المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إيساغوجي - الدكتور أحمد الأهواني



هاني علي الرضا
04-01-2010, 17:50
" .... إيساغوجي إذا من هذه الألفاظ اليونانية التي دخلت اللغة العربية واحتفظت بأصلها اليوناني، مع اختلاف النطق وانقلاب الجيم غينا وهما حرفان في المخرج متقاربان .

ولا ريب ان أبا عثمان الدمشقي ، وأبا علي عيسى بن اسحاق زرعة ، ويحيى بن عدي ، ممن نقلوا وشرحوا إيساغوجي في القرن الثالث والرابع الهجري - كانوا يعرفون هذا الاصطلاح اليوناني أن معناه المدخل أو المقدمة إلى المنطق لأنهم كانوا يعرفون اليونانية أو السريانية وينقلون عنهما وكانوا هم المشتغلين بهذه العلوم المشتهرين بها .

فلما انقضى زمن النقل وترجمت الكتب من اليونانية والسريانية إلى العربية لم يسع علماء المسلمين إلى تعلم لغة الإغريق معرفتها ، حتى إذا تقادم العهد بالعلم بها ، أولوا معنى هذه اللفظة اليونانية تأويلا يوغل في الإغراب ويدعو إلى العجب كلما بعد العهد وتقادم الزمن ، وهذا شيء من طبيعة كل لغة لأن اللغات كائنات حية تخضع لما تخضع له الحياة من سنة الكون و الفساد والنشأة والممات .....


..... وجاء المتأخرون فاشتطوا في التأويل ، وذهب بهم التخمين كل مذهب ، قال الشيخ الحفناوي من المتأخرين : إنه اسم الحكيم أرسطاطاليس ، ولم يمض قرن من الزمان حتى نهض الشيخ عليش يحقق معنى هذا اللفظ مع جهله باللغة اليونانية فجاء العجب وما يشبه الملح والفكاهات .... "


لمطالعة المقال كاملا :

http://www.dar-alifta.org/ViewNews.aspx?ID=30&LangID=1

علي عبد اللطيف
05-01-2010, 21:40
جزاك الله خيراً مقال مفيد

هاني علي الرضا
06-01-2010, 08:04
شكرا على المرور والتعليق أخي علي .

وما ذكره الدكتور حول الخلط العجيب الطريف في مفهوم كلمة "إيساغوجي" عند المتأخرين بخلاف المتقدمين المجيدين للإغريقية والسريانية مهم ويجب التنبه إليه وهو واقع في مصطلحات كثيرة ضاعت معانيها الأصلية عند المتأخرين مما يتردد في علوم استفادها المسلمون عن غيرهم كالفلسفة والكلام والمنطق ، ومن هذا تظهر لنا أهمية أن يحيط الفقيه والمتكلم بثقافات الغير وألا يتقوقع حول ما كتبه المسلمون فإن هذا الدين للجميع وفهم ثقافة الآخرين ومخاطبتهم بما يفهمون لا بد منها لإيصال هذا الحق إلى الآخرين ، فلا أحد يسمع لمن يتكلم بما لا يفهمه .

ويشبهه تمسك بعض المشتغلين بالعلم اليوم بمفاهيم بالية أكل عليها الدهر وشرب وأثبتت الكشوف العلمية الحديثة خطؤها وخطلها فيما يتعلق بمفاهيم لها ارتباط بعلوم كالكيمياء والفيزياء والفلك والطب والتشريح ، فلا يليق في هذا الزمان أن يعلل فقيه كراهة البول في الماء الراكد بأنه يورث النسيان والبرص ومثله تعليل كراهة الماء المشمس بانه يورث البرص ، ولا يليق بمتكلم في هذا الزمان أن يمثل للأعراض بالألوان إذ ثبت أن لا وجود حقيقة لشيء في الخارج اسم اللون وإنما هو اتعكاس بعض الطيف دون بعض عن سطح ما ، ولا يليق بمفسر أن يفسر قوله تعالى {يخرج من بين الصلب والترائب} بأن التائب هي عظام صدر المرأة فهذا لا يمت للحقيقة العلمية بصلة .

