المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تهافت القول بالتفسير العلمي في قوله تعالى ((كأنما يصعد في السماء))



بكر علي الجازي
07-11-2009, 17:18
أضع بين يدي الإخوة في المنتدى مبحثاً كنت كتبته في تهافت القول بالتفسير العلمي في قوله تعالى ((كأنما يصعد في السماء))، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن ينفع به، وأرجو ألا يبخل علينا الإخوة من أهل العلم بملاحظاتهم.

الموضوع من ثلاثة أجزاء خشية الإطالة...

وبارك الله فيكم...

بكر علي الجازي
07-11-2009, 17:19
(1)



قولُه تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:125)

يدَّعي أربابُ التفسيرِ العِلميِّ أنَّ في هذه الآيةِ دلالةً على ظاهرةٍ علميَّةٍ لم تكن معهودةً ولا معروفةً للعربِ، حتى جاءَ العلمُ الحديثُ فَكََشَفَ عنها، ألا وهي نقصانُ الأكسجينِ كلَّما صعدنا في طبقاتِ الجوِّ العُليا، ونقصانُه يؤدّي إلى حَرَجِ الصَّدرِ وضيقِه، فمَثَلُ الكافرِ - في ضيقِ صدرِه بالإسلامِ، وتَبَرُّمِه بدعوةِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم مَثَلُ الذي يَصَّعدُ في السّماءِ، فيضيقُ صدرُه بنقصانِ الأكسجينِ في طبقاتِ الجوِّ العُليا، وهذه حقيقةٌ لم يُدرِكْها الإنسانُ إلاّ في العُقودِ المُتَأَخِّرَةِ من القرنِ العشرين، وإن بدأ يَتَحَسَّسُها منذ نهايةِ القرنِ الثامنَ عشرَ، وورودُها في كتابِ اللهِ الذي أُنزِلَ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً علي نبيٍّ أمِّيٍّ - صلى الله وسلم وبارك عليه-، في أمَّةٍ كانت غالبيَّتُها الساحقةُ من الأمّيين، مما يؤكِّدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ هو كلامُ اللهِ الخالقِ، وأنَّ هذا النبيَّ الخاتمَ، والرَّسولَ الخاتمَ، كان موصولاً بالوحيِ ومُعَلَّماً من قِبَلِ خالقِ السّماواتِ والأرضِ (1)‏.

وقبلَ أن ننقلَ تفسيرَ هذه الآيةِ من أمُّهاتِ كتبِ التفسيرِ، لنُبَيِّنَ أنَّ العربَ الأوَّلين قد فهموها حقَّ الفهمِ، ووَعَوها حقَّ الوعيِ، نرى أن نُوَجِّهَ للقائلين بهذا التفسيرِ العلميِّ سؤالاً في أحكامِ التَّشبيهِ، الذي هو فنٌّ من فنونِ البلاغةِ، وضربٌ من ضروبِ البيانِ، أبدعَ الشُّعَراءُ والأُدَباءُ فيه أيَّما إبداعٍ.

التَّشبيهُ في اصطِلاحِ البلاغيِّين له أكثرُ من تعريفٍ يورِدُها الدُّكتورُ عبدُ العزيزِ عتيقٌ نقلاً عن عُلَماءِ سابقين:
(فابنُ رشيقِ مثلاً يُعَرِّفُه بقولِه: التَّشبيهُ صفةُ الشَّيءِ بما قارَبَه وشاكَلَه من جِهَةٍ واحِدةٍ أو جِهاتٍ كثيرةٍ، لا من جميعِ جهاتِه، لأنَّه لو ناسَبَه مُنَاسَبَةً كليَّةً لكانَ إيّاه. ألا ترى أنَّ قولهم "خَدٌّ كالوردِ" إنما أرادوا حمرةَ أوراقِ الوردِ وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صُفرَةِ وسطِه، وخضرةِ كمائمِه؟
وأبو الخطيبِ القَزوينيُّ بقولِه: هو الدَّلالةُ على مشاركةِ أمرٍ لأمرٍ في معنىً) (2).

