المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يفيد العلم النظري شيئًا آخر غير القطع ؟



أحمد حسين محيي الدين
19-11-2009, 11:14
الحمد لله وحده ،،،

قال الحافظ ابن حجر في نكته على مقدمة ابن الصلاح ( 1 / 355 ) : (( فقول ابن الصلاح : "والعلم اليقيني النظري حاصل به" لو اقتصر على قوله : العلم النظري لكان أليق بهذا المقام .
أما اليقيني فمعناه القطعي ، فلذلك أنكر عليه من أنكر ؛ لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده وإنما يقع الترجيح في مفهوماته .
ونحن نجد علماء هذا الشأن قديمًا وحديثًا يرجحون بعض أحاديث الكتابين على بعض بوجوه من الترجيحات النقلية ، فلو كان الجميع مقطوعًا به ما بقي للترجيح مسلك .... إلخ )) أ.هـ

فما رأي مشايخنا الكرام فيما نقلته عن الحافظ ابن حجر ؟ هل يفيد العلم النظري شيئًا آخر غير القطع ؟

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
22-11-2009, 12:10
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي أحمد،

حتى يجيبك أحد المشايخ أجيبك فأقول:

لعلّ السؤال الذي سألت ابتداء ليس هو الذي عليه كلام الإمام ابن حجر رحمه الله...

فالمسألة التي نقلت هي أنَّ الإمام ابن الصلاح يقول إنَّ العلم اليقيني حاصل به -النقل-...

فرأى الإمام ابن حجر أنَّ قول الإمام ابن الصلاح هذا حصر بأنَّ العلم الحاصل هو العلم اليقيني فلا يحصل من النقل علم ظنّي...

فقال الإمام ابن حجر إنَّه لمَّا كان يحصل علم ظنّي من النقل أحياناً فحصر الإمام ابن الصلاح ليس لازماً...

فالنقل مطلقاً -أي كلّه من الكتاب العزيز والسنّة المشرفة- قد يفيدنا علماً ظنّياً...

فقوله تعالى: "ثلاثة قروء" أفاد ما اتفق المسلمون على إفادته وهو أنَّ عدّة المطلّقة ثلاث حيضات...

فهذا يقيني.

لكنَّ معنى القرء قد اختلف فيه فقال سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه -وهو الذي هو في اللغة إمام- إنَّ القرء هو الطهر.

فقال إنَّ العدّة ثلاثة حيضات مع الطهور من آخرهنّ...

وخالف أئمّة في ذلك فقالوا إنَّه الحيض لا طهره...

فكان الفهم للآية الكريمة يقينياً من جهة ظنّياً من جهة إذ اختلف الأئمّة رضي الله عنهم...

المقصود هنا تبيان أنَّه قد يحصل من النقل علم ظنّي وهو مقصود الإمام ابن حجر فيما اعترض به على الإمام ابن الصلاح رحمهما الله.

والسلام عليكم...

أحمد حسين محيي الدين
22-11-2009, 15:42
جزاكم الله خيرًا على مداخلتكم الكريمة ، ولكن الذي يفهم من كلام الحافظ ابن حجر أنه يرى أن خبر الآحاد الذي احتفت به القرائن يفيد العلم النظري خلافًا لمن قال أنه يفيد الظن فقط ، فكيف نفسر فهمه للعلم النظري في ضوء انتقاده لما قاله ابن الصلاح ؟

شفاء محمد حسن
22-11-2009, 22:18
لأخ الفاضل أحمد.. حقيقة سؤالكم ذكرني بتساؤل كثيرا ما فكرت به وهو: هل درجات العلم تتفاوت؟
وسأكتب النتيجة التي توصلت إليها عسى أن تفيدكم، أو ينبهني أحد إن كان فيها خطأ:

أولا: علينا أن نعلم أن أصحاب العلوم يختلفون في إطلاقاتهم واستعمالهم لكلمة العلم، فمثلا نرى أئمتنا -رحمهم الله - في الفقه يطلقون العلم ويريدون به الظن المقارب للعلم، لا العلم اليقيني..
ونرى علماء الطب، والطبيعة وغيرهم، فهؤلاء يطلقون أحيانا كلمة العلم ولا يقصدون بها العلم المطابق للواقع الذي لا يحتمل التشكيك..