والله الموفق .

علي عبد اللطيف
10-01-2010, 11:05
السلام عليكم:
قلتم سيدي: ولا يليق بمتكلم في هذا الزمان أن يمثل للأعراض بالألوان إذ ثبت أن لا وجود حقيقة لشيء في الخارج اسم اللون وإنما هو اتعكاس بعض الطيف دون بعض عن سطح ما.اهـ
لماذا تنافى ذلك مع كونه عرضاً فصل لنا...

هاني علي الرضا
13-01-2010, 06:31
السلام عليكم:
قلتم سيدي: ولا يليق بمتكلم في هذا الزمان أن يمثل للأعراض بالألوان إذ ثبت أن لا وجود حقيقة لشيء في الخارج اسم اللون وإنما هو اتعكاس بعض الطيف دون بعض عن سطح ما.اهـ
لماذا تنافى ذلك مع كونه عرضاً فصل لنا...

سيدي علي

في الحقيقة إن اعتبار اللون من الأعراض هو من الأخطاء التي توجد في كتب الكلام والتي أثبت التقدم العلمي خطأها ، ومثلها الطول والعرض وكثير من الظواهر الفيزيائية الأخرى .

وقد اعتبر الفلاسفة والمتكلمون سواء من المعتزلة او الأشاعرة اللون مثالا واضحا للعرض في مقابل الأعيان لتغير ألوان الأجسام مع تقادم الزمن وتغيرات البيئة ، وقد كان هذا صحيحا وفق الملاحظة البصرية الظاهرية ووفق ما كان متوفرا من علم بظواهر الفيزياء والأحياء في ذلك الوقت ، غير أن التقدم العلمي أثبت خطأ هذا الفهم .

والموضوع في الحقيقة معقد بعض الشيء ويحتاج إلماما بالطب والبيولوجيا وعلم الجينات ليفهم على الوجه الأكمل ، غير اني أحاول شرحه دون تعقيد وباختصار :

العرض وجودي ، أي ان الأعراض لها وجود فعلي في الخارج وليست مجرد مفاهيم اعتبارية أوحكمية ، وهو المكون الثاني للعالم وفق مشهور القسمة الكلامية السُّنية للعالم والتي ترى العالم مكونا من "اعيان" و "اعراض" (راجع شرح العقايد والمقاصد للتفتازاني) ، والعرض لا يوجد إلا قائما بجوهر أو جسم ، كما أن الجوهر أو الجسم لا يعقل وجوده إلا بوجود العرض ، ومتى خلى الجوهر أو الجسم عن العرض فنى وانعدم وقد صرح الأشعري والسنوسي وغيرهما أن هذه هي طريقة إفناء الأجسام ، أي متى ما أراد الله للجسم أن يفنى فإنه يعدم ما يقوم به من أعراض فيفنى ، فالجسم الميت يفنى عندما يفني ما يقوم به من سكون - إن قلنا بعرضية الحركة والسكون - وقبل ذلك لا يقال عنه أنه انعدم رغم موته .

كل هذا طيب ومسلّم ولا غبار عليه ، ولكن هل اللون فعلا من الأعرض ؟؟!!

أن نقول ان اللون من الأعراض يعني أن للألوان وجود خارجي يزيد على وجود الأجسام والجواهر ، وهذا يعني وجودها ملازمة دائما لما تقوم به من جواهر أو أجسام ولو بتجدد الأمثال بناء على أن العرض لا يبقى زمنين ، فهل تبقى الألوان ملازمة للأجسام مدة بقاء الأجسام فعلا ؟؟!!

الحقيقة أن اعتبار اللون عرضا هو وهم بصري لا أكثر ، والحقيقة أن الألوان لا وجود لها في الخارج البتة ، وما دامت غير موجودة فهي إذن ليست أعراضا لما قدمناه من أن العرض وجودي .

ولفهم عدمية الألوان لا بد من فهم كيفية رؤية الألوان وفهم ماهية الضوء :

ولشرح ذلك نقول أنه لو كان اللون وجوديا لرأينا الألوان في كل الأحوال ، ولكنا لا نرى ألوان الأشياء في الليل ، أليس كذلك ؟!!