فهو إذن يَرِدُ للدلالةِ على مُشارَكَةِ أمرٍ لأمرٍ في معنىً ما، ويدَّعي فيه المُشَبِّهُ أنَّ هذا الشَّيءَ يُقارِبُ ذلك الشَّيءَ ويُشاكِلُه من جِهَةٍ ما، واحدةً كانت أو أكثرَ، ولا تكونُ هذه المُشابهةُ والمشاكَلَةُ من جميعِ الجهاتِ، أو بيانِ أنَّ شيئاً أو أشياءَ شاركت غيرَها في صِفَةٍ أو أكثَرَ. وهذا يقتضي أن تكونَ الجهةُ التي يكون فيها الشَّبهُ والمُشارَكَةُ بين الشَّيئينِ أو ما يُسَمَّى بـ"وجهِ الشَّبَهِ" معلوماً.
ومن المعلومِ –أيضاً- أنَّ فَنَّ التَّشبيهِ يَقْصَِدُ بِه المُشَبِّهُ أن يُقَرِّرَ المعنى، ويُمَكِّنَه ويُثَبِّتَه في نفسِ المُخاطَبِ، ويُقَرِّبَه إلى فهمِه، فإن قلتَ: زيدٌ كالأسَدِ، أو ليلى كالبدرِ، فهو لتثبيتِ معنى شجاعةِ زيدٍ وجمالِ ليلى، وتمكينِه وتقريرِه في نفسِ السّامعِ أو المُخاطَبِ. وهذا يقتضي أن يكونَ هناك مُشَبَّهٌ، ومُشَبَّهٌ به، ووَجْهُ شَبَهٍ، أو علاقةٌ شَبَهِيَّةٌ، فعندما نقولُ: زيدٌ كالأسدِ، فالمُشَبَّهُ زيدٌ، والمُشَبَّهُ به هو الأسدُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو الشَّجاعةُ المعروفةُ في الأسدِ، والتي هي لازمٌ من لوازمِه، وزيدٌ هذا قد أشبَهَ الأسدَ في شجاعتِه وقُوَّةِ قلبِه،وأنَّه يُقْدِمُ فلا يخشى شيئاً. وعندما نقولُ: ليلى كالبدرِ، فالمُشَبَّهُ ليلى، والمُشَبَّهُ به هو البَدْرُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو جمالُ القَمَرِ في ليلةِ البدرِ، وأُنسُ النُّفوسِ به، وليلى في جمالها وأُنسِ النَّفسِ بها قد أشْبَهَت البَدرَ.
وفَنُّ التَّشبيهِ يقتضي أوَّلاً أن يكونَ وجهُ الشَّبهِ معروفاً ومعهوداً، وثانياً أن يكونَ وَجْهُ الشَّبَهِ في المُشَبَّهِ به أعْرَفَ منه في المُشَبَّهِ، أي يَنبَغِي أن يكونَ وجهُ الشَّبَهِ في الأسدِ معروفاً بين المخاطَبين بأنَّه الشَّجاعَةُ، وأن تكونَ الشَّجاعةُ في الأسدِ أعْرَفَ منها في زيدٍ، وفي ليلى والبَدْرِ يقتضي أن يكونَ وَجْهُ الشَّبَهِ - عند التَّشبيهِ بالبَدْرِ- معروفاً بين المخاطبين بأنَّه الجَمالُ، ويقتضي أن يكونَ الجَمالُ في البَدرِ أَعْرَفَ منه في ليلى، وإلاّ فلا فائدةَ تُرجى من التَّشبيهِ.
فإذا قُلتَ في مخاطَبَةِ بَدَوِيٍّ لا يَعرِفُ السَّيَّارَةِ، لم يَسْمَعْ بها ولم يَرَها، إذا قلتَ له في وصفِ رَجُلٍ سريعٍ: فلانٌ يمشِي مَشْيَ السَّيَّارَةِ، فلن يُدْرِكَ وَجْهَ الشَّبَهِ، ولا الغَرَضَ من التَّشبيهِ، لأنَّ المُشَبَّهَ به غيرُ معروفٍ لديه، والأجدى أن تقولَ له: فلانٌ يمشي كَالغَزالِ، أو كَالفَهدِ أو كالأرنَبِ، ممّا هو مَعهودٌ بِسُرْعَتِه لدى البَدَوِيِّ،. بل رُبَّما يَفْهَمُ أنَّ السَّيَّارَةَ هي القَافِلَةُ، فيكونُ هذا دليلاً على بُطءِ الرَّجُلِ في مَشْيِهِ لا على سُرْعَتِه، لأنَّ المَعهودَ من كَلِمَةِ "سَيَّارَةٍ" عند هذا الأعرابيِّ هو القافِلَةُ وليس السَّيَّارَةَ المعروفةَ، فيفهمُ منك نقيضَ مقصودِك...
ولو قلتَ في وَصْفِ رَجُلٍ ثقيلِ الظِّلِّ، باردٍ سمجٍ، لو قلتَ في وصفِه: فلانٌ كالغازِ السَّائلِ، فلن يفهمَ هذا إلاّ أهلُ الكيمياءِ، والأجدى والأنفعُ أن تقولَ: فلانٌ كالثَّلجِ ممّا هو معهودٌ بِبُرودَتِه لدى المُخاطَبِ...
حتى التَّشبيهُ المَقلوبُ - والذي هو أن يُجْعَلَ ما كانَ الأصلُ فيه أن يكونَ مُشَبَّهاً مُشَبَّهاً بِه، وما كانَ الأصلُ فيه أن يكونَ مُشَبَّهاً بِه مُشَبَّهاً- لا بُدَّ فيه من مَعرِفَةِ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ به ووَجْهِ الشَّبَهِ، إلاّ أنَّ المُشَبِّهَ يَدَّعي فيه أنَّ وجهَ الشَّبَهِ فيما كانَ في الأصلِ مُشَبَّهاً أعرفُ منه فيما كان في الأصلِ مُشَبَّهاً به، وهذا من بابِ المُبالَغةِ في المعنى.
فقولُنا في التشبيهِ المُعتادِ: زيدٌ كالأسدِ، وليلى كالبدرِ، يُصبحُ في التشبيهِ المقلوبِ: هذا الأسدُ كَزيدٍ، وهذا البدرُ كَليلى، وكأنَّ زيداً أصبح مشهوراً بشجاعتِه أكثرَ من الأسدِ، وحتّى صار مضربَ المَثَلِ فيها، وليلى أشهرَ وأعرفَ في جمالها من البدرِ. ومنه قولُ الشاعرِ:
وَ بَدَا الصّباحُ كأنّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الخليفةِ حِينَ يُمْتَدَحُ
فالأصلُ فيه أن يقولَ إنَّ وجهَ الخليفةِ في بهائه وبهجتِه كَغُرَّةِ الصباحِ، فََقَلَبَ التشبيهَ، وادَّعى أنَّ غُرَّةَ الصباحِ في حُسنِها وبهائها وبهجتِها كوجهِ الخليفةِ، وكأنَّ الحسنَ والبهاءَ والبهجةَ التي تراها في وجهِ الخليفةِ أعرفُ وأشهرُ من غرَّةِ الصباحِ حتى صارَ وجهُ الخليفةِ مضربَ المَثَلِ في هذا المعنى.

