبيُّنِ مواطنِ الجمالِ في الكلامِ، فذلك أمرٌ مردُّه إلى الذَّوقِ، ويكفينا دليلاً قاطعاً على إعجازِ القرآنِ الكريمِ الذي به ثبوتُ نبوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، عجزُ العربِ الأوَّلين عنه مع تحدِّيهم إليه، وظهورُ هذا الأمرِ ظهوراً لا يداخلُه الشكُّ، فإذا ثبتَ لنا عجزُهم عن الإتيانِ بمثلِه، فنحن عن ذلك أعجز، مثلُنا في هذا كمثلِ موسى عليه السلامُ مع السَّحرةِ وعوامِّ الناسِ الذين شهدوا ذلك المشهدَ؛ العربُ الأوَّلون أهلُ البلاغةِ والفصاحةِ – الذين أدركوا بالضَّرورةِ أنَّ القرآنَ ليس في وسعِ أحدٍ من البشرِ أن ياتي بمثلِه- كالسَّحرةِ الذين أدركوا بالضَّرورةِ أنَّ ما جاء به موسى عليه السلام ليس من جنسِ السحرِ، وعوامُّ الناسِ من العربِ المتأخِّرين وغيرِهم من العجمِ والبربرِ والتُّركِ والشَّرقيِّين والغربيِّين يدركون عجزَهم عن الإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ بعجزِ أَهلِ ذلك الفنِّ من العربِ الأوَّلين عن الإتيانِ بمثلِه كعوامِّ الناسِ الذين شهدوا ما جرى بين موسى عليه السلامُ والسحرةِ، وعرفوا بالاستدلالِ أنَّ عجزَ السَّحرةِ أهلِ ذلك الفنِّ على كثرتِهم دليلٌ على عجزهم هم.

وبعد...

فلسنا هنا ننفي إمكانَ الإحساسِ بإعجازِ القرآنِ عند من أوتي من الذَّوقِ وصفاءِ القريحةِ، وذكاءِ الإحساس ما يمَكِّنُه من ذلك من المتأخرين، ولكن نقولُ إن من لم يكن له أن يحسَّ بجمالِ الكلامِ وعلوِّه، ولم يوتَ من أفانينِ البلاغةِ والبيانِ ما يتبيَّنُ به عجزَه، يكفيه دليلاً قاطعاً أن يعلمَ أنَّ عجزَ العربِ الأوَّلين عن الإتيانِ بمثلِه حجةٌ على من بعدهم من الأممِ والشُّعوبِ، وبذلك يقوم الدليل القطعيُّ على الشهادتين؛ شهادةِ ألاّ إله إلاّ الله، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم عبدُ اللهِ ورسولُه.

هذا والله أعلم.

وصلِّ اللهم على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.