إذن اللون ليس وجوديا لأنه إن كان له وجود مستقل لرأيناه ولو في الظلمة أو في الضوء الخافت أي في مثل ضوء القمر ، ولكنا نرى الأجسام دون ألوان في ضوء القمر الخافت ، وسبب ذلك أن هذه هي حقيقتها ، فالأجسام فعلا لا ألوان لها ولونها الحقيقي هو عدم اللون ولكنا نراها بالألوان في الضوء بسبب الوهم البصري الناتج عن تلاعب الضوء بأبصارنا لنرى الأجسام بالألوان رغم انه لا لون لها حقيقة .

ولبسط المسألة علميا لا بد من فهم أن الضوء الأبيض يتكون من عدة أطياف مختلفة ذات ترددات مختلفة من الموجات الضوئية تجتمع لتنتج لنا الضوء الأبيض كما نص عليه إسحاق نيوتن قبل أكثر من 500 عام ، فإن أنت أمسكت اسطوانة بها ألون الطيف السبعة ثم حركتها بسرعة فإنك تراها بيضاء ، وضوء الشمس ينحل عند انكساره على درات الماء العالقة ي الهواء إل سبعة أطياف فيما يعرف بظاهرة قوس قزح - أو قوس الله إن صح الحديث - كما نراه جميعا عقب المطر أو عند شلالات المياه أو حتى عند النظر إلى الضوء من خلال ماء الرشاش (الدش) المنهمر .

ونحن نرى بواسطة نوعين من المستقبلات العصبية في شبكية العين : أحدهما يستقبل الضوء الخافت وينفعل به ويرى الأشياء كما هي دون لون ويسمى "رودز" Rods ، والآخر ينفعل بالضوء وأطيافه المختلفة فيرى الضوء الأبيض وما يتفكك إليه أي ألوان الطيف ذات التردد الموجية المختلفة ويسمى "كونز" Cons . وكيفية حدوث الرؤية أن الضوء الأبيض أو أحد أطيافه يقع على الواحد من هذه "الكونز" فيثيرها فتنفعل به فتنتج بروتينا معينا يؤثر في النهاية العصبية الموجودة في العصب البصري فينفعل هذا بدوره وينقل ومضة عصبية كهربية تمر في طول مساره عبر تلافيف الدماغ لتصل الفص الخلفي من الدماغ الذي تنفعل خلاياه بالومضة العصبية الكهربية لتنتج مواد كيميائية معينة حسب كل ومضة وتأثيرها فيفسر الدماغ تلك المواد الكيميائية على أنها صورة ذات تقاطيع وألوان وأبعاد ، فالرؤية الحقيقية تحصل في الدماغ إذن وكذا الألوان لا وجود لها حقيقي وإنما وجودها في الدماغ فقط ، ومن هنا يظهر لنا لمَ ير بعض الناس الأحمر أو الأخضر على غير ما يراهما غيرهم عليه وهو ما يعرف بحالة عمى الألوان وهي حالة وراثية تنتقل عبر الأم إلى الذكور من أبناءها بسبب وجود الجينات المحددة لعمل "الكونز" على كروموسوم X الموروث من الأم ، فلو أن للألوان وجودا فعليا لا دماغيا فقط لما اختلفت رؤيتها بين شخص وآخر .
وأما الضوء الخافت فيُرى بنفس الطريقة السابقة فقط مع استبدال "الرودز" بـ"الكونز" .

بناء على ما سبق نقول أن السطح الذي يراه الإنسان أحمر اللون لا لون له في الحقيقة ، وإنما يرى الإنسان الطيف ذا التردد المفسر في مخ الإنسان باللون الأحمر منعكسا عن السطح مع امتصاصه لبقية ألوان الطيف المكونة للضوء الأبيض ، فالأشياء تُرى بلون معين لأنها تعكس الفوتونات - جزيئات الضوء الجسمية- التي تسير في موجة ذات طول موجي معين يفسر في الدماغ على أنه ذلك اللون بينما تقوم بامتصاص بقية الموجات المفسرة ببقية ألوان الطيف ، فالأجسام الحمراء تعكس الطيف الأحمر وتمتص بقية الأطياف ، والأجسام الزرقاء تعكس الطيف الأزرق وتمتص بقية الأطياف ، بينما الأجسام البيضاء تعكس كل الموجات الموجودة في الحزمة الضوئية الساقطة عليها فيراها الإنسان بيضاء ولذا نقول ان الأبيض أقل الألوان امتصاصا للحرارة ، وفي المقابل فإن الأجسام السوداء تمتص كل الموجات الضوئية الساقطة عليها فلا يرى الإنسان أي انعكاس من عليها فلا يرى إلا السواد لأنه ما من ضوء منعكس من على سطحها .