ثانيا: علينا أن نميز بين الاعتقاد، والعلم.
فالاعتقاد أن يجزم الإنسان بمطابقة ما يعتقده للواقع.. سواء كان مطابقا في نفس الأمر أم لا..
وأما العلم فهو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل..
ثم هذا العلم يمكن أن يكتسب بالضرورة، أو بالنظر.
والعلم الضروري لا يكاد يختلف فيه العقلاء..
وأما العلم النظري فيختلفون فيه، لاختلافهم في النظر، فمن لم يستقم نظره لم يتوصل إليه، بل ربما ظل حائرا، أو توصل إلى جهل مخالف للواقع..
وربما اختلفوا فيه لقلة معرفتهم واطلاعهم على مقدماته، وهذا كالحال في المسألة التي أوردتم عليها السؤال، والتي سأتحدث عنها في نهاية كلامي بإذن الله..
ثم إن العلم النظري بالنسبة للعالم به يمكن أن ينظر إليه على أنه ضروري؛ لكونه لا يمكنه دفعه عن نفسه، وذلك كإيماننا بوجود لله تعالى، فنحن كمؤمنين نرى أن هذا العلم ضروري، أظهر من أن يستدل عليه، ونتعجب من منكره، ولكنه في حقيقته نظري، لكون الكثيرين من العقلاء ينفونه ولا يؤمنون به..
وأما الضروري فلا يمكن أن ينظر إليه على أنه نظري عند العقلاء، إلا إذا كان هو في أصله نظري..

ثم بعد هذا أرجع فأقول:
إذا كان العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، فهل تختلف درجاته، أم لا، فمتى ما بلغ مبلغ الجزم لم يحتمل التفاوت؟
قطعا هو محتمل للتفاوت من حيث القوة والضعف، واحتمال التشكيك وعدمه، وهو كمسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فيقوى الجزم بكثيرة النظر والتفكر، ويضعف بإهمال التفكر فيه..
ثم إن الجزم إما أن يكون من جهتين، أو من جهة واحدة، أي إما أن أجزم بثبوت الحكم، من غير جزم باحتمال تخلفه، إما أن أجزم بثبوته مع جزمي بعدم تخلفه، فكلاهما علم، ولكن قطعا العلم الثاني أقوى من الأول..

وأظن أن الأئمة -رضوان الله عليهم - عندما يطلقون لفظ العلم واليقين بما يفهم منهما التغاير، فإنما يريدون باليقين العلم الثاني الذي لا يحتمل التخلف، وبالعلم الأول..
وهو ما فهمته من كلام ابن حجر -رحمه الله- إذ أن هذه المسألة التي أوردتموها إنما هي في اختلافهم في إفادة أحاديث الآحاد التي اتفق عليها الشيخان، ولم تنتقد عليهما، ولم يقع فيها تخالف، فهل تفيد العلم النظري أم أنها تبقى ظنية كغيرها..؟
وابن حجر -رحمه الله- مرجح لكونه مفيدا للعلم النظري عند العالم بالحديث المتبحر به دون غيره .. ولكنه أبى أن يقال فيه يقين، وأظن أن ذلك لما قلته من أن الجزم فيه من جهة واحدة..
فالعالم يجزم بثبوته، لكن لنفترض أنه بعد جزمه بثبوته وجد معارضا له في غير الصحيحين، أقوى منه سندا، ولم يكن ناسخا، ولا أمكن الجمع، فعندها سينزل الحديث عن رتبة الجزم عنده، إلى رتبة الظن..

هذا ما فهمته من كلام ابن حجر بتفريقه بينهما.. والله أعلم..

أحمد حسين محيي الدين
23-11-2009, 08:28
الشيخة الفاضلة شفاء ، جزاكم الله خيرًا على مشاركتكم الكريمة .
الحمد لله تعالى قد اتضحت لي المسألة ، وكذلك اتضح لي مراد الشيخ الفاضل محمد أبو غوش من مشاركته السابقة .

نزار بن علي
23-11-2009, 08:52
الأخت الفاضلة شفاء بارك الله فيها
يسعدني قراءة مثل هذه المشاركة التي تحاولين فيها الكلام على العلم ومراتبه وأقسامه وتمييزه عن غيره..
كما يسعدني أن أعلمك بأن هذه المباحث الشريفة الجليلة كانت تحتل المرتبة الأولى في مقدمات كتب الأصول لجلالة أمرها.
فهي من المبادئ الأساسية لجملة من النظريات العلمية الإسلامية. وقد صنفت كتب خاصة في مباحث النظر والعلم، لا سيما من طرف متقدمي أهل السنة رضي الله عنهم. وقد كانوا شديدي الحرص على تحقيق معاني هذه المباحث ومبانيها، ولا يتساهلون حتى في التعبير عنها لأن كل لفظ يجب أن يستعمل في مدلوله اللائق به، وهذا ما أردت لفت نظرك إليه، ففي بعض ألفاظك قلق لا سيما في التمييز بين العلم والاعتقاد والنظري والضروري.. وببعض التدقيق تدركين ذلك إن شاء الله، وعلى العموم فجزاك الله خيرا على هذه المشاركة الطيبة.

شفاء محمد حسن
23-11-2009, 12:11
الأخ الفاضل نزار .. جزاكم الله خيرا على التنبيه.. نعم هذه المسألة فيها كلام كثير وتفصيل في كتب أئمتنا -رحمهم الله-، لكني حقيقة عندما كتبت لم أتمكن من الرجوع لهذه المباحث، فكتبت فقط الخلاصة التي وجدتها في ذهني، مع أنني شعرت بارتباك ألفاظي وعدم دقتها، إلا أنني مطمئنة لوجود من ينبهني على أخطائي وأسعد بذلك..*

فسأحاول أن أعيد النظر فيها، وأعيد صياغة الكلام..
ومرة أخرى جزاكم الله خيرا..