وكذلك الأمرُ فيما يُسَمَّى بالتشبيهِ الوهميِّ، وهو التشبيهُ بما لا يُدرَكُ بالحواسِّ الخمسِ الظاهرةِ، كقولِه تعالى ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ. إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات:62-65)، فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد بيَّنَ لهم شجرةَ الزَّقُّومِ وعرَّفَهم بها، وأخبرَهم بأنها شجرةٌ تخرجُ في أصلِ الجحيمِ، فأصبحت بهذا معهودةً ومعروفةً لهم، ثمَّ بعد ذلك شبَّه اللهُ لهم ثمرَها برؤوسِ الشياطينِ، وذلك أنَّ للشيطانِ صورةً ذهنيَّةً عند العربِ، وهي ما كان في مُنتهى القُبحِ والشناعةِ، فيقولون: كأنَّ هذا وجهُ شيطانٍ، في الدلالةِ على قبحِ منظرِه، وتناهيه إلى الغايةِ في السوءِ والشرِّ. يقولُ الزمخشريُّ في تفسيرِ هذه الآيات:
(وشبَّه برؤوسِ الشياطينِ دلالةً على تناهيهِ في الكراهيَةِ وقبحِ المنظرِ؛ لأنّ الشيطانَ مكروهٌ مستقبحٌ في طباعِ الناسِ، لاعتقادِهم أنَّه شرّ محضٌ لا يخلِطه خيرٌ، فيقولون في القبيحِ الصورةِ: كأنَّه وجهُ شيطانٍ، كأنَّه رأسُ شيطانٍ، وإذا صوَّرَه المُصَوِّرون: جاؤوا بصورتِه على أقبحِ ما يُقَدَّرُ وأهولِه؛ كما أنهم اعتقدوا في المَلَكِ أنَّه خيرٌ محضٌ لا شرّ فيه، فشبَّهوا به الصورةَ الحسنةَ. قالَ اللهُ تعالى ﴿مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31) وهذا تشبيهٌ تخييلِيٌّ. وقيلَ: الشّيطانُ حيَّةٌ عرفاءُ لها صورةٌ قبيحةُ المنظرِ هائلةٌ جدّاً. وقيلَ: إنّ شَجَراً يقالُ له الأَسْتَنُ خَشِناً مُنتِناً مرّاً مُنكَرَ الصورةِ، يُسَمَّى ثمرُه رؤوسَ الشياطينِ. وما سمَّت العربُ هذا الثَّمَرَ رؤوسَ الشياطينِ إلاّ قصداً إلى أحدِ التشبيهينِ) (3).
ويقولُ الشّوكانيُّ في تفسيرِها:
(ثمَّ بيَّنَ سبحانَه أوصافَ هذه الشَّجَرَةِ ردًّا على مُنكريها، فقالَ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ﴾ أي: في قعرِها، قال الحَسَنُ: أصلُها في قعرِ جهنَّمَ، وأغصانها تُرفَعُ إلى دَرَكاتها، ثمّ قالَ ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ أي: ثمرُها، وما تحمِلُه كأنَّه في تناهي قُبحِه، وشناعةِ منظرِه رؤوسُ الشياطينِ، فشبَّهَ المحسوسَ بالمُتَخَيَّلِ، وإن كان غيرَ مرئيٍّ، للدلالةِ على أنَّه غايةٌ في القُبحِ، كما تقولُ في تشبيهِ من يستقبحونه: كأنَّه شيطانٌ، وفي تشبيهِ من يستحسنونه: كأنَّه مَلَكٌ، كما في قولِه ﴿مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31)، ومنه قول امريءِ القَيسِ:
أيقتُلُني والمَشرَِفِيُّ مُضاجِعِي ... ومَسنونَةٌ زُرْقٌ كَأنيابِ أغوالِ
وقالَ الزَّجَّاجُ، والفَرَّاءُ: الشياطينُ: حيّاتٌ لها رءوسٌ، وأعرافٌ، وهي من أقبحِ الحيَّاتِ، وأخبثِها، وأخَفِّها جِسماً. وقيلَ: إنَّ رؤوسَ الشياطينِ اسمٌ لنبتٍ قبيحٍ معروفٍ باليمنِ يقالُ له: الأَسْتَنُ، ويقالُ له: الشيطانُ. قال النَّحَّاسُ: وليس ذلك معروفاً عند العَرَبِ. وقيلَ: هو شَجَرٌ خَشِنٌ مُنتِنٌ مُرٌّ مُنكَرُ الصورةِ، يُسَمَّى ثمرُه رؤوسَ الشياطينِ) (4).
فالشيطانُ عند العَرَبِ لمَّا كانَ الغايةَ في القُبحِ، والمَلَكُ والمَلاكُ لمَّا كانَ الغايةَ في الجمالِ والحُسْنِ والأخلاقِ، والغُولُ لمّا كانَ غايةً في إدخالِ الرَّهبةِ والهَلَعِ والخوفِ إلى القلوبِ، كانت لهذه الألفاظِ معانٍ مُتَصَوَّرَةٌ في أذهانهم ومُتَخَيَّلَةٌ، لذلك تجدُ أنَّ من يريدُ أن يرسِمَ الشيطانَ أو يُصَوِّرَه جاءَ به على أقبحِ ما يكونُ، وأشدِّ ما يكونُ شناعةٍ ممّا يَتَخَيَّلُه في ذهنِه، بخلافِ من أرادَ رسمَ المَلاكِ أو تصويرَه، فإنَّه يأتي به على أحسنِ ما يَتَخَيَّلُه ويَتَصَوَّرُه في ذهنِه، وكذلك الأمرُ في الغولِ، يأتي به من يريدُ تصويرَه ورسمَه على أشدِّ ما يكونُ تخويفاً في ذهنِه.
وسُمِِّيَّ هذا التشبيهُ وهميّاً لأنَّ هذه الصُّوَرَ الذِّهنيَّةَ موجودةٌ في أوهامِهم وتخيُّلِهم، بغضِّ النَّظَرِ عن وجودِها في الخارجِ أو عدمِه. وقد ذكرنا فيما سبقَ أنَّ الألفاظَ موضوعةٌ بإزاءِ الصُّورِ الذِّهنيَّةِ، فهي إذن مُتصوَّرةٌ في الوهمِ ومُتخيَّلَةٌ ومُدركةٌ، سواءٌ أكانَ لها وجودٌ في الخارجِ أم لم يكن لها وجودٌ.
وقولُك في وصفِ رجلٍ غنيٍّ "هو جبلٌ من ذهبٍ" أو في وصفِ حصانٍ سريعٍ "هذا حصانٌ يطيرُ بجناحين" أمرٌ مُتَخَيَّلٌ موهومٌ لا وجودَ له في الواقعِ الخارجيِّ أو الواقعِ الموضوعيِّ، ومع ذلك فهو مُتصوَّرٌ في الذِّهنِ ومعهودٌ له، لما في العقلِ من قدرةٍ على التَّركيبِ والتَّجزئةِ والتخييلِ. فالجبلُ والذهبُ والحصانُ والأجنحةُ مفرداتٌ مدركةٌ معروفةٌ معانيها، ولها وجودٌ في الذهنِ والخارجِ، أمّا "جبلٌ من ذهبٍ" و "حصانٌ بجناحين" فصورةٌ مُرَكَّبَةٌ لا وجودَ لها إلا في الذهنِ فقط، وقد يضعُ لها الإنسانُ لفظاً خاصّاً بها ويدُلُّ عليها مع أنَّه لا وجودَ لهذه الصُّوَرِ إلاّ في الذِّهنِ فقط.