والأفريقي الزنجي نراه أسود البشرة لأن جلده يحوي كمية كبيرة من صبغة الميلانين والتي تقوم بامتصاص قدر كبير من الضوء ولا تعكس إلا القليل فنراه أسود لعدم انعكاس الضوء من على سطح جسده ، بينما الاوروبي نراه أبيض اللون لأن بشرته تحوي كمية قليلة جدا من صبغة الميلانين ذاتها فيعكس قدرا أكبر من الضوء ، والميلانين يفيد الأفريقي لأنه يقيه من الإصابة بسرطان الجلد الناتج عنتعرض الجلد لأشعة الشمس بينما نرى الأوروبيين الذين يعيشون في أفريقيا يكثر بينهم سرطان الجلد لما ان جلدهم غير مهيئ للعيش في بيئة مشمسة كالقارة الأفريقي فكل مهيء لموطنه ومكانه .

فإذا لا وجود في الخارج للون وإنما نحن نرى انعكاس فوتوانات معين تسير في تردد موجي معين عن سطح ما ثم يقوم الدماغ بتفسير ذلك التردد على أنه لون من ألوان الطيف .

والأجسام في الحقيقة لا لون لها فهي عديمة الألوان ، وبالتالي ظهر لنا خطأ ما قاله الأقدمون من عرضية اللون إذ اللون عدمي في الحقيقة لا وجود له .

وما نراه ونسميه لونا هو في الحقيقة مجرد انعكاس لبعض الضوء دون البعض الآخر منه أي الذي امتصه الجسم ، وهذا الجزء المنعكس لا تكمل رؤيته إلا بوجود العين ومسقبلات الرؤية فيها وكذلك الدماغ ، ولو اختل أي من هذه المكونات اختلت الرؤية واختل اللون ، فالأحمر لا يراه من به عمى ألوان رغم رؤية الآخرين له أحمرا .

وقد يقول إنسان فاللون إذا وفق كلامك هو بعض الضوء والضوء عرض ، وأرد قائلا : لا ، فالذي يثير مستقبلات الرؤية "الكونز" أو "الرودز" إنما هو جزيء الضوء أي الفوتون لا ذات الموجة وإنما الجزيء الضوئي فيها هو المثير الفعلي ، وقد أثبتت الأبحاث أن هذا الجزيء له طبيعة جسمية ويتصرف كالأجسام كما أثبته آينشتاين في تجربته الشهيرة ، فالفوتون جسيم أو جسم إذن وهو الذي يثير مستقبلات الرؤية الي تفسره إلى لون وشكل ، فلا يكون ما ثبتت جسمانيته عرضا .

واعتبار الضوء من الأعراض هو في نفسه محل نظر ، والعرض لا ينتقل بينما الضوء ينتقل كما نعرف جميعا ونشاهد في التطبيقات المختلفة له في الطب وغيره كما في أشعة الليزر وأشعة إكس التي هي جزم ضوئية في نهاية الأمر .

ومثل هذا مفاهيم أخرى أظهر العلم الحديث خطأ المتكلمين في فهمها ولا يعيبهم هذا الخطأ ولكنه يعيب من يردد ما قالوه دون أن يمحصه أو يحاول إعادة فهمه في ضوء ما أحرزه الإنسان من تقدم علمي وكشوف باهرة .

وهذا رباط فيه شرح تفصيلي لكيفية رؤية الألوان والرؤية عموما ولكنه بالإنجليزية :

http://www.hhmi.org/senses/b110.html

والله الموفق .

