المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 2- الحكم الشرعي وأنواعه



عبد السلام مازن ابو خلف
29-10-2009, 20:10
بسم الله الرحمن الرحيم


المدارسة الثانية

( أما المقدمة ففي الأحكام ومتعَلَّقاتها؛ وفيها بابانِ.

الباب الأول :في الحكم
وفيه فصول؛
الأول: في تعريفه
الحكم: خطاب الله تعالى) أي كلامه النفسي الأزلي سواء دل عليه كلام الله اللفظي كالقرآن أو دل عليه الإجماع أو السنة أو القياس، فهذه الأمور الأربعة ليست مثبتة للحكم وذلك لحدوثها وإنما هي معرفة له (المتعلق) تعلقا معنويا قديما وهو غير التعلق اللفظي الحادث، وكلاهما للدلالة، (بأفعال المكلفين) أي بما يصدر عنهم من قول أو فعل أو اعتقاد (بالاقتضاء) أي بالطلب مطلقا، متعلق ب"المتعلق" ( أو التخيير) أي الإباحة.

(قالت المعتزلة) معترضةً على التعريف السابق بثلاثة اعتراضات وهي:
الإعتراض الأول: خطاب (الله تعالى قديم عندكم) لإنه كلامه وهو قديم، (والحكم) الشرعي (حادث)،وأنتم قد عرفتم الحكم بأنه خطاب الله فصار تعريفكم مبايناً للمعرف؛فالمعرف حادث وقد عرفتموه بالقديم، فظهر أن تعريفكم باطل.

أما كون الحكم حادثا فلثلاثة وجوه:
أحدها:(لأنه يوصف به) أي بالحدوث وكل ما وصف بالحدوث يكون حادثا،فيقال:حلت المرأة بالنكاح و حرمت بالطلاق أي حدث كل من الحل والحرمة بعد أن لم يكن وما هذه حاله فهو حادث.
(و)الثاني: لأنه (يكون صفة لفعل العبد) وفعل العبد حادث فكذلك صفته أي الحكم، فيقال:حلت المرأة بالنكاح أي حل الاستمتاع بها و حرمت بالطلاق؛فالحل والحرمة وصفان للإستمتاع والإستمتاع فعل للعبد حادث فكذلك صفته .
(و)الثالث: لإنه يكون (معَلَّلاً به) أي بفعل العبد وفعل العبد حادث فكذلك معلوله، فيقال:حلت المرأة بالنكاح و حرمت بالطلاق؛ فالنكاح والطلاق علتان للحل والحرمة وهما فعلان حادثان فكذلك معلوليهما.
( كقولنا:حلت بالنكاح وحرُمتْ بالطلاق)،هذا المثال يصلح للثلاثة وجوه وقد تقدم بيانه في كل منها.
الاعتراض الثاني:
(وأيضا فموجبية الدلوك ومانعية النجاسة وصحة البيع وفساده) أي جميع الاحكام الوضعية خارجة عنه أي عن التعريف فهو غير جامع.
الاعتراض الثالث:
( وأيضا فيه الترديد) والشك وهو كلمة "أو" (وهو ينافي التحديد) فالمقصود من التعريف إيضاح المعرف والشك ينافيه.

(قلنا) ردا على الاعتراض الأول:

أولا: (الحادث) هو (التعلق) وليس الحكم؛فالذي يوصف بالحدوث هو تعلق الحكم التنجيزي بفعل المكلف وليس الحكم .
وثانيا: (الحكم متعلق بفعل العبد لا صفته) ولا يلزم من تعلق شيء بشيء أن يكون صفة له وذلك (كالقول المتعلق بالمعدومات) فهو ليس صفة لها وإلا لزم قيام الصفة بالمعدوم .
وثالثا: (الطلاق والنكاح وغيرهما) من الافعال الإنسانية إنما هي (مُعَرِّفات) للحكم وأمارات عليه وليست عللا (له)، ولا مانع من كون الحادث معرفا للقديم وذلك (كالعالم) الحادث فإنه معرف (للصانع) القديم .

والرد على الاعتراض الثاني:
(الموجبية والمانعية) وغيرهما من الاحكام الوضعية إنما هم (أعلام الحكم، لا هو)؛فعلامة الشيء غير الشيء نفسه، (وإن سلم) كونها أحكاما شرعية: (فالمعني بهما) أي بالموجبية والمانعية (اقتضاء الفعل والترك)؛فموجبية الدلوك تعني اقتضاء الفعل عند الدلوك ومانعية الحيض تعني اقتضاء ترك الصلاة عند الحيض، والمعني (بالصحة إباحة الانتفاع) فهي داخلة في التخيير، والمعني (بالبطلان حرمته) أي حرمة الانتفاع وهي داخلة في اقتضاء الترك،فظهر أن تعريف الحكم شامل لهم وليس كما ادعيتم خروجهم عنه.