وعليه فإنَّ هذه الألفاظَ ومعانِيَها معهودةٌ للعَرَبِ ومعروفةٌ لهم، فلا يقالُ إنَّ القرآنَ خاطبَهم بما لا يعرفون، وجاءهم بتشبيهاتٍ لا عهدَ لهم بها.
وهكذا نرى أنَّه في كلِّ الأحوالِ، وفي كلِّ أضربِ التشبيهِ، لا بدَّ أن تكونَ أركانُه معروفةً معهودةً، وأن تََتَحَقَّقَ شروطُه حتى يؤدِّيَ غرضَه عند المُخاطَبِ، ومن المعروفِ عند النُّقّادِ والأدباءِ أنَّ من عيوبِ التشبيهِ خَفاءَ وجهِ الشَّبَهِ وبُعدَه، وتَكَلُّفَ الأذهانِ والعُقولِ في طَلَبِه، ولا يكونُ ذكرُ التشبيهِ للإلغازِ، أو لِتَعمِيَةِ المعنى على السامعِ، وإدخالِ الوهمِ إلى نفسِه إلاّ في الطَّرائفِ والمُمازحاتِ، كقولِك لرجلٍ "أنت كالحمارِ" في الدلالةِ على وفورِ صحَّتِه، وصبرِه...
قال أبو العباسِ المبرّدُ في هذا المعنى:
(والعربُ تشبِّهُ على أربعةِ أضربٍ: فتشبيهٌ مفرطٌ، وتشبيهٌ مصيبٌ، وتشبيهٌ مقاربٌ، وتشبيهٌ بعيدٌ يحتاجُ إلى التفسيرِ ولا يقومُ بنفسِه، وهو أخشنُ الكلامِ) (5). ثم قال في بيانِ التشبيهِ البعيدِ:
(وأمّا التشبيهُ البعيدُ الذي لا يقومُ بنفسِه، فكقولِه:
بل لو رأتني أختُ جيرانِنا ... إذ أنا في الدّارِ كأني حمار
فإنما أرادَ الصحَّةِ، فهذا بعيد، لأنَّ السامعَ إنما يستدلُّ عليه بغيره. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ – وهو من البَيِّنِ الواضحِ- ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ (الجمعة:5) في أنهم قد تعامَوا عنها، وأضربوا عن حدودِها، وأمرِها ونهيِها، حتى صاروا كالحمارِ الذي يحملُ الكتبَ، ولا يعلمُ ما فيها) (6)، فاستخدامُ لفظِ الحمارِ في الدلالةِ على وفورِ الصحَّةِ بعيدٌ قبيحٌ، بخلافِ استخدامِه في الدلالةِ على الغباءِ وبلادةِ الحسِّ.
ونرى – أيضاً- أنَّ التشبيهَ مهما كان مُوغِلاً في الغرابةِ -وسواءٌ أكانَ وجهُ الشبهِ قريباً أم بعيداً بشرطِ ألاّ يمجَه الذَّوقُ- لا يجوزُ بحالٍ ألاّ يكونَ مفهوماً ومعهوداً، أو مُنَزَّلاً منزلِةَ المعهودِ والمعروفِ بين الناسِ، وإلا نُسِبَ الشاعرُ أو الأديبُ إلى العِيِّ والعَجْزِ، وعدمِ الوفاءِ بحقِّ المعنى.
نعودُ لمُدارسةِ الآيةِ على حسبِ ما يدَّعيه أصحابُ التفسيرِ العِلميِّ، فنقولُ بناءً على تفسيرِهم: يقولُ اللهُ في هذه الآيةِ إنَّه إذا أرادَ إضلالَ من كََتَبَ عليه الضَّلالَ يجعلُ صدرَه ضيِّقاً حَرَجاً، وحتى يُقَرِّرَ معنى الضِّيقِ والحَرَجِ عند المُخاطَبِ، ويُقَرِّبَه إلى الأذهانِ، ويمكِّنَه في نفسِه، يُشبِّهُ ضيقَ الصَّدرِ وحرجَه في الكافرِ – على رأيهم - بضيقِ الصَّدرِ الذي يكونُ من رجلٍ يَصَّعَّدُ في السَّماءِ!
فإن سألناهم: ما وجهُ الشَّبَهِ؟
قالوأ: وجهُ الشَّبهِ أنَّ الأكسجينَ يقلُّ في طبقاتِ الجوِّ العليا، فيؤدّي هذا إلى ضيقِ الصَّدرِ وحَرَجِه!!!
فإن قلنا لهم: فهل فهمَ العربُ هذا المعنى آنذاك؟
قالوا: لا... لأنَّه لم يكن معهوداً لهم ولا معروفاً عندهم...
فلنا أن نقولَ عندها: فكيف إذن يخبرُهم القرآنُ بحالِ الكافرِ، وما يكونُ منه من ضيقِ صدرِه وحَرَجِه بالإسلامِ، ثم إذا أرادَ أن يُقَرِّرَ هذا المعنى في نفوسِهم، ويُقَرِّبَه إلى أذهانِهم، جاءَهم بتشبيهٍ لا عهدَ لهم به؟؟!!! ومنذ متى كانَ التشبيهُ في القرآنِ للإلغازِ والإبهامِ، أولتعميةِ المعنى على السامعِ، لا لتقريبِ المعنى وتقريرِه في نفسِه؟؟!!
أليس في تفسيرِ الآيةِ على ما يدّعونه من إشارةٍ إلى الحقيقةِ العلميَّةِ خروجٌ على أصولِ البلاغةِ وحسنِ الإفهامِ، من حيث إبهامُ معنى التَّصَعُّدِ في السماءِ على العربِ ومن جاءَ بعدهم، حتى جاء العلمُ الحديثُ فَكَشَفَ عنها! مع أنَّ واقعَ التشبيهِ والغرضَ المقصودَ به إنما هو لِتقريبِ المعنى للسّامعِ، وتثبيتِه وتمكينِه في نفسِه؟
لو كانَ يَصِحُّ هذا في الدَّلالةِ على الحقيقةِ العِلمِيَّةِ، لكانَ الأصلُ قلبَ التشبيهِ في الآيةِ، فيُقالُ (من يصّعَّدُ في السَّماءِ يضيقُ صدرُه كما يضيقُ صدرُ الكافرِ بالإسلامِ)، أو تشبيهُ من يصّعَّد في السَّماءِ – في ضيق صدرِه وحرجِه الذي لم يعهدْه العربُ- بشيءٍ عهدوه وعرفوه، كمن يختنقُ، أو كمن يُغمَرُ رأسُه بالماءِ، فينقطعُ نَفَسُه، ذلك أنَّ حَرَجَ الصَّدرِ عند من يصّعَّدُ في السَّماءِ بسببِ قِلَّةِ الأكسجينِ غيرُ معروفٍ ولا معهودٍ للعَرَبِ الأقدمين، فكان لا بدَّ من تعريفِه، وبيانِ أنَّه مُشابِهٌ في حالِه لحالِ من يختنقُ، فإذا ماجاءَ العلمُ الحديثُ كَشَفَ عن صِحَّةِ هذه الدَّعوى، أو هذا الخَبَرِ الذي وَرَدَ في القرآنِ، أمّا أن يُشَبِّهَ الكافرَ في ضيقِ صدرِه بالإسلامِ بأمرٍ لم يعهَدْه العربُ فلا، وهو أمرٌ يحيلُه المنطقُ وواقعُ اللغةُ، وتأباه البلاغةُ، ويخرجُ الآيةَ عن سياقِها إلى معنىً غثٍّ ركيكٍ لا يُستَساغُ عند أهلِ الذَّوقِ.
يكفي أن نورِدَ هذا الاعتِراضَ لبيانِ زيفِ دعواهم، وبُعدِهم عن الصوابِ في تفسيرِ هذه الآية، التي يدعون أنها قاطعةٌ في الدلالةِ على الحقيقةِ العلميَّةِ!!!