علي عبد اللطيف
13-01-2010, 08:35
جزاكم الله خيراً سيدي الشيخ على تلبيتكم ذكر التفصيل الذي ينم على حسن أخلاقكم.
بناء على ما تفضلتم به إذا قلنا أن اللون: هو انعكاس لبعض الضوء دون البعض نسأل هل هذا الانعكاس هو وجودي أم عدمي فإن كان وجودياً عاد المحذور أليس كذلك؟

نزار بن علي
13-01-2010, 08:51
السلام عليكم ورحمة الله
كيف حالك أخي الكريم هاني؟
أرجو أنك بخير.
في الحقيقة يجب علينا التريث كثيرا قبل اتهام المتقدمين بالغلط في بعض المسائل العلمية النظرية أو الجهل بها؛ خصوصا إذا لم نحط بكل ما كتبوه في المسألة.
وفي مسألتنا هذه فالعبد الفقير يرى من أخيه الفاضل هاني تسرعا في اتهام المتكلمين بالخطأ؛ ذلك أن ما عدّه الأخ الفاضل اكتشافا علميا حادثا لم يكن غائبا كل الغياب عن العلماء، وبمراجعة كتاب الملخص للفخر الرازي والمباحث له يدرك ذلك، غير أن العبارة والمصطلحات قد تغيرت، مع دقة في التعبير، وحتى مسألة عدمية الألوان قد طرحت، وناقشها العلماء، وتم الرد عليها، ومن جملة الردود إجمالا تسليم صحة تفسير ظاهرة رؤية الألوان على النحو الذي نقله الأخ هاني، وعد ذلك من شروط رؤية الألوان القائمة بالأجسام، لا أنها نفس رؤية الألوان، ولا يخفى تلازم الشرط مع المشروط، كما لا يخفى مغايرة أحدهما للآخر.
وعموما، فينبغي التأني في إصدار الأحكام، خصوصا أن نظار المسلمين قد تناولوا هذه المسائل بقواعد عقلية لا يفقه جلها من هم أعلم الناس اليوم بالمسائل التجريبية أو الاكتشافات العلمية، وفلسفة العلوم إن ساغ التعبير أو قواعدها الكلية لا تموت، ويبقى التفكير العقلي السليم هو الفيصل في إثبات الحق من الباطل، لا مجرد التجربة التي يشارك فيها الإنسان البهائم، والله أعلم.

سعيد فودة
13-01-2010, 16:51
الإخوة الأعزاء:
الأستاذ الفاضل هاني علي الرضا
الأستاذ الفاضل نزار بن علي
بارك الله فيكما ونفع

