المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضية الموجهة وأقسامها



علي عبد اللطيف
07-12-2009, 23:26
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ورضي الله تبارك وتعالى عن الأئمة المجتهدين وعن إمامي أهل السنة والجماعة ومن تبع طريقهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين:
وبعد فهذه مسألة من مسائل علم المنطق وهي (القضية الموجهة) لخصتها من كلام العلماء على عجل وحيث عبرت بـ (قلت) فهو فهمي لكلامهم أسأل الله التسديد والنفع.

أولاً-توطئة
1-مراتب الوجود:
اعلم أن للشيء وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة والمراد بالوجود العيني الوجود الخارجي فيشمل المحسوس وغيره لا ما يتبادر من لفظ الأعيان من تخصيصه بالمحسوس فإن ثبوت الكتابة لزيد في قولنا زيد كاتب مثلاً أمر اعتباري لكن من حيث كونه منتزعاً ومرتبطاً بأمرين وجوديين قيل إن له تحققاً في نفسه وإن كانت الأمور لا وجود لها في الخارج وإنما وجودها في الخارج هو وجود ما انتزعت منه.
والنسبة المفهومة من القضية لها وجود في نفسها أي تحققها في الواقع بقطع النظر عن فهمنا لها من اللفظ، ونفس الأمر عبارة عن الشيء في نفسه أي الشيء في حد ذاته بقطع النظر عن تعقلنا له وفرضنا إياه، فإذا قلنا أن النسبة ثابتة أو واقعة في نفس الأمر قصدنا أن نفس الأمر ظرفاً لها لا بمعنى كون نفس الأمر ظرفاً لوجودها وبينهما فرق يعلم في مكانه. (حاشية العطاربتصرف يسير.)

2-النسبة في القضية:

اعلم أن النسبة في قولك: (زيد قائم) هي نسبة القيام إلى زيد لا نسبة زيد إلى القيام؛ فإن زيداً أريد به الذات وهي أمر مستقل بنفسه لا يقتضي ارتباطاً بغيره، والقيام أريد به مفهومه الذي يقتضي ارتباطاً بغيره فلذلك قال نسبة المحمول إلى الموضوع وإن كانت النسبة المتصورة بين بين، أما حقيقة النسبة في القضية هي الوقوع والللاوقوع وهما اللذان يوصفان بالضرورة واللاضرورة. (السيد وعطار).

3-القضية الملفوظة والقضية المعقولة:

تطلق القضية تارة على الملفوظة وتارة على المعقولة إما بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز والثاني أولى؛ لأن المعتبر هو القضية المعقولة وأما الملفوظة فإنما اعتبرت لدلاتها على المعقولة فسميت قضية تسمية الدال باسم المدلول، إذ الألفاظ إنما هي بإزاء الصور العقلية. (قطب، السيد)
والمراد من قولهم قضية معقولة الحكم من حيث حصوله في العقل أي وقوع النسبة أو لا وقوعها وهو عبارة عن الصورة الذهنية للنسبة، أما مطابقة المعقول لما في نفس الأمر فهو التصديق، وقد يحصل اشتباه في بعض الأوهام بين القضية والتصديق لاعتبار الحصول في الذهن في القضية لأن الصدق والكذب إنما يعرض للقضية باعتبار حصولها في الذهن والحصول في الذهن شرط لها والتصديق من قبيل العلم واطلاق التصديق عليها إما على التجوز باعتبار أنه متعلق التصديق أو على إرادة المصدق به عن التصديق. .(السيد، عبد الحكيم بتصرف.)
قلت: فيكون الفرق بين القضية المعقولة والتصديق أن الأول صورة الوقوع أو اللا وقوع في الذهن والثاني الإذعان والتسليم للنسبة لا التصور لها..اهـ
ولا يشترط مطابقة الصورة العقلية لما في نفس الأمر فكما إذا وجدنا شبحاً هو إنسان وأحسسناه من بعيد فربما يحصل في عقولنا صورة إنسان، وحينذ يعبر عنه بالإنسان وربما يحصل منه صورة فرس ويعبر عنه بالفرس فللشبح وجود في نفس الأمر ووجود في العقل إما مطابق للواقع أو غير مطابق ووجود في العبارة إما في عبارة صادقة أو كاذبة. (قطب)

علي عبد اللطيف
07-12-2009, 23:38
ثانياً-جهة القضية ومادتها

1-كيفية النسبة فرع ثبوت النسبة في نفس الأمر:
كل نسبة فرضت وتعقلت بين الشيئين إذا قيست إلى نفس الأمر واعتبر وجودها بينهما مع قطع النظر عن الاعتبار والفرض تكون منحصرة في الضرورة واللاضرورة لامتناع ارتفاع النقيضين في التصور عن أمر وجودي فالنسبة المعتبرة بين الشيئين إذا لم يفرض وجودها في نفس الأمر لا يفرض لها كيفية في نفس الأمر أصلاً. (زكريا وعطار عبد الحكيم بتصرف)
قلت: لأن ثبوت الصفة فرع ثبوت الموصوف، وبما قدمنا يندفع إشكال ثبوت النسبة التي هي اعتبارية انتزاعية وجودها بوجود أطرافها فكيف تكيف بالكيفيات.
2-مادة القضية وعنصرها:
وهذه الكيفية للنسبة باعتبار تحققها في نفس الأمر تسمى مادة القضية وعنصرها والمادة وإن كانت مشتركة بين الطرفين والنسبة وكيفيتها في نفس الأمر لكون كل منها جزءاً لكنها خصوها بالكيفية وتسميتها عنصراً لكونها جزءاً من القضية المربعة الأجزاء والعناصر أربعة.(عطار)
3-جهة القضية:
سبق في مادة القضية تسمية الكيفية التي تتكيف بها النسبة باعتبار تحققها في نفس الأمر مادة القضية أما جهة القضية: فهي تلك الكيفية التي تتكيف بها النسبة باعتبار ارتسامها في العقل أي كيفية النسبة المفهومة من القضية المعقولة، وهذه التي يعبر عنها بالألفاظ، فيتحصل لدينا أن جهة القضية يطلق على كيف القضية المعقولة والملفوظة.
4-مخالفة الجهة للمادة وحاصل ما سبق:
قال العلامة القطب رحمه الله: الكيفية الثابتة في نفس الأمر تسمى مادة القضية واللفظ الدال عليها في القضية الملفوظة أو حكم العقل بأن النسبة مكيفة بكيفية كذا في القضية المعقولة يسمى جهة القضية ومتى خالفت الجهة مادة القضية كانت كاذبة لأن اللفظ إذا دل على أن كيفية النسبة في نفس الأمر هي كيفية كذا أو حكم العقل بذلك ولم تكن تلك الكيفية التي دل عليها اللفظ أو حكم بها العقل هي الكيفية الثابتة في نفس الأمر لم يكن الحكم في القضية مطابقاً للواقع مثلاً: إذا قلنا كل إنسان حيوان لا بالضرورة دل اللاضرورة على أن كيفية نسبة الحيوان إلى الإنسان في نفس الأمر هي اللاضرورة وليس كذلك في نفس الأمر فلا جرم كذبت القضية.
ويزيد العلامة القطب رحمه الله التوضيح والبيان في هذا الموضع فيقول:

وتلخيص الكلام في هذا المقام بأن نقول نسبة المحمول إلى الموضوع إيجابية كانت أو سلبية يجب أن يكون لها وجود في نفس الأمر ووجود لها عند العقل ووجود في اللفظ كالموضوع والمحمول وغيرهما من الأشياء التي لها وجود في نفس الأمر ووجود عند العقل ووجود في اللفظ فالنسبة متى كانت ثابتة في نفس الأمر لم يكن لها بد من أن تكون مكيفة بكيفية ما ثم إذا حصلت عند العقل اعتبر لها كيفية هي إما عين تلك الكيفية والمعتبرة عند العقل إذ الألفاظ إنما هي بإزاء الصور العقلية فكما أن للموضوع والمحمول والنسبة وجودات في نفس الأمر وعند العقل وبهذا الاعتبار صارت أجزاء للقضية المعقولة وفي اللفظ حتى صارت أجزاء للقضية الملفوظة كذلك كيفية النسبة لها وجود في نفس الأمر وعند العقل وفي اللفظ فالكيفية الثابتة للنسبة في نفس الأمر هي مادة القضية والثابتة لها في العقل هي جهة القضية المعقولة والعبارة الدالة عليها هي جهة القضية الملفوظة ولما كانت الصورة العقلية والألفاظ الدالة عليها لا يجب أن تكون مطابقة للأمور الثابتة في نفس الأمر لم يجب مطابقة الجهة للمادة فكما إذا وجدنا شبحاً هو إنسان وأحسسناه من بعيد فربما يحصل في عقولنا صورة إنسان، وحينذ يعبر عنه بالإنسان وربما يحصل منه صورة فرس ويعبر عنه بالفرس فللشبح وجود في نفس الأمر ووجود في العقل إما مطابق للواقع أو غير مطابق ووجود في العبارة إما في عبارة صادقة أو كاذبة فكذلك كيفية نسبة الحيوان إلى الإنسان لها ثبوت في نفس الأمر وهي الضرورة وفي العقل وهي حكم العقل وفي اللفظ فإن طابقتها الكيفية المعقولة أو العبارة الملفوظة كانت القضية صادقة وإلا كاذبة لا محالة. اهـ بحروفه.
قلت: وبما تقدم يظهر جلياً الفرق بين المادة والجهة، فالمادة كيفية النسبة بملاحظتها في نفس الأمر وإن لم نفهما أو نتصورها، أما الجهة فالكيفية للنسبة عندها تفهم وتتعقل وقد تطابق المادة وقد لا تطابقها، وعند فقد الكيفية بسبب عدم تعقلنا لها وعدم الدلالة لها باللفظ فالقضية تسمى خالية ومهملة.
5-كيفيات النسبة إذا نسبت لنفس الأمر:
علمنا أن النسبة إذا نسبت إلى نفس الأمر تسمى مادة القضية، وهذه النسبة لا تخلو من إحدى كيفيات ثلاث بحسب القسمة العقلية:
أ-الوجوب :
ومعناه ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع ولزومه لها، على وجه يمتنع سلبه عنه، كالزوج بالنسبة إلى اﻷربعة، فإن اﻷربعة لذاتها يجب أن تتصف بأنها زوج. وقولنا (لذات الموضوع) يخرج به ما كان لزومه ﻷمر خارج عن ذات الموضوع، مثل ثبوت الحركة للقمر، فإنها لازمة له، ولكن لزومها لا لذاته، بل لسبب وضع الفلك وعلاقته باﻷرض.
ب- الامتناع:
ومعناه استحالة ثبوت المحمول لذات الموضوع فيجب سلبه عنه، كالاجتماع بالنسبة إلى النقيضين، فان النقيضين لذاتهما لا يجوز أن يجتمعا.
وقولنا: (لذات الموضوع) يخرج به ما كان امتناعه ﻷمر خارج عن ذات الموضوع، مثل سلب التفكير عن النائم، فان التفكير يمتنع عن النائم. ولكن لا لذاته، بل ﻷنه فاقد للوعي.
(تنبيه) - يفهم مما تقدم أن الوجوب والامتناع يشتركان في ضرورة الحكم، ويفترقان في أن الوجوب ضرورة الإيجاب، والامتناع ضرورة السلب.
جـ- الإمكان:
ومعناه أنه لا يجب ثبوت المحمول لذات الموضوع، ولا يمتنع، فيجوز الإيجاب والسلب معاً، أي أن الضرورتين ضرورة الإيجاب وضرورة السلب مسلوبتان معاً، فيكون الإمكان معنى عدمياً يقابل الضرورتين تقابل العدم والملكة، ولذا يعبر عنه بقولهم (هو سلب الضرورة عن الطرفين معاً)، أي طرف الإيجاب وطرف السلب للقضية.
ويقال له: (الإمكان الخاص) أو (الإمكان الحقيقي) في مقابل (الإمكان العام) الذي هو أعم من الإمكان الخاص، .اهـ (محمد رضا المظفر)
ولزيادة التوضيح نذكر معنى الإمكان العام
يتبع إن شاء الله

علي عبد اللطيف
26-12-2009, 22:17
بسم الله6

الإمكان العام:

ومعناه سلب الضرورة عن الجانب (الطرف) المخالف للحكم فإن كان الحكم في القضية إيجابياً أفهم الإمكان سلب ضرورة سلب ذلك الحكم وإن كان سلبياً أفهم سلب ضرورة إيجابه، وإن شئت قلت هي التي نسبتها غير مستحلية.
أمثلة:

1-موجبة: كل نار محرقة بالإمكان العام، فقد حكم فيها بسلب الضرورة عن عدم إحراق النار.
2-سالبة: لا شيء من الحار ببارد بالإمكان العام، فقد حكم بسلب الضرورة عن برودة الحار. (صبان).
فمعنى الموجبة السابقة سلب الحرارة عن النار ليس بضروري، ومعنى السالبة أن إيجاب البرودة للحار ليس بضروري. (خبيضي)

فإذا قلتَ: إذا كان الإمكان العام سلب لضرورة عن الجانب المخالف (المقابل) فما هو الحكم في الجانب الموافق (الأصل).
قال العلامة العطار: الحكم في الجانب الموافق لم يُتعرض له حتى يحتمل أن يكون واقعاً وأن لا يكون.اهـ

وقال السيد الشريف: الإمكان العام يفسر تارة بسلب الضرورة الذاتية (المطلقة) عن الجانب المخالف للحكم وتارة بسلب الامتناع الذاتي عن الجانب الموافق فإن إمكان الإيجاب معناه عدم امتناع الإيجاب أو عدم ضرورة السلب وكذا الحال في إمكان السلب والتفسيران متساويان كما لا يخفى.اهـ بتصرف يسير.

قال المحقق الدسوقي: عند قول القطب (وهي التي حكم فيها بسلب الضرورة عن الجانب المخالف): أي أعم من أن يكون الجانب الموافق ضرورياً أو دائماً بدون ضرورة أو واقعاً بدون ضرورة ودوام أو ليس بواقع أصلاً. اهـ
قلت: سيأتي نقل تمثيل كل ذلك عند الكلام على الممكنة العامة.

ولتوضيح الإمكان العام نذكر بعض الأمثلة:
مثال إمكان الإيجاب: قولهم (الله ممكن الوجود)، و(الإنسان ممكن الوجود)، فان معناه في المثالين أن الوجود لا يمتنع، أي أن الطرف المقابل وهو عدمه ليس ضرورياً، ولو كان العدم ضرورياً لكان الوجود ممتنعاً لا ممكناً، وأما الطرف الموافق وهو ثبوت الوجود فغير معلوم، فيحتمل أن يكون واجباً كما في المثال اﻷول، ويحتمل ألا يكون واجباً كما في المثال الثاني، بأن يكون ممكن العدم أيضاً، أي أنه ليس ضروري الوجود كما لم يكن ضروري العدم، فيكون ممكناً بالإمكان الخاص، فشمل هنا الإمكانُ العام الوجوبَ والإمكانَ الخاص.

مثال إمكان السلب قولهم: (شريك الباري ممكن العدم)، و(الإنسان ممكن العدم)، فان معناه في المثالين أن الوجود لا يجب، أي أن الطرف المقابل وهو وجوده ليس ضرورياً ولو كان الوجود ضرورياً لكان واجباً وكان عدمه ممتنعاً لا ممكناً، وأما الطرف الموافق، وهو العدم فغير معلوم، فيحتمل أن يكون ضرورياً كما في المثال اﻷول (وهو الممتنع)، ويحتمل ألا يكون كذلك كما في الثاني بأن يكون ممكن الوجود أيضاً، وهو الممكن (بالإمكان الخاص)، فشمل هنا الإمكانُ العام الامتناعَ والإمكان الخاصَ.

وعلى هذا فالإمكان العام معنى يصلح للانطباق على كل من حالات النسبة الثلاث: الوجوب والامتناع والإمكان، فليس هو معنى يقابلها، بل في الإيجاب يصدق على الوجوب والإمكان الخاص، وفي السلب على الامتناع والإمكان الخاص.اهـ (المظفر)
والمفهوم الممكن العام يصدق على الواجب والممتنع والممكن الخاص فالواجب من أفراده الضروري الوجود والممتنع من أفراده الضروري العدم والممكن الخاص من أفراد اللاضروري الوجود واللاضروري العدم والممتنع من أفراده الضروري العدم ولا يكون المفهوم الممكن العام جنسا لشيء من الأشياء لتباين المقولات التي هو الجواهر والأعراض الصادق على جميعها الممكن العام. (كليات أبي البقاء)

قلت: فيكون الإمكان العام أعم مطلقاً من الخاص لأن الأول سلب الضرورة عن الطرف المقابل مع السكوت عن الطرف الموافق بينما الإمكان الخاص سلب الضرورة عن الطرفين الموافق للحكم والمخالف له، بل الإمكان العام يمكن أن يتناول الوجوب والامتناع أيضاً كما ظهر. اهـ

وسبب التسمية بالخاص والعام:
قال في المحصول: وإنما سمي الأول بالإمكان الخاص، والثاني بالعام؛ لأن الأول أخص, فإنه متى وجد سلب الضرورة عن الطرفين وجد سلبها على الطرف المخالف بخلاف العكس.اهـ

وهل للإمكان العام مفهوم يعم الإمكان الخاص والوجوب والامتناع :
وللإجابة على ذلك ننقل كلام المحقق السعد رحمه الله في شرح المقاصد نقلاً عن المحقق الطوسي:

وقد يؤخذ الإمكان بمعنى سلب ضرورة الوجود والعدم هو الإمكان الخاص المقابل للوجوب والامتناع بالذات وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة الوجود فيقابل الوجوب ويعم الإمكان الخاص والامتناع فيصدق على (الممتنع أنه ممكن العدم) وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة العدم فيقابل الامتناع ويعم الإمكان الخاص والوجوب فيصدق على (الواجب أنه ممكن الوجود) وهذا هو الموافق للغة والعرف ولهذا سمي بالإمكان العامي.
فإن العامة تفهم منه نفي الامتناع، فمن إمكان الوجود نفي امتناع الوجود، ومن إمكان العدم نفي امتناع العدم، وقد سبق إلى كثير من الأوهام أن للإمكان العام مفهوما واحدا يعم الإمكان الخاص والوجوب والامتناع هو سلب ضرورة أحد الطرفين أعني الوجود والعدم وهو بعيد جدا إذ لا يفهم هذا المعنى من إمكان الشيء على الإطلاق بل إنما يفهم من إمكان وجوده نفي الامتناع ومن إمكان عدمه نفي الوجوب ولهذا يقع الممكن العام مقابلا للممتنع شاملا للواجب كما في تقسيم الكلي إلى الممتنع وإلى الممكن الذي أحد أقسامه أن يوجد منه فرد واحد مع امتناع غيره كالواجب.اهـ (شرح المقاصد)

واستعمال العامة للإمكان العام كما لو سأل سائل أتمطر السماء الآن أم لا؟ فيجاب: (يمكن أن تمطر)، فقولنا: يمكن، معناه أنه قد يكون المطر بالنسبة للغيم ضرورياً وقد يكون غير ضروري، أي ممكناً بالإمكان الخاص، فهنا نريد أن ننفي الامتناع ننفي ضرورة العدم، وذلك في مقابل الإمكان الخاصي، الذي يستخدمه الخاصة. (دروس في الفلسفة الإسلامية)

قلت: تحصل لدينا أن الحالات الثلاث للنسبة التي لا يخلو من إحداها واقع القضية في نفس الأمر تسمى (مواد القضايا)؛ فالضرورة تصدق على ضرورة السلب وضرورة الإيجاب، قال القطب: فمفهوم الضرورة هو امنتاع انفكاك النسبة عن الموضوع.اهـ وعبارته أخصر
فالضرورة شاملة لضرورة السلب وضرورة الإيجاب والإمكان سلب للضرورتين، بينما نطلق (جهة القضايا) على تلك الألفاظ التي تذكر القضية مكيفة بها.


ثالثاً: انقسام القضية إلى بسيطة ومركبة باعتبار الجهة

1-القضية البسيطة: وهي التي حقيقتها أي معناها إما إيجاب فقط كقولنا: كل إنسان حيوان بالضرورة، فإن معناه ليس إلا إيجاب الحيوانية للإنسان وإما سلب فقط كقولنا: لا شيء من الإنسان بحجر بالضرورة، فإن حقيقته ليست إلا سلب الحجرية عن الإنسان.
2-القضية المركبة: وهي التي حقيقتها أي معناها تكون ملتئمة من الإيجاب والسلب كقولنا كل إنسان كاتب بالفعل لا دائماً فإن معناه إيجاب الكتابة للإنسان وسلبها عنه بالفعل.
تصوير بعض المفهاهيم:
1-الضرورية: أي المنسوبة للضرورة أي الوجوب العقلي نسبة الكل لجزئه وهي القضية التي عقلاً لا تقبل الانتفاء، فمفهوم الضرورة هو امنتاع انفكاك النسبة عن الموضوع. زكريا-قطب
2-الدوام: هو شمول النسبة في جميع الأزمنة والأوقات، ومتى كانت النسبة ممتنعة الانفكاك عن الموضوع كانت متحققة في جميع أوقات وجوده بالضرورة وليس متى كانت النسبة متحققة في جميع الأوقات امتنع انفكاكها عن الموضوع لجواز إمكان انفكاكها عن الموضوع وعدم وقوعه لأن الممكن لا يجب أن يكون واقعاً. قطب
3-الإطلاق: وهو الفعل هنا وهو كون الشيء من شأنه أن يكون وهو كائن وعلى هذا فهو قسيم القوة وهي كون الشيء من شأنه أن يكون وليس بكائن.عطار
4-الإمكان: مر سابقاً أن بمعنى سلب الضرورة، وهو المبحوث عنه في الموجهات وله معانٍ أخرى خارجة عن بحثنا. عطار

من فوائد البحث في القضايا الموجهة:

وإنما لم يقتصروا على المواد بل تجاوزوا إلى الجهات بما لها من التفاصيل لأن الغرض من معرفة القضايا تركيب الأقيسة لاستخراج النتائج وهي لا تحصل من المقدمات بحسب موادها الثابتة في نفس الأمر بل بحسب جهاتها المعتبرة عند العقل.اهـ (شرح المقاصد)

بلال النجار
12-07-2010, 13:04
أخي علي

هي في قولك: (وإن شئت قلت هي التي نسبتها غير مستحلية) على ماذا تعود؟

علي عبد اللطيف
14-07-2010, 10:13
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على حضرة سيدنا رسول الله وآله وصحبه وتابع له ولنهجه:
السلام عليكم:
الضمير هي: يعود على القضية التي نسبتها مكيفة بالإمكان العام، أي الممكنة العامة، وهذا الضمير في كلام العلامة سيدي الصبان رحمه الله كان في سياق تعريف الممكنة العامة فأخذت كلامه وفسرت به الإمكان العام.
فهل هذا صواب؟
دمتم بخير وعافية.

بلال النجار
14-07-2010, 12:44
وعليكم السلام ورحمة الله،

إذا كان الضمير عائداً على الممكنة العامة مطلقاً فليس الكلام دقيقاً. بيانه أن الإمكان العام المبحوث عنه في الموجهات هو سلب الضرورة عن الطرف المخالف. فإن معنى أ هي ب بالإمكان العام أن أ ليس ب ليست ضرورية. ومعنى ضرورية أ ليس ب هو استحالة كون أ هي ب. فرفع هذه الاستحالة عن هذا الطرف المخالف الذي هو مفهوم الممكنة هنا يقتضي أن أ هي ب إما بالضرورة وهو وجوب كون أ هي ب، أو بالإمكان الخاص. هذا في الممكنة العامة الموجبة. وأما في الممكنة العامّة السالبة أي في نحو قولنا أ ليس ب بالإمكان العام فإن معناها أن كون أ هي ب ليس ضرورياً. ومعنى ضرورية أ هي ب هو وجوب كون أ هي ب. فرفع هذا الوجوب عن هذا الطرف المخالف الذي هو مفهوم الممكنة هنا يقتضي أن أ ليس ب إما بالضرورة وهو استحالة كون أ هي ب، أو بالإمكان الخاص. وعلى هذا فالممكنة العامة تتناول الوجوب والإمكان الخاص تارة، وتتناول الاستحالة والإمكان الخاص تارة اخرى.

ولنأخذ قولنا أ ليس ب بالإمكان العام
فلو عرّفنا الممكنة العامة بأنها القضية التي نسبتها ليست بمستحيلة، فعدم استحالة أن أ ليس ب يتقضي أن أ ليس هي ب إما وجوباً وهو الاستحالة العقلية أو بالإمكان الخاص. هذا صحيح بناء على أن النسبة تكون سالبة وموجبة. فلا إشكال عندئذ في عود الضمير على الممكنة العامة، ولا إشكال في تعريفها بذلك. ولكن اعتبار السلب والإيجاب جزءاً من النسبة خلاف التحقيق. لأن النسبة هي مجرد النسبة أعني تعلّق المحمول بالموضوع ثم يعرض لها الإيقاع والانتزاع. فإذا اعتبر ما هو التحقيق هنا لم يكن الكلام صواباً. لأن معنى قولنا الممكنة العامة هي التي لا تكون نسبتها مستحيلة عند تطبيقه على قولنا:
أ ليس ب بالإمكان العام يكون معناه عدم استحالة حمل ب على أ، لأن النسبة لا يدخل فيها أداة السلب. بل أداة السلب عارضة على النسبة قاطعة لتعلق المحمول بالموضوع. وعدم استحالة حمل ب على أ يقتضي أن أ هي ب وجوباً أو بالإمكان الخاص، وليس هذا مفهوم الممكنة هنا. وبهذا الاعتبار يجب أن يعود الضمير على الممكنة العامة الموجبة لا السالبة. والأمر هيّن. وإنما أردت شحن الأذهان بمزيد تدقيق. فهل لك أن تنقل عبارة الصبان هنا لنتأملها.