الحواشي:

(1) مقالة في جريدة الأهرامِ للدُّكتور زغلول النجار، منشورة بتاريخ 21 رجب 1422 هـ، 8 أكتوبر 2001 للميلاد، السنة 126، العدد 41944، وانظر الموقع الرسمي للدكتور زغلول النجار على الإنترنت:
http://www.elnaggarzr.com/index.php?...d=92&p=2&cat=6

(2)علم البيان، الدكتور عبد العزيز عتيق ص 61-62.

(3) الكشّاف للزمخشري، ج 4، ص 44.

(4) فتح القدير للشوكاني، ج 4، ص 498.

(5) الكامل في اللغة والأدب للمبرد، ج 2 ص 104.

(6) الكامل في اللغة والأدب للمبرد، ج2 ص 107.

بكر علي الجازي
12-11-2009, 15:28
(2)


نعودُ إلى تفسيرِ هذه الآيةِ عند المفسرين الأوَّلين...

يقولُ الإمامُ القُرطبيُّ في تفسيرِها:
قولُه تعالى: ﴿كأنما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾: قَرَأه ابنُ كثيرٍ بإسكانِ الصادِ مخفَّفاً من الصُّعودِ، وهو الطُّلوعُ. شبَّهَ اللهُ الكافرَ في نفورِه من الإيمانِ وثقلِه عليه بمنزلةِ من تَكَلَّفَ ما لا يُطيقُه، كما أنَّ صعودَ السَّماءِ لا يُطاقُ. (1)

وقال الإمامُ الزمخشريُّ:
﴿كأنما يصعد في السماء﴾: ‏كأنما يُزاوِلُ أمراً غيرَ ممكنٍ‏.‏ لأنَّ صعودَ السَّماءِ مَثَلٌ فيما يمتَنِعُ ويبعُدُ من الاستطاعةِ، وتضيقُ عنه المقدرة ‏.(2)

وقال الإمامُ الشوكانيُّ في تفسيرِها:
قولُه ﴿كأنما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾: قرأ ابن كثيرٍ بالتخفيفِ من الصعودِ، شبَّهَ الكافرَ في ثقلِ الإيمانِ عليه بمن يتكلَّفُ ما لا يطيقه كصعود السماءِ. وقرأ النخعيُّ "يصّاعدُ" وأصلُه "يتصاعدُ". وقرأ الباقون "يَصَّعَّدُ" بالتشديدِ، وأصلُه "يَتَصَعَّدُ"، ومعناه: يتكلَّفُ ما لا يُطيقُ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، كما يتكلَّفُ من يريدُ الصعودَ إلى السماءِ. وقيلَ: المعنى على جميعِ القراءاتِ: كادَ قلبُه يصعدُ إلى السماءِ نبوّاً على الإسلامِ (3) ...

وقال الإمامُ الرّازيُّ:
أمّا قولُه تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاءِ﴾ ففيه بحثان:
البحثُ الأوَّلُ: قرأ ابنُ كثيرٍ ﴿يَصْعَدُ﴾ ساكنةَ الصادِ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ ﴿يصّاعَدُ﴾ بالألفِ وتشديدِ الصادِ، بمعنى يتصاعدُ، والباقون ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بتشديدِ الصادِ والعينِ بغيرِ ألفٍ، أمّا قراءةُ ابنِ كثيرٍ ﴿يَصْعَدُ﴾ فهي من الصُّعودِ، والمعنى: أنَّه في نفورِه عن الإسلامِ وثقلِه عليه بمنزلةِ من تكلَّفَ الصعودَ إلى السماءِ، فكما أنَّ ذلك التكليفَ ثقيلٌ على القلبِ، فكذلك الإيمانُ ثقيلٌ على قلبِ الكافرِ، وأمّا قراءةُ أبي بكرٍ ﴿يصّاعد﴾ فهو مثلُ يتصاعدُ. وأمّا قراءةُ الباقين ﴿يَصْعَدُ﴾ فهي بمعنى يَتَصَعَّدُ، فأدغمت التاءُ في الصادِ، ومعنى "يَتَصَعَّدُ": يتكلَّفُ ما يثقلُ عليه.

البحث الثاني: في كيفيَّةِ هذا التشبيهِ وجهان:
الأول: كما أنَّ الإنسانَ إذا كُلِّفَ الصعودَ إلى السماءِ ثَقُلَ ذلك التكليفُ عليه، وعظُمَ وصعُبَ عليه، وقويت نفرتُه عنه، فكذلك الكافرُ يثقلُ عليه الإيمانُ، وتعظم نفرتُه عنه.
والثاني: أن يكونَ التقديرُ أنَّ قلبَه ينبو عن الإسلامِ ويتباعدُ عن قبولِ الإيمانِ، فشبَّه ذلك البعدَ ببعدِ من يصعدُ من الأرضِ إلى السماءِ .... انتهى (4).

ومن هذا البابِ أن تقولَ: هذا أمرٌ أهونُ منه نقلُ الجبالِ وتحريكُها، في الدلالةِ على صعوبتِه واستحالتِه، وأنَّه تكليفٌ بما لا يُطاقُ، كما قالَ الشاعرُ:
نقلُ الجبالِ الرَّواسي عن أماكِنِها ... أخفُّ من نقلِ قلبٍ حين ينصرفُ
وأشارَ إمامُ البلاغةِ وعَلَمُها القاضي عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ في كتابِه "دلائلُ الإعجازِ" إلى هذه المعاني وأنها من بابِ التكليفِ بما لا يطاقُ، فقالَ في موضعٍ من كتابِه:
(كقولهم أتصعدُ إلى السّماءِ؟ أتستطيعُ أن تنقلَ الجبالَ؟ أإلى ردِّ ما مضى سبيل؟) (5) في الدلالةِ على استحالةِ الأمرِ وصعوبتِه وأنَّه ليس في وُسعِ بشرٍ ولا مقدورِه...

ونظيرُ هذا في لهجتِنا المحكيَّةِ أن تقولَ للرجلِ يطلبُ أمراً صعباً ليس في الوسعِ تحقيقُه، أو يتعنَّتُ في رأيِه فلا يرجعُ عنه "روح بلِّطِ البحر"، لِما في تبليطِ البحرِ من تكليفٍ بما لا يُطاقُ، أو لأنَّ الأمرَ الذي تطلبُه أهونُ منه تبليطُ البحرِ. فهل لنا أن نذهبَ فنجريَ دراسةً علميَّةً لأرضيَّةِ البحرِ، وإثباتِ أنها لا تصلحُ للبلاطِ، أو أنَّ تبليطَها أو تجهيزَها لتكونَ صالحةً لِلتبليطِ أمرٌ شاقٌّ مُكْلِفٌ من ناحيةٍ علميَّةٍ، أو أنَّ تبليطَ البحارِ يحتاجُ إلى كَمٍّ هائلٍ من البلاطِ ليس في حدودِ القُوى البشريَّةِ؟!