مصطفى حامد بن سميط
30-03-2010, 09:24
كأنه ظاهر والله اعلم أن العلم النظري قد يكون ظنيا لقول المناطقة أن التقسيم بينهما بحسب الطريق الموصلة فالنظري هو طريق ، وليس متعلق بخلاف تقسيمه الى تصور وتصديق
وقول الاصوليين جاحد الضروري يكفر وجاحد النظري لا يكفر
وقولهم
مراتب العلوم عشرة : الأولى : علم الإنسان بنفسه ، وصفاته وكلامه ، ولذاته .
الثانية : العلم الضروري باستحالة المستحيلات ، وانحطت هذه عن الأولى للحاجة فيها إلى الفكر في ذوات المتضادات وتضادها .
الثالثة : العلم بالمحسات وانحطت عن الثانية ، لتطرق الآفات إلى الحواس .
الرابعة : العلم الحاصل عقب خبر التواتر ، وانحطت عما قبلها لإمكان .
التواطؤ على المخبرين ، وأيضا لا بد من فكر .
ولهذا قال الكعبي : إن العلم عقبه نظري .
الخامسة : العلم بالحرف والصناعات ، وانحطت لما فيها من المعاناة والمقاسات وتوقع الغلطات .
السادسة : العلم المستند إلى قرائن الأحوال ، كخجل الخجل ، وكوجل الوجل ، وغضب الغضبان ، وانحطت لتعارض الاحتمالات في محال الأحوال .
السابعة : العلم الحاصل بالأدلة العقلية وانحطت ؛ لأن النظري منحط عن الضروري .
الثامنة : العلم بجواز النبوات ، وجواز ورود الشرائع .
التاسعة : العلم بالمعجزات إذا وقعت .
العاشرة : العلم بوقوع السمعيات ومستندها الكتاب والسنة .
و العلم النظري ينضبط بالضابط سببه الذهن قبله ، والعلم العادي يخلي العكس لا ينضبط سببه حتى يحصل هو فإذا حصل علمنا أن سببه قد كمل ، ولو روجعنا في أول زمن كماله لم يكن لنا شعور به حالة العلم بالمتواترات ، فإن السامع لا يزال يترقى في الظنون ترقيا خفيا حتى ينتهي إلى عدد حصل عنده العلم في نفس الأمر

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
30-03-2010, 15:39
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي أحمد،

كلام الإمام ابن حجر على هذه المسألة في غير محلّ مسألة قوله بقطعيَّة بعض خبر الواحد...

فمن قطعيّ الثبوت ما هو ظنّي الدلالة كما تعلم.

أخي مصطفى،

قولك: (وقول الاصوليين جاحد الضروري يكفر وجاحد النظري لا يكفر)...

فالعلم بوجود الله سبحانه وتعالى طريقه النظر وهو واجب!

أمَّا مراتب العلوم التي نقلت فلا يسلَّم فيها الترتيب بل للقائل أن يقول إنَّه ظاهر البطلان...

فمن أين حصّلته؟

والسلام عليكم...

مصطفى حامد بن سميط
30-03-2010, 16:54
شكرا أخي احمد على المداخلة القيمة
ولقد قدمت أن النظري والضروري طريق للعلم كما نص المناطقة على ذلك وحينئذ فقد يوصل الطريق إلى علم كما في صفات الله ونحو ذلك وقد يوصل إلى ظن كما اشرت لذلك سابقا ، على أن صفات الله لا تثبت بالمعقول فقط ، بل لا بد من اجتماع معقول ومنقول قطعيين ..
وهذه بعض اقوال للعلماء تفيد _ ويشير بعضها لظنية العلم النظري - حسب الظاهر :
الضروري ما لا يحتاج في تحصيله إلى نظر والنظري ما يحتاج إليه والنظر هو الفكر المطلوب به علم أو ظن ، إرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 4)

الضرورى لا يقبل الشك والشبهة والنظرى يقبل ذلك، المحصول - (ج 5 / ص 449)

: أحدهما : ضروري والآخر : نظري أو أحدهما معلوم والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين ؛ لأن ما علم مجموع وصفيه أولى مما تطرق الشك أو الظن إلى أحد وصفيه ؛المستصفى - (ج 2 / ص 457)

الضروريات تنقسم إلى هاجم عليه ، ويسمى ضروريا .
وإلى ما يحتاج إلى فكر ، فيسمى نظريا .
قيل : وهذا نقض لقوله : إن كلها ضرورية .
وأما حصر النظر في الضروريات فلا يستقيم ، فإنه قد يكون في غير الضروريات ضرورة ، ثم هو منقوض بالشك وقال القاضي أبو بكر : النظر هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ظنا ، وهو مطرد في القاطع والظني .
البحر المحيط - (ج 1 / ص 35)
وجزاكم الله خيرا للإفادة