نعم لزوم المراجعة واجب، وهذا ما ندعو الله تعالى ان يقدرنا عليه –بمعونة الأفاضل- أو على بعضه، وندعو الله تعالى أن يقدرنا على شيء من ذلك، ولكن المراجعة تستلزم الإحاطة والتدقيق بما قرره العلماء المتقدمون، وعدم التسرع في الأحكام، وأنا مع الشيخ نزار فيما يقول في هذا الأمر، كما أني مع المراجعة دائما لما قرره علماؤنا وخصوصا في هذه المباحث. والاستفادة مما يوضحه الباحثون المعاصرون فيها لا يضرُّ، ولكن يجب إحسان فهم الأصول الكلامية أولا، وإحسان فهم فلسفة العلم وفهم النتائج النظرية العلمية ثانياً.
وبعدُ،
فإنَّ لي تعليقا موجزا ربما يتعلق بموضوع الكلام
قد يقول قائل:
بالنسبة للعين والمدرِك -بكسر الراء- هناك أمران:
الأول: الانفعال الحاصل عقيب وقوع الضوء على العين. والانفعال إدراك.
الثاني: أثر هذا الإدراك، وهو الصورة التي يمكن أن تسمى باللون، وتنحفظ بالذاكرة، وتنطبع في الحسّ.
إن أريد باللون الأول: فالانفعال من المقولات النسبية، وليست موجودة عند المتكلمين.
وإن أريد باللون الثاني، فلا دليل على انتفائه، بل الأصل ثبوته.
ولكن من ناحية أخرى
وبملاحظة المدرَك وهو الأمر الخارجي:
فلو فرضنا أن الضوء (ا) سقط على جسم، فإن الشعاع بعضه ينعكس عنه (ب)، وبعضه يمتصه الجسم (ج)، وقد ينفذ بعضه من خلاله (د).
فيكون أ=ب+ج+د
والآن:
ما ندركه من الضوء (الشعاع) ليس هو (ج) ولا (د) قطعا. فهو (ب) بالضرورة.
والضوء يجب أن يكون جوهرا ذا كيفية، معينة.
فإما أن تكون كيفيته مساوية لكيفية الجسم الذي انعكس عنه، من جهة ما، يعني أن يكون الجسم متصفا بكيفية ما مماثلة لكيفية (ب).
أو أن لا يكون ذلك.
فإن كان الأول: يلزم أن كيفية (ب) مساوية لكيفية الجسم.
وإلا كانت غير مساوية.
فإن كان الأول صحيحاً: فما أدركناه من الضوء، إما أن يكون مجرد الكيفية، أو الكيفية والجوهر المتكيف بها، ومن الواضح أن الأمرين موجودان معا في الخارج.
فجهة الانفعال التي هي الرؤية هنا بـ(ب) إما أن تكون من حيث كيفيته (كب – يعني كيفية ب-)، أو من حيث جوهره. ولما كان جوهر الضوء واحدا، والانفعال به متكثراً، لزم أن يكون جهة الانفعال به لا من حيث جوهره، بل من حيث عرضه القائم به، الذي سميناه كيفية.
فانفعالنا بها يلزم عنه حصول كيفية (ولنسمِّها كبَ –كاف باء فتحة-) في النفس أو الحاسة المدرَكة من النفس:
فلنتكلم عن هذه الكيفية:
فإما أن تكون مماثلة لكيفية الجسم، أو غير مماثلة بل تكون دالة عليها كدلالة المنعكس على العاكس.
وسواء فرضنا الأول أو الثاني، فاللازم عليهما جميعا وجود كيفية في الجسم يدل عليها الإدراك الحاصل، وهذا الإدراك الحاصل إما أثره مماثل للكيفية الجسمانية، أو غير مساوٍ، ولكن عدم مساواته لا يستلزم عدم دلالته عليها.
وعلى كل الاحتمالات، يلزم وجود كيفية للجسم في نفسه، ووجود كيفية نفسانية نتيجة تأثره بالضوء.
فالكلام ينحصر إذن في الآتي: هل الكيفية الجسمانية مماثلة للكيفية النفسانية، أو مدلولة لها.
وهذا قد يترتب على جواب السؤال السابق، وهو: هل كيفية الضوء المنعكس (كب) مماثلة لكيفية الجسم أو بينهما تناسب ما فقط.
لا بدَّ من الجزم بوجود تناسب بدليل الاطراد والتكرر في الانعكاس، بين (كب) وكيفية الجسم، ولا أزعم أن هذا التناسب تماثل.
من الظاهر أن ما يمكن الجزم به أو ترجيحه:
أن كيفية الشعاع المنعكس (كب) يوجد تناسب بينها وبين الكيفية التي هي أثر الإدراك (الانفعال بالشعاع) والتي سميناها (كبَ).
ولكن محلّ النظر هل هاتان الكيفيتان بينهما تناسب التماثل (متماثلتان)، أو تناسب أعم من ذلك (متناسبتان).
غاية ما نجزم به التناسب الأعم من التماثل.وهذا القدر من الجزم غير مانع من التماثل في بعض الأحيان.
وعلى ذلك: فقد اتضح أنه لا بدَّ من ثبوت كيفية حسية، عقيب كيفية الضوء، وأن هناك تناسبا ما بين كيفية الضوء وبين كيفية الجسم.
واطراد هذه العلاقات كاف في تصحيح المعرفة، لأن المعرفة لا تتوقف على إدراك الكنه، بل قد يكفي فيها إدراك النسبة وقد حصلت ههنا.
ولو فرضنا عدم التساوي بين الكيفية النفسية (كبَ) وبين كيفية الضوء المنعكس (كب).
وفرضنا عدم التساوي بين (كب) وبين كيفية الجسم في نفسه.
فيكون التحقيق: أن المراد باللون المدرَك هو فقط الكيفية النفسانية الحاصلة عقيب الانفعال بالضوء المنعكس.
ولكن لوجود علاقة بين هذه الكيفية وبين الكيفيتين الأخريين، وباعتبار التسامح العامي في الإطلاق، وهو الشائع بين أهل اللغة، فإن الإنسان ينسب اللون إلى الجسم مباشرة دون ملاحظة هذه الوسائط.
والآن نأتي إلى قول من قال:
إن اللون لا وجود له في الخارج، بل هو مجرد انفعال في النفس. اعتمادا على أن المدرَك بالفعل إنما هو الشعاع المنعكس.
(وأنا كنت أذكر هذا الأمر في دروسي قبل حوالي عشر سنوات وأكثر، وأحلله ولا أقتصر على ذكره. )
إن قصد أن الجسم الخارجي لا يتصف بكيفية مطلقا، بحيث يكون بينها وبين الضوء المنعكس عنها نوع من العلاقة والتناسب، فلا دليل على قوله.
وإن أراد أن الجسم الخارجيَّ يتصف بكيفية مماثلة لما نحسُّ به وينطبع في أنفسنا أو في حواسنا وندرك بأنفسنا.
فإنه يحتاج إلى دليل لإثبات التماثل.
وإن قصد أن هناك كيفية ما للجسم نطلق عليها اسم اللون الذي ندركه لوجود تناسب ما بينهما، ولا يشترط في ذلك التناسب أن يكون التماثل دائما أو التماثل التامَّ، فهذا القدر مقطوع به بلا ريب.
وعلى ذلك فيجوز إطلاق القول بأن الألوان التي نراها موجودة في الخارج بناء على هذا الاعتبار أو السابق.
ويكون هذا من باب التسامح على فرض عدم التساوي والتماثل التام، أو بناء على الحقيقة بناء على التماثل والتساوي التام بين الكيفيتين.