ومن ذلك أيضاً ما نقولُه – في لهجتِنا المحكيَّةِ- "هذا يريدُ إقامةَ الدِّين في مالطا"، أو "بدّو يقيم الدين في مالطا"، للرَّجلِ يتكلَّفُ ما لا يُطيقُ، أو يدَّعي القدرةَ على المستحيلِ، وكأنَّ إقامةَ الدينِ في مالطا شيءٌ عسيرُ المنالِ، أو كالمستحيلِ، ودعواك أنَّك تريدُ أن تفعلَ كذا وكذا أمرٌ أهونُ منه إقامةُ الدينِ في مالطا، والتي هي مطلبٌ عسيرٌ لا يمكن حصولُه. فترانا نضربُ الأمثالَ في الدلالةِ على صعوبةِ الأمرِ بإقامةِ الدينِ في مالطا، مع أنَّ إقامةَ الدينِ في أمريكا أو أوروبّا الآنَ أصعبُ منها في مالطا. ولكنَّه لمّا كان هذا مثلاً معهوداً عندنا في الدلالةِ على طلبِ المستحيلِ، والتكليفِ بما لا يطاقُ، جازَ لنا أن نضربَه مَثَلاً، ولا تجدُ الواحدُ منا يبحثُ في أصلِ هذه المقولةِ، ولا في الواقعِ الفِعليِّ لاستحالةِ إقامةِ الدينِ في مالطا.

فأين هذا من تفسيرِ أربابِ الإعجازِ العلميِّ الذي يَتَضَمَّنُ خروجاً على قواعدِ البلاغةِ والذَّوقِ، وحسنِ الإفهامِ، ومخاطبةَ العربِ بغيرِ ما يعهدون؟!

ومن هذا البابِ - أيضاً- قولُه تعالى ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (يونس:42)، وقولُه ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (الروم:52)، وقوله ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ (الزخرف:40) في الدلالةِ على أنَّ مَثَلَ هؤلاء الكُفّارِ في عدمِ الانتفاعِ بما يُتلى عليهم، وعدمِ تدبُّرِهم كلامَ اللهِ، ونَظَرِهم في صدقِ دعوةِ رسولِ اللهِ r مَثَلُ الصُّمِّ الذين لا يسمعون ما يقالُ لهم، وفي عدمِ بصيرتهم بالحقِّ كالعُمي الذي لا يرون ما شأنُه أن يُرى. أي أنَّ اللهَ أصمَّهم عن الحقِّ، وأعماهم عنه، فكيف يسمعون أو يبصرون؟ والمقصودُ هنا أنَّك يا محمّدُ – في سعيِك لهدايةِ من كَتَبَ اللهُ عليه الضَّلالَ- بمنزلةِ من يدَّعي أمراً مستحيلاً في العادةِ، وهو القدرةُ على إسماعِ الصُّمِّ، أو هديِ العُمْيِ. ولم أسمع أحداً من أربابِ الإعجازِ العلميِّ يذهبُ إلى دراسةِ حاسَّةِ السمعِ أو حاسَّة البصرِ، والدلائلِ العلميةِ لهذه الآياتِ، والسببِ الذي بعدمِه تنعدمُ حاسَّةُ السمعِ أو البصرِ، فلا يمكنُ في العادةِ إعادتُها إلى الأصمِّ أو الأعمى، وأنَّ العلمَ الحديثَ يقولُ – مثلاً- بأنَّ هناك أجهزةً معيَّنَةً في السمعِ أو البصرِ، إذا تلفت استحال أن يستعيدَ الأصمُّ سمعَه، أو الأعمى بصرَه، أو أنَّ الإنسانَ إذا ابتعد عن فكرةٍ ما، وانصرفَ ذهنُه عنها، يحدثُ في أجهزةِ السمعِ والبصرِ عنده شيءٌ ما يحولُ علميّاً بينه وبين سماعِ هذه الفكرةِ وما هو منها بسبيلٍ. إذا كان هذا في السمعِ والبصرِ بمنزلةِ التكليفِ بما لا يُطاقُ، أو ادعِّاءِ ما لا يكون من بَشَرٍ، فليكن صعودُ السماءِ – في استحالتِه وفي أنَّه تكليفٌ بما لا يُطاقُ كمن يريدُ إسماعَ الصمِّ أو هديَ العميِ، ومن العبثِ وسوءِ الفهمِ أن نذهبَ في تأويلِ الآيةِ أو تفسيرِها بمقتضى العلمِ الحديثِ.

فلا يجوزُ – إذن- أن يقالَ: إنَّ العربَ لم يفهموها، ولم يدركوا المرادَ بها حتى جاء العلمُ الحديثُ فكشف الغطاءَ عن المرادِ بهذه الآيةِ، لا يقالُ هذا لأنَّ الواقعَ والمعروفَ - في أمُّهاتِ كتبِ التفسيرِ القديمةِ- أنَّ العربَ والمفسرين الأوَّلين قد فهِموها وفسَّروها على معهودِهم، ولم تكن عندهم غيرَ ذاتِ معنىً، وما فهموه من الآياتِ على معهودِهم وتصرُّفِهم في الكلامِ حجَّةٌ علينا، ولنا فيه كفايةٌ، فلا نزيدُ فيه بلا دليلٍ أو أثارةٍ من علمٍ، فكيف ونحن ندّعي أنهم لم يفهموها حتى كشفَ العلمُ الحديثُ عن معناها؟ وكيف وقد بيَّنَّا بما لا يدعُ موقعاً للشكِّ أنَّ هذه التأويلَ العلميَّ فيه ما فيه من إخلالٍ بأصولِ البلاغةِ وفنِّ التشبيهِ، وأنَّ المقصودَ من التشبيهِ في القرآنِ كما هو في لغةِ العربِ أنَّه لتقريبِ المعاني للأذهان، وإفهامِهم إياها، وليس للإلغازِ أو لتعميةِ المعاني وكتمانِها، وتركِها للأجيالِ القادمةِ! وهذا خلافُ النُّصوصِ التي تدُلُّ قطعاً على أنَّ القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ، وأنَّه مُيسَّرٌ للذِّكرِ، وأنَّه أُنزِلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، فكيف يكون مُبيناً وفيه معانٍ لم تعهدها العرب إلى أن جاء العلمُ الحديثُ فكشفَ النِّقابَ عنها؟؟!! وإذا كان أبو العباس المبرّدُ يعدُّ التشبيهَ البعيدَ الذي لا يقومُ بنفسِه، والذي يحتاجُ إلى تفسيرٍ من أخشنِ الكلامِ، فكيف بمن يدَّعي أنَّ العربَ الأوّلين، ومن جاء بعدهم، ولقرونٍ متطاولةٍ لم يفهموا المرادَ بالآيةِ؟! إنَّ تفسيرَ الآيةِ بما كشف عنه العلمُ الحديثُ يكون من أخشنِ الكلامِ إذن، وهو أبعدُ ما يكونُ عن البلاغةِ وحسنِ الإفهامِ.