(و)الرد على الاعتراض الثالث:
أن (الترديد في أقسام المحدود لا في الحد)،والترديد المنافي للتحديد هو الواقع في نفس الحد لا في المحدود؛ فالمحدود الذي هو الحكم: بعض أفراده اقتضاء والبعض الآخر تخيير؛ ف"أو" التي في التعريف للتنويع والتقسيم وليست للشك .



(الفصل الثاني
في تقسيمات الحكم)
التقسيم (الأول): وهو باعتبار ذات الحكم أي الفصول المنوعة له خمسة أقسام:
(الخطاب إن اقتضى الوجود) أي طلب وجود الفعل (ومنع النقيض) أي ومنع عدم وجوده: (فوجوب، وإن) اقتضى وجوده و (لم يمنع) نقيضه (فندب)، (وإن اقتضى الترك) أي طلب ترك الفعل (ومنع النقيض) أي ومنع وجوده (فحرمة، وإلا) بأن اقتضى تركه ولم يمنع وجوده (فكراهة، وإن خيَّر) بين وجود الفعل وتركه (فإباحة).

فالوجوب هو اقتضاء الخطاب وجود الفعل ومنع نقيضه.
والندب هو اقتضاء الخطاب وجود الفعل وعدم منع نقيضه.
والحرمة هي اقتضاء الخطاب ترك الفعل ومنع وجوده.
والكراهة هي اقتضاء الخطاب ترك الفعل و عدم منع وجوده.
والإباحة هي تخيير الخطاب بين وجود الفعل وتركه.
أقسام الفعل الذي تعلق به الحكم :
(ويُرسم الواجب) أي الفعل الذي تعلق به الوجوب (بأنه): الفعل (الذي يذم شرعا تاركه قصدا) فيخرج تاركه لسهوٍ أو نوم (مطلقا) أي تركا مطلقا؛ فيخرج بهذا القيد الذي يترك الفعل الواجب مؤقتا كالواجب الموسع أو يتركه لسقوطه عنه بفعل غيره له كالواجب الكفائي أو يتركه لقيامه بغيره كالواجب المخير .
هل الفرض والواجب مترادفان؟
(ويرادفه الفرض) عند غير الحنفية، (وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت بقطعي) أي بدليل قطعي (والواجب بظني).
(و) الفعل (المندوب) هو (ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه، ويسمى) هذا الفعل عند الاصوليين:مستحب و(سنة ونافلة)،فهي مترادفة عندهم وأما الفقهاء فلهم فيها تفريق اصطلاحي.
(و)الفعل (الحرام) هو (ما يذم شرعا فاعله).
(و)الفعل (المكروه) هو (ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله).
(و)الفعل (المباح) هو (ما لا يتعلق بفعله ولا تركه مدح ولا ذم).
ملاحظة:حيثما حذفت كلمة "شرعا" من التعريف فذلك اكتفاءً بالإتيان بها في التعريف السابق وإلا فالمدح والذم وعدمهما كلها من الشرع.

عبد السلام مازن ابو خلف
02-11-2009, 12:06
وثانيا: (الحكم متعلق بفعل العبد لا صفته) .

ليس للحكم صفة قبل تعلق الحكم به،وأيضا ليس صفته بعدما تعلق به؛لجواز نسخه وقلب الحكم، بل الحكم تعلق بالفعل وقد يعلق الله بالفعل حكما غيره.

عبد السلام مازن ابو خلف
02-11-2009, 12:35
وثالثا: (الطلاق والنكاح وغيرهما) من الافعال الإنسانية إنما هي (مُعَرِّفات) للحكم وأمارات عليه وليست عللا (له)، ولا مانع من كون الحادث معرفا للقديم وذلك (كالعالم) الحادث فإنه معرف (للصانع) القديم .

القول بأن الحكم صفة لفعل العبد أو أن فعل العبد علة للحكم يلزم منه القول بالتحسين والتقبيح العقليين بالضرورة؛ فالصفة تستلزم موصوفا عليه، والعلة توجب المعلول فتستلزم من الله حكما وكلاهما باطل.




(و)الرد على الاعتراض الثالث:
أن (الترديد في أقسام المحدود لا في الحد)،والترديد المنافي للتحديد هو الواقع في نفس الحد لا في المحدود؛ فالمحدود الذي هو الحكم: بعض أفراده اقتضاء والبعض الآخر تخيير؛ ف"أو" التي في التعريف للتنويع والتقسيم وليست للشك .

فالشك يعني أن المميز للحكم -فصلا كان أو خاصة- هو إما الاقتضاء أو التخيير وهذا باطل، بل المميز للحكم هو مجموع الاقتضاء و التخيير.