وقد حصل نزاع بين الفلاسفة والإمام الرازي في الضوء واللون، هل الضوء شرط وجود اللون كما قال الفلاسفة، أو أن الضوء شرط رؤية اللون كما هو عند الإمام الرازي. (انظر كتاب مصباح الأرواح للبيضاوي، والمحصَّل للإمام الرازي وذلك عند الكلام على الأعراض).
فعلى فرض أن المراد بالوجود المنسوب إلى اللون هنا: الوجود الخارجي والثبوت في الواقع.
فإن كان المراد باللون هنا: هو الأثر الحاصل في النفس (الكيفية النفسانية) عقيب الانفعال بالشعاع (أي إدراك الضوء) المنعكس الساقط على العين. فلا شك أنَّ الضوء شرط وجود اللون. (والشرطية هنا عادية عند الأشاعرة، وعقلية عند المتفلسفة ومن تبعهم).
ولكن الفلاسفة يقولون إن اللون موجود في الخارج، فمعنى ذلك إن اللون شرط وجود اللون خارجا، أي بلا ضوء لا لون! فليتأمل وليعد النظر في ذلك!
وإن كان المراد باللون الكيفية الجسمانية المدرَكةَ بواسطة الانفعال بالشعاع أو الضوء، المسماة باللون بالطريقة التي ذكرناها سابقاً، فمن الواضح أنَّ الضوء يكون شرط رؤيتها (على التفصيل المذكور للشرطية)، وكذا إذا كان المراد باللون كيفية الضوء الساقط على الحاسة نفسه. على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً.
ونحن لا نجهل أثر الضوء في الجسم الساقط عليه لوجود التفاعل بينهما، فقد يؤثر الضوء من جهة من الجهات على الكيفية التي يتصف بها الجسم. ولكنا أهملناه هنا لقلة تأثيره فيما نحن فيه.
ثم يبقى الكلام على حقيقة وجود العرَض عند المتكلمين ومنه الكيفية،وفيها خلاف دقيق. وقد يترتب على ذلك توضيح كثير من المسائل، ولكن الخوض فيها دقيق ، قد يتأتى الكلام فيه في محل آخر.