يقولُ الإمامُ عبد القاهر الجُرجانيُّ في هذا المعنى: (وكذلك كانَ من حقِّ الطائفةِ الأخرى (6) أن تعلمَ أنَّه عزَّ وجلَّ لم يرضَ لنظمِ كتابِه الذي سمّاه هدىً وشفاءً، ونوراً وضياءً، وحياةً تحيا بها القلوبُ، وروحاً تنشرحُ عنه الصّدورُ، ما هو عندَ القومِ الذين خوطبوا به خلافُ البيانِ، وفي حدِّ الإغلاقِ والبُعدِ من التِّبيانِ، وأنَّه تعالى لم يكن ليُعْجِزَ بكتابِه من طريقِ الإلباسِ والتَّعميةِ، كما يتعاطاه المُلغِزُ من الشُّعراءِ والمُحاجي من النّاسِ، كيفَ وقد وصفَه بأنَّه عربيٌّ مبينٌ) (7) .

وما من شكٍّ أن تأويلَ الآيةِ على ما يدّعيه أربابُ الإعجازِ العلميِّ تأويلٌ على خلافِ البيان، وفي حدِّ الإغلاقِ والبُعدِ من التِّبيانِ، وأنَّه أولى بأن يكونَ إلباساً وتعميةً وإلغازاً، فكيف وهو عربيٌّ مُبينٌ؟


الحواشي:
ـــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي، ج 7 ص 54.

(2) الكشاف للزمخشري، ج 2 ص 61.

(3) فتح القدير للشوكاني، ج 2 ص 201.

(4) التفسير الكبير "مفاتيح الغيب" للإمام الرازي، ج 13 ص 183.

(5) دلائل الإعجاز، ص 120.

(6) المقصود بالطائفة الأخرى الطائفة المُفرطةُ في التّأويلِ، ذلك أن الإمامَ الجرجانيَّ يتحدثُ عن طائفتين، طائفةٍ مُفَرِّطَةٍ تحملُ كلَّ الألفاظَ على ظواهرها دون تأويلٍ والمقامُ مقامُ تأويلٍ، وطائفةٍ مُفْرِطَةٍ تتعاطى غرائب التأويل، وتستكره الألفاظ على ما لا تحتمل من المعاني، والمقامُ مقام الأخذ بالظاهر. وحديثنا هنا عن الطائفة الثانية التي تبحث في غرائب التأويل مع أن الفائدة بادية ظاهرة، إما حباً للتشوُّف، أو قصداً للتمويهِ والزيغ.

(7) أسرار البلاغة، ص 394.

سمير محمد محمود عبد ربه
16-11-2009, 15:19
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على النبي المصطفى والحبيب المجبى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أخي الكريم بكر علي الجازي، تحية طيبة وبعد:
شكر الله سبحانه وتعالى لك محاولتك الذب عن دينه إذ أني أرى هذا ماكان مقصودك من المقالة والله تعالى أعلم بك، لكن لدي رأي مخالف لك في هذا الموضوع بالذات، والرأي عندي بأن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، ووقد كان حال اسلافنا المعرفة المعمقة بالبلاغة والبيان، أما اليوم فلا بلاغة ولا بيان، ولكن عندهم شيء يستطيعون من خلاله فهم كتاب الله تعالى، ألا وهو العلم المادي.
ففي تفسير هذه الآية الكريمة يجوز أي يقع التفسيران لها، فكما قلنا إن القرآن صالح لكل زمان ومكان، فانظر مثلا إلى تفسير الآية الكريمة ( والنجم والشجر يسجدان) فقد عبر عنها علمائنا القدامى بأن النجم المقصود هنا هو النجم الذي يرونه ليلا، وأما علماء المادة في هذا العصر فقد وجدوا أن الله تعالى أراد بذلك النبات المسمى بالنجم والذي ينمو ويمتد على الأرض، فكلا التفسيرين جائزين عليها، والله تعالى أعلم.
بالنسبة لتفسير الآية المذكورة في مشاركتك، فالتفسير العلمي منطبق عليها تماما، وهذا يظهر جليا في قراءة بن كثير، أنظر إلى ما يقول الإمام الشوكاني في تفسيره: ((قرأ ابن كثيرٍ بالتخفيفِ من الصعود))، أي كأن الله تعالى يريد أن يقول بحسب عاميتنا: ضيقا حرجا كأنه يَصْعد في السماء، فالتفسير العلمي منطبق عليها تماما، ولا أرى هناك داعيا لنفي هذا التفسير العلمي.
ولا تظن بأني أوافق على النظر بالاكتشافات العلمية لتفسير القرآن بها، ولكن هذا هو حال الآية الكريمة، وأدعوك لتنظر إلى مقال للعبد الفقير وأحب أن تشاركني الأفكار فيه كونك تحب النظر في هذه الأمور على هذا الرابط الذي لم يكتمل بعد ولكن أحب لك النظر فيه:
http://www.aslein.net/showthread.php?t=10109

بكر علي الجازي
24-11-2009, 14:12
بسم الله الرحمن الرحيم

ففي تفسير هذه الآية الكريمة يجوز أي يقع التفسيران لها، فكما قلنا إن القرآن صالح لكل زمان ومكان، فانظر مثلا إلى تفسير الآية الكريمة ( والنجم والشجر يسجدان) فقد عبر عنها علمائنا القدامى بأن النجم المقصود هنا هو النجم الذي يرونه ليلا، وأما علماء المادة في هذا العصر فقد وجدوا أن الله تعالى أراد بذلك النبات المسمى بالنجم والذي ينمو ويمتد على الأرض، فكلا التفسيرين جائزين عليها، والله تعالى أعلم.
بالنسبة لتفسير الآية المذكورة في مشاركتك، فالتفسير العلمي منطبق عليها تماما، وهذا يظهر جليا في قراءة بن كثير، أنظر إلى ما يقول الإمام الشوكاني في تفسيره: ((قرأ ابن كثيرٍ بالتخفيفِ من الصعود))، أي كأن الله تعالى يريد أن يقول بحسب عاميتنا: ضيقا حرجا كأنه يَصْعد في السماء، فالتفسير العلمي منطبق عليها تماما، ولا أرى هناك داعيا لنفي هذا التفسير العلمي.
ولا تظن بأني أوافق على النظر بالاكتشافات العلمية لتفسير القرآن بها، ولكن هذا هو حال الآية الكريمة، وأدعوك لتنظر إلى مقال للعبد الفقير وأحب أن تشاركني الأفكار فيه كونك تحب النظر في هذه الأمور على هذا الرابط الذي لم يكتمل بعد ولكن أحب لك النظر فيه:
http://www.aslein.net/showthread.php?t=10109


شكر الله مرورك أخي سمير...