(ويُرسم الواجب) أي الفعل الذي تعلق به الوجوب (بأنه): الفعل (الذي يذم شرعا تاركه قصدا) فيخرج تاركه لسهوٍ أو نوم (مطلقا) أي تركا مطلقا؛ فيخرج بهذا القيد الذي يترك الفعل الواجب مؤقتا كالواجب الموسع أو يتركه لسقوطه عنه بفعل غيره له كالواجب الكفائي أو يتركه لقيامه بغيره كالواجب المخير .

فيخرج الواجب الموسع لأنه لا يذم تاركه قصدا إذا تركه في أول الوقت وأتى به آخره، ويخرج أيضا الواجب المخير لأنه لا يذم تاركه قصدا إذا ترك خصلة من الخصال وفعل غيرها، ويخرج أيضا الواجب الكفائي لأنه لا يذم تاركه قصدا إذا فعله غيره من المكلفين.


(و) الفعل (المندوب)
.
أصله المندوب إليه وحذف الجار والمجرور تخفيفا، وإلا فالأصل أن المندوب هو الشخص والمندوب إليه هو الفعل الذي ندب الشخص إليه.

شفاء محمد حسن
04-11-2009, 12:53
أرسل أصلا بواسطة عبد السلام مازن ابو خلف
(ويُرسم الواجب) أي الفعل الذي تعلق به الوجوب (بأنه): الفعل (الذي يذم شرعا تاركه قصدا) فيخرج تاركه لسهوٍ أو نوم (مطلقا) أي تركا مطلقا؛ فيخرج بهذا القيد الذي يترك الفعل الواجب مؤقتا كالواجب الموسع أو يتركه لسقوطه عنه بفعل غيره له كالواجب الكفائي أو يتركه لقيامه بغيره كالواجب المخير .

فيخرج الواجب الموسع لأنه لا يذم تاركه قصدا إذا تركه في أول الوقت وأتى به آخره، ويخرج أيضا الواجب المخير لأنه لا يذم تاركه قصدا إذا ترك خصلة من الخصال وفعل غيرها، ويخرج أيضا الواجب الكفائي لأنه لا يذم تاركه قصدا إذا فعله غيره من المكلفين.

حقيقة هذا التعريف وقفت عليه كثيرا عند دراستي له، و ما أوقفني هو أنني كنت أنظر للفعل من حيث الذم وعدمه، فأرى أن قيدي (قصدا) و (مطلقا) قيدا إخراج، لكن الإمام السبكي -رحمه الله- جعلهما قيدي إدخال، ثم بدأ ينجلي الإشكال عندما رجعت إلى شرح الإمام الإسنوي -رحمه الله- فرأيته قد جعل الكلام فيه من حيثيتين، فأحببت أن ألخصهما للفائدة، وأرجو أن تنبهوني إن كان فيهما إخلال أو سوء فهم..

أولا هذا التعريف إن نظر إليه من حيث الذم، فيكون هذانا القيدان قيدي إخراج؛ لأن غير القاصد، كالناسي والنائم حال كونهما غير مقصرين بالنسيان والنوم، لا يترتب على فعلهما ثواب أو ذم، ولا يوصف فعلهما بالوجوب، ولا بعدمه.
وأما وجوب القضاء عليهما فله شأن آخر..
وكذا قوله مطلقا يخرج من ترك خصلة من خصال الواجب المخير، ونحو ذلك؛ لأنه بفعله للخصلة الأخرى سقط عنه الإثم..

وأما إذا نظرنا إلى التعريف من حيثية أخرى، فيكون قيد (قصدا) قيد إدخال لا إخراج، فمن ترك الصلاة ناسيا، لا يخرجها تركه عن كونها واجبة وإن لم يأثم تاركها، فزيد هذا القيد لإداخل هذه الصورة وأمثالها..
وكذا قوله مطلقا، فمن ترك فرض الكفاية لقيام غيره به، لم يخرجه تركه عن كونه فرضا؛ وكذا من ترك الواجب الموسع في الوقت الأول، أو بعض خصال الكفارة، فكل من هذه الصور يتركها قصدا لكن تركا غير مطلق، فجيء بهذا القيد لإدخال هذه الصور في التعريف..

وهذا الذي مشى عليه الإمام السبكي -رحمه الله- في شرحه، لكن كلامه يدل على عدم ارتضائه لزيادة (قصدا) في القيد؛ لأن فعل الساهي والنائم ونحوهما لا توصف بوجوب ولا بعدمه..
وقد ألزم الصنف بزيادته هذا القيد أن يزيده في تعريف الحرام التزاما بطريقته..
لكنه صوب بعدها حذفه من المكانين.. والله أعلم..

عبد السلام مازن ابو خلف
05-11-2009, 20:18
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إلى الأخت الفاضلة:
هذا ملحظ دقيق؛ فإن تعريفنا للواجب بأنه "الفعل الذي يذم شرعا تاركه" من غير التقييد بـ "قصدا" _ ومثله مطلقا_ يلزم عنه أمرين:

1- أن يكون تارك الواجب مذموم شرعا في كل الحالات؛ أي سواء كان تركه له بقصد أو بغير قصد، مع أن الإجماع قد وقع على عدم إثم من ترك الواجب من غير قصد كتارك الصلاة ناسيا، فتقييدنا للتعريف بـ "قصدا" يُخرج ما ترك بغير قصد عن كونه مذموما شرعا، فهنا القيد للإخراج، والمُخرَج هو تارك الواجب من غير قصد حيث إنه لا يذم على تركه هذا، مع كونه تركا للواجب.


2- أن يكون كل فعل لا يذم تاركه غير واجب، مع أن بعض الواجبات لا يذم تاركها وهي واجبة مثل الصلاة المتروكة بغير قصد، وهذا يعني أن التعريف غير جامع لكل أفراد المعرف حيث خرج عن الواجب ما هو منه وهو كل فعل واجب ترك من غير قصد، فتقييدنا بـ" قصدا" يدخل في التعريف ما كان خارجا عنه، فـ "قصدا" من هذه الحيثية قيد إدخال، والمُدخَل هو كل فعل واجب ترك من غير قصد، فهو وإن كان لا يذم تاركه فهو فعل واجب، لأن عدم الذم لعدم القصد لا لأنه غير واجب.

وقس على ذلك التقييد بـ"مطلقا"، فكلا القيدين"قصدا ومطلقا" هما قيدا إخراج وإدخال معا؛ كلٌ من حيثية.
هذا ما فهمته من كلامك ومن كلام العلامة الإسنوي، فجزاكِ الله خيرا، وأرجو أن يكون ما فهمته صحيحا، والله أعلم.

شفاء محمد حسن
06-11-2009, 12:38
الأخ الفاضل.. إنما كنت أحاول تلخيص كلام الإمامين السبكي، والإسنوي -رحمهما الله-..

وقد كنت اقتنعت بأن كلمة قصدا لا داعي لها كما قال الإمام السبكي -رحمه الله- ؛ لأن الناسي والغافل والنائم والجاهل غير المقصرين، فأصلا هم لا يخاطبون بالوجوب، وأما القضاء فهو بأمر جديد..
وأما إن كانوا مقصرين بأسباب النسيان والنوم والجهل كمن جلس يلهو حتى نسي، أو نام بعد دخول الوقت ولم يظن الاستيقاظ فيه، أو كان جاهلا مغرورا، فهذا لا يخرجه عن التعريف؛ لأن الوجوب قد صادف، وهو مذموم بتركه..

لكني وجدت صورة لا تندرج تحت هذا ولا ذاك، وهي ما إذا صادف الإنسان الوجوب، ثم غلبه النوم، ولم يستيقظ حتى فات الوقت، فالصلاة واجبة عليه لكن لا يذم بتركها؛ لعدم قصده، وكذا لو كان يريد أن يصلي فأصابه أمر مهم أنساه الصلاة، ونحو ذلك من الصور..

فعلى هذا لو لم نزد كلمة (قصدا) لخرجت هذه الصورة من التعريف، فهذا قيد إدخال، وليس قيد إخراج؛ لأن فعل هذا الإنسان واجب.. فنحن هنا ننظر إلى التعريف من حيث إنه تعريف لما يطلق عليه واجب عند..

لكن إذا نظرنا إليه من حيث الذم وعدمه، فنقول هو قيد إخراج؛ لنخرجه من الذم، ولكن هذا لا يراد؛ لأن الكلام ليس في الذم وعدمه، بل فيما يندرج تحت تعريف الواجب..

وأما قيد (مطلقا) فالأولى كذلك جعله قيد إدخال، لإدخال ما مر ذكرهم، هذا إن أردنا أن نقول بأن التعريف لجمع أفراد الواجب ويكون بهذا جامعا مانعا..

وأما إن أردنا أن ننظر إليه من حيث الذم وعدمه، فنقول بأنه قيد إخراج؛ لنمنع دخول من لا يذم بتركه بعض خصال الواجب المخير ونحو ذلك في التعريف..

هذا خلاصة ما فهمته واقتنعت به، وأرجو أن أكون قد وضحته؛ لأني أحس أنني لا أستطيع أن أوصل الفكرة من ذهني جيدا بالكتابة.. فإن وجدتم خللا فنبهوني، جزاكم الله خيرا..