خاتمة: الأعراض كما قسمها الفلاسفة ثلاثة
- إما كمٌّية: وقد نفى المتكلمون وجود الكمَّ عرضاً زائدا على الجوهر.
- أو نسبية: وهي سبعة (الأين [=الكون] والمتى، والمضاف، والمِلْك، وأن يفعل وأن ينفعل، والوضع): وقد نفى المتكلمون ثبوتها الخارجيَّ إلا الكون وقسموه إلى الأكوان الأربعة المعروفة (=الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق) ، كذا ذكره الإمام البيضاوي في مصباح الأرواح، وسمَّاه في الطوالع الأين ونصَّ العطار في حاشيته على شرح المقولات أن المتكلمين يسمون الأين بالكون.
- أو كيفية: وهي أنواع أيضا يمكن مراجعتها في كتب الكلام، وفيها تفاصيل دقيقة تتوقف على المقصود من وجودية العرض في الخارج.

سعيد فودة
13-01-2010, 17:25
وبالنسبة لمقال الدكتور الأهواني فهو مفيد، ولكن معنى لفظ إيساغوجي أصبح في هذا العصر معروفا، بعد أن انتشر اطلاع الباحثين على اللغات الأجنبية... وكثير من الكتاب أشاروا إلى معناه وثبتوه، ووضعوه في المعاجم الفلسفية والموسوعات الفلسفية، وهو بعد ذلك كله أمر لفظيٌّ بحت ! نعم هو مفيد، ولكن في هذا القدر: باب معرفة معنى اللفظ في لغة أعجمية.
ولا يعدو هذا الغلط أن يكون في ترجمة اسم من لغة إلى لغة...وهو في نظري ليس بالأمر العظيم.... خصوصا إذا لم يترتب عليه أغلاط معنوية في المسائل المنطقية.
ولكن الأمر العظيم التساؤل هنا: هل وقع مناطقة الإسلام من الأبهري والرازي وفحول المتأخرين في أخطاء منطقية فادحة، أعني أخطاء في المعاني المنطقية...هذا هو محل البحث الأكثر فائدة والأشد وقعا والأعظم تأثيراً...أما أن يكونوا قد غلطوا في معرفة معنى كلمة أصلها يوناني، ولكنهم لم يقعوا في الأخطاء في المعاني المنطقية ، فهذا أمر يسير جدا.
وكان ينبغي أن يتكلم الدكتور الأهواني ولو إشارة إلى بعض إنجازات مناطقة الإسلام في المباحث المنطقية، ويبين هل أخطأوا في بيانها أو تحقيقها...إلى غير ذلك من المباحث الأهم....

يوسف محمد النجار
16-01-2010, 17:46
الحمد لله و الصلاة و السلام على مولانا رسول الله و على اله و صحبه اجمعين،
اخي الفاضل هاني،
المقال الذي احلت اليه جيد و دقيق و لا علاقة له بما قلته

فموضوع المقال هو رؤية اللون و ليس اللون القائم بالجسم في حد ذاته.
فان صاحب المقال يقصد ان الالوان التي نراها قد تكون غير موجودة في الخارج فعلا، و مثال ذلك هذه النقطة البرتقالية:


.

ففي الحقيقة هذا اللون الذي تراه هناك لا وجود له فعلا في الخارج هناك في تلك النقطة، و الموجود هناك لونان اخضر و احمر –الشاشة مكونة من مجموعة من البيكسيلات pixels كل واحد منها مكون من ثلاث نقط الاولى حمراء و الثانية خضراء و الثالثة زرقاء- فالجهاز البصري يمزج اللونين و هكذا نراه برتقاليا مع انه لا وجود له في تلك النقطة.
مقتطف من المقال:
We now know that color vision actually depends on the interaction of three types of cones—one especially sensitive to red light, another to green light, and a third to blue light.

و هذا لا علاقة له اصلا باللون القائم بالنقطة! و حير ما يقال هنا ذكره شيخنا الجليل حفظه الله.