المقصود ها هنا إثبات أن التفسير العلمي لهذه الآية باطل، يتبين لنا هذا إذا نظرنا إلى الغرض البلاغي من التشبيه، وأنه يساق لتقريب المعنى إلى السامع، وتمكينه من نفسه.

الله سبحانه وتعالى يبينُ أنه إذا أراد إضلال عبد جعل صدره ضيقاً حرجاً، ثم يقرب هذا المعنى بالتشبيه "كأنما يصعد في السماء".

والمعنى العلمي الذي يقول به المحدثون من أن الأكسجين يقل في طبقات الجو العليا، لم يكن معروفاً للعرب الأولين، فلا يكون مقصوداً بالآية.

وكون القرآن والسنة والإسلام صالحة لكل زمان ومكان لا يلزم منه جواز حمل معاني القرآن على ما يستجد من معارف لم تكن معروفة للعرب الأولين أهل اللسان.

وسأزيد في تفصيل هذا في الجزء الأخير من المبحث إن شاء الله.

والله أعلم...

بكر علي الجازي
24-11-2009, 14:31
(3)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذا الجزء الثالث والأخير مما كنتُ كتبتُ في بيان تهافت القول بالإعجاز العلمي في تفسير هذه الآية (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)، سائلاً الله أن ينفع به، وسآتي فيه بإذن الله، وقبل هذا أحب أن أشير إلى أمرين هما بسبيلٍ مما نحن فيه، فأقول:

1. أقَرِّرُ مَرَّةً أخرى أمراً نكون فيه على بيِّنةٍ: نحنُ هنا لا نُنكِرُ الحقائقَ العِلميَّةَ، وما وصلَ إليه العِلم الحديثُ من مُكتشفاتٍ ومخترعات، وليس لنا أن نُنكرَها إذا ما ثَبَتَتْ، بل نقولُ إنَّ وجودَ الحقائقِ العِلْمِيَّةِ شيءٌ، وادعاءَ أنَّ القرآنَ دل عليها وأشارَ إليها بتفصيلِها - على وجهٍ لم يكنْ معهوداً للعربِ ولا معروفاً لهم حتَّى جاءِ العِلمُ الحديثُ فَكَشَفَ عنها وعن المعنى المقصودِ بها، أي أنَّ آيات ِالقرآنِ بهذا تُفسِّرُ هذه الظواهرَ العِلميَّةَ وتذكرُ الأسبابَ الكامنةَ وراءَها- شيءٌ آخرُ. ونزاعُنا معَ أربابِ الإعجازِ العِلميِّ ليس في أصلِ الحقائقِ العِلميَّةِ، ولا في ثبوتِها، بل في زعمِهم ودعواهُم أنَّ القُرآنَ دلَّ عليها وأشارَ إليها على وجهٍ تفصيليٍّ لم يكن معروفاً للعربِ، ولا معهوداً لهم، وأنَّ معاني الآياتِ لم تكن مفهومةً لهم حقَّ الفهمِ، أو كانت من المُتشابِهِ الذي لا يُعرفُ معناهُ، حتَّى جاءَ العِلمُ الحديثُ فكشفَ عنها، أو أنَّ هذه الآياتِ بمفرداتها وتراكيبِها كانت لها معانٍ معيَّنَةٌ عند العربِ آنذاك بحسبِ معهودِهم في الكلامِ وتصرُّفِهم فيه، ثمَّ لمّا جاءَ العلمُ الحديثُ أضافَ إليها معاني أخرى جديدةً لم تكن معروفةً لدى العربِ الأوَّلين، ويجعلون من هذا التفسيرِ العِلميِّ، ومن سبقِ القرآنِ في الإشارةِ إلى هذه الحقائقِ العلميَّةِ والطبيعيَّةِ وجهاً جديداً من وجوهِ الإعجازِ القرآنيِّ!!! هذا ما ننازعُ فيهِ، ونُشَدِّدُ النَّكيرَ على القائلِ به.

2. كثيراً ما يعترض أنصار الإعجاز العلمي على منكري الإعجاز العلمي بأنهم ليسوا متخصصين في العلوم الحديثة، من طب وهندسة، وفيزياء وكيمياء وجيولوجيا وفلك....إلخ، وأنهم لهذا لا يستطيعون أن يتصوروا الإعجاز العلمي حق تصوره، ولا أن يقدروه حق قدره، وهذا وهمٌ لا حظَّ له من التحقيق، والصوابُ الذي لا شك فيه أن نتبيَّن الفرقَ بين:

أ‌. دراسة العلوم الحديثة، والتعمق فيها، وسبر أغوارها، ونيل أعلى الدرجات في التخصصات المختلفة.

ب‌. وبين دلالة القرآن على ما كشفت عنه العلوم الحديثة من أسرار وخفايا في هذا الكون.

فمحل الأول التجربة والملاحظة، والاستنتاج المبني عليهما، محل الطب ما كشفت عنه التجارب والملاحظاتُ من أدوية وعقارات، وما وصلت إليه الآلات الطبية من قدرة على إجراء أدق العمليات الجراحية، ومحل الهندسة الرياضيات، وما فيها من تفاضل وتكامل ودوال مثلثية وديكارتية، والمباني وإنشاؤها، والآلات بمختلف أنواعها وأغراضها من حيث تصميمها وتصنيعها على وجه يؤدي الغرض منها، ومحل الزراعة التربة والنبات.....إلخ. أما معرفة إن كان في القرآن دلالةٌ على شيءٍ من أسرار الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو الزراعة والصناعة أوالفلك والفيزياء والجيولوجيا فمحلُّها فقهُ اللغةِ وأصولُ الفقهِ، والأصولُ التي يجب أن نسير عليها في فهم الكلام، والنظر في دلالاتِ الألفاظ على معانيها في النصوص الشرعية من قرآن وسنة إنما تكون بحسْبِ ما قَرَّرَه أَهلُ هذا الفَنِّ من عُلَمَاءِ الشَّرْعِ، فننظرُ في الأَمْرِ والنَّهْيِ، والعَامِّ والخاصِّ، والمُطلَقِ والمُقيَّدِ، والمجمَلِ والمُبَيَّنِ، والنّاسِخِ والمَنسوخِ، والحقيقةِ والمجازِ، والاشتراكِ والإِضمارِ، والمنطوقِ والمفهومِ، وفي الأدلَّةِ الإجماليَّةِ من كتابٍ وسنَّةٍ وإجماعٍ وقياسٍ، وفي التَّعارُضِ والتَّراجيحِ، وأَحكامِ الاجتهادِ والتَّقليدِ، وفي مُصطلحِ الحديثِ والنَّحوِ والصَّرفِ واللغةِ، وفنونِ البلاغةِ والبيانِ، وغيرِ ذلك ممَّا قرَّرَه أهلُ هذه