المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 5- أحكام الحكم الشرعي (تابع)



عبد السلام مازن ابو خلف
19-11-2009, 20:01
بسم الله الرحمن الرحيم

المدارسة الخامسة

المسألة (الثالثة):ينقسم الوجوب باعتبار المحكوم عليه إلى وجوب عيني وكفائي.
(الوجوب) إما أن يكون القصد منه حصول الفعل من ذات الفاعل أو حصول الفعل من غير نظر إلى الفاعل،فالوجوب (إن تناول كل واحد) بعينه (كالصلوات الخمس أو) تناول (واحدا معينا كالتهجد، فيسمى فرض عين، أو) تناول بعضا (غير معين كالجهاد يسمى فرضا على الكفاية، فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل، سقط عن الكل، وإن ظن) كل طائفة (أنه) أي غيره (لم يفعله وجب) على الكل.


المسألة (الرابعة): وتسمى: مقدمة الواجب.
الشيء الواجب يتوقف حصوله على حصول شرطه وسببه.
فالشرط هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط ولا عدمه،وأقسامه _باعتبار منشأه_ ثلاثة:شرعي وعقلي وعادي.
والسبب هو ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدم المسبب فالسبب يؤثر بطرفي الوجود والعدم بخلاف الشرط فإنه يؤثر من جهة العدم فقط، ويخالف السببُ أيضا الركنَ من حيث أنه خارج عن ماهية المسبب بخلاف الركن فإنه داخل فيها، وأقسام السبب _باعتبار منشأ تأثيره في المسبب_ ثلاثة: شرعي وعقلي وعادي.
فوجوب الشيء إن كان مقيدا بحصول شرطه وسببه سمي وجوبا مقيدا، وإن كان غير مقيد بحصول شرطه وسببه سمي وجوبا مطلقا.
ولا خلاف بين العلماء في أن وجوب الشيء إذا كان مقيدا بشرط أو بسبب فإنه لا يجب على المكلف تحصيل الشرط و السبب مثل الزكاة بشرط النصاب، ولكن اختلفوا في وجوب الشيء مطلقا إذا كان وجود هذا الشيء في الخارج يتوقف على وجود سبب أو شرط فهل يكون الخطاب الذي دل على وجوب الشيء دالا أيضا على وجوبهما أو لا؟؟
قال البيضاوي وأكثر الأصوليين: (وجوب الشيء مطلقا يوجب) أي يدل لزوما على وجوب (ما لا يتم إلا به وكان) أي في حال كون السبب والشرط (مقدورا) للمكلف.
(قيل):وجوب الشيء مطلقا (يوجب السبب) الشرعي والعقلي والعادي (دون الشرط) فإنه أضعف من السبب، (وقيل: لا) يوجب شيئا (فيهما)، وقيل:يوجب الشرط الشرعي فقط لأن شرطيته عرفت من الشارع، وهو لإمام الحرمين.

(لنا: أن التكليف بالمشروط دون الشرط محال) ضرورة أن المشروط _وهو الإتيان بالفعل_ ينعدم عند انعدام شرطه، ولا قدرة للكلف عليه فيكون تكليفا بالمحال وهو غير واقعٍ اتفاقا، وإذا دل الخطاب على إيجاب ما يرتبط بالشيء من جهة واحدة _وهو الشرط_ دل على إيجاب ما ارتبط به من جهتين _وهو السبب_ بطريق الأولى.

( قيل: يختص) التكليف بالمشروط (بوقت وجود الشرط) فلا يكلف بإيقاع المشروط إلا حال وجود الشرط؛فلا تكليف بالمحال، (قلنا):تقييد التكليف بإيقاع الفعل عند حصول الشرط (خلاف الظاهر) من الخطاب حيث دل على وجوب الشيء مطلقا وتقييده بوقت حصول الشرط يحتاج إلى دليل،(قيل:إيجاب المقدمة أيضا كذلك) فالخطاب إنما دل على إيجاب الشيء فقط وإيجابكم لمقدمته خلاف الظاهر من الخطاب؛فما هو جواب لكم هو جواب لنا.

(قلنا:لا) نسلم أن إيجاب المقدمة خلاف الظاهر فإن خلاف الظاهر هو إثبات ما يدفعه اللفظ أو دفع ما يثبته، وإيجاب المقدمة ليس كذلك (فإن اللفظ) الدال على وجوب الشيء (لم يدفعه) أي لم يدفع وجوب مقدمته بخلاف تقييد الوجوب فإن الإطلاق يدفعه.

(تنبيه: مقدمة الواجب) التي يتوقف عليها وجوده قسمان: فهي (إما أن يتوقف عليها) أصل (وجوده)؛ وذلك_أي توقف الوجود على المقدمة_ إما (شرعا) أي بجعلٍ من الشرع فتكون مقدمة شرعية (كالوضوء للصلاة أو عقلا) أي بطريق العقل فتكون مقدمة عقلية (كالمشي للحج، أو) يتوقف عليها (العلم به) أي العلم بوجوده وذلك (كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة) منها (ونسي) عينها؛فالعلم بحصولها يتوقف على إتيانه بالأربعة الباقية من الصلوات، وأيضا مثل (ستر شيء من الركبة لستر الفخذ) فإن ستر الفخذ لا يتوقف تحقيقه على ستر الركبة؛ فإنه ممكن لانفصالهما، ولكن العلم بستر الفخذين يتوقف على ستر بعض الركبة .


(فروع) على مقدمة الواجب :
الفرع (الأول:لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية؛ حرُمتا على معنى أنه يجب الكف عنهما)؛أما الأجنبية فبطريق الأصالة وأما المنكوحة فبطريق الاشتباه حيث إن الكف عن الأجنبية واجب ولا يتحقق العلم بهذا الواجب إلا بالكف عن وطء الزوجة فصار الكف عن الزوجة مقدمةً للواجب.

الفرع (الثاني: لو قال) لزوجتيه: (إحداكما طالق، حرمتا تغليبا للحرمة، والله تعالى يعلم أنه سيعين) إحداهما، (لكن لما لم يُعَيِّن لم تتعين)؛ فالحال قبل تعيينه أن إحداهما محرمة لا على التعيين فالكف عن إحداهما لا على التعيين: واجب، ولا يعلم تحقق هذا الواجب إلا بالكف عن الجميع، فصار الكف عن الجميع مقدمة لوجوب الكف عن إحداهما لا على التعيين.

الفرع (الثالث):قولنا: "ما يتوقف عليه الواجب يكون واجبا" له منطوق ومفهوم؛ فمنطوقه:وجوب ما يتوقف الواجب عليه، ومفهومه: عدم وجوب ما لا يتوقف الواجب عليه،وضابط كون الواجب متوقفا_وجودُه أو العلمُ به_ على غيره أو لا: هو كونه مقدر بقدر معين أو غير معين، فالواجب المقدر بقدر معين قد يتوقف وجوده أو العلم بوجوده على شيء؛ وحينها يكون هذا الشيء مقدمةً واجبة للواجب مثل غسل الوجه أو اليدين، والواجب المقدر بقدر غير معين كمسح الرأس عند الشافعية لا يتوقف وجوده أو العلم بوجوده على شيء زائد عن قدره؛ فالقدر (الزائد على ما ينطلق عليه اسم المسح) الواجبِ (غيرُ واجبٍ) على المكلف، فإذا أدى المكلفُ القدرَ الواجب والزائد دفعةً واحدةً كالمسح بوضع الكف أو شيئا فشيئا كالمسح بإمرار الكف؛ فالقدر الزائد المؤدى لا يعتبر واجبا أيضا (وإلا لم يجز تركه) مع أن تركه جائز بالإتفاق.


المسألة(الخامسة): وتعرف بمسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده.
(وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه) لأن الأمر بالشيء يدل على شيئين: أحدهما طلبه وثانيهما المنع من تركه، والمنع من الترك هو النهي عن الترك، والترك هو النقيض؛ فيكون النقيض منهيا عنه، (لأنها) أي حرمة النقيض (جزؤه) أي جزء الواجب؛ وقد تقدم بيانه، (فالدال عليه) أي الوجوب (يدل عليها) أي حرمة النقيض (بالتضمن)، ونقيض الفعلِ الواجب_وهو تركه_ إنما يتحقق بفعل ضد من أضاده التي لا يمكن وجوده معها؛فالنهي عن النقيض نهي عن أضداده بطريق الالتزام .
والحاصل أن وجوب الشيء دالٌ على حرمة نقيضه بطريق التضمن لأنها جزؤه، وحرمة النقيض دالةٌ على حرمة الأضداد بطريق الالتزام لأن المحقق لنقيض الفعل الواجب في الخارج هي أضداده، فحرمة النقيض جزء من مفهوم الواجب والأضداد مصاديق لهذا النقيض؛ فالنهي عنه نهي عنها.

(قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب) للفعل (قد يغفل عن) تصور (نقيضه) والتنبه له؛ والحكم على الشيء فرع عن تصوره فإذا لم يتصور الآمرُ نقيضَ ما أمر به فلا يكون ناهيا عنه؛فليس إيجاب الشيء نهي عن نقيضه.
(قلنا:لا) نسلم الغفلة لأن الموجب هو الله؛ (فإن الإيجاب) من الله (بدون) علمهِ استلزامَ إيجابهِ للفعلِ (المنعَ من نقيضه محال) على الله؛ إذ هو العالم بكل شيء، (وإن سلم؛ فمنقوض بوجوب المقدمة)؛ فإنكم قائلون بوجوب مقدمة الواجب مع أن الآمر به قد يغفل عن مقدماته، فما هو جوابكم فهو جواب لنا.
ملاحظة: ترك الفعل يتحقق بالاشتغال بأي ضد من الأضداد الوجودية المفوتة للفعل، أما تحصيل الفعل فإنه يتوقف على ترك جميع الأضداد المنافية له.

المسألة (السادسة):
(الوجوب) حقيقة مركبة من شيئين: أحدهما عدم الحرج في الفعل أي جوازه، وثانيهما الحرج في الترك أي منع الترك، فالوجوب (إذا نسخ بقي الجواز) وهو الأول وانتسخ المنع من الترك وهو الثاني وذلك (خلافا للغزالي) حيث قال بنسخ الجواز أيضا وعود الفعل إلى الحكم الذي كان عليه قبل الوجوب إن محرما أو مباحا أو مندوبا أو مكروها.
ودليل بقاء الجواز هو (لأن الدال على الوجوب يتضمن الجواز) كما مر (والناسخ لا ينافيه) بل ينافي المنع من الترك فقط، (فإنه يرتفع الوجوب) أي يتحقق رفعه (بارتفاع المنع من الترك.)
(قيل: الجنس) وهو الجواز (يتقوم) أي لا يتحقق له وجود إلا (بالفصل) وهو المنع من الترك (فيرتفع بارتفاعه، قلنا: لا) نسلم التقوم؛ فكلاهما حكم شرعي قديم ولا تصح العلية بينهما، (وإن سلم) جواز التقوم (فيتقوم بفصل) آخر وهو (عدم الحرج) في الترك الذي هو نقيض الحرج فيه والنقيضان لا يرتفعان معا؛فلما رفع الثاني ثبت الأول.

المسألة (السابعة: الواجب لا يجوز تركه) لأن المنع من الترك_والذي نقيضه:جواز الترك_ جزء من مفهومه، فعدم جواز ترك الواجب أمر لا خلاف فيه بين العلماء، ولكن ظهر في كلام البعض ما يشعر خلاف ذلك وهم فريقان:
الفريق الأول: الكعبي وأتباعه.
حيث (قال الكعبي: فعل المباح) هو (ترك الحرام وهو) أي ترك الحرام (واجب) فينتج أن فعل المباح واجب، وفعل المباح يجوز تركه؛ إذا فالواجب يجوز تركه.
(قلنا: لا) نسلم؛ (بل به) أي بفعل المباح (يحصل) ترك الحرام وليس كل ما يحصل به ترك الحرام يكون واجبا؛فإنه يحصل أيضا بفعل المكروه والمندوب والمباح والواجب.

الفريق الثاني: بعض الفقهاء.
(وقالت الفقهاء): يجوز ترك بعض الواجب؛ فإنه (يجب الصوم على الحائض والمريض لأنهم شهدوا الشهر وهو) أي شهود الشهر (موجب) لوجوب الصوم، وهو مع وجوبه عليهما جائز الترك، ويؤيده (أيضا) أنه يجب (عليهم القضاء بقدره) أي بقدر ما فاتهم من الصوم.
(قلنا العذر) من حيض ومرض (مانع) من وجوب الصوم عليهم؛ فالصوم ليس بواجب أصلا، (والقضاء) للصوم لا يدل على وجوب أداءه لأن القضاء (يتوقف على السبب) أي سبب الوجوب وهو تعلقه بذمة المكلف، (لا الوجوب) أي لا وجوب الأداء ، (وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت) لأن وجوب الأداء لم يتعلق به اتفاقا.
والحاصل أن الأصوليين قالوا: أن أصل الوجوب قد تعلق بالمريض والحائض لا وجوب الأداء؛ فعذرهم مانع من تعلقه بهم، وأما الفقهاء فقالوا أن وجوب الأداء قد تعلق بهم ولكن العذر أباح لهم ترك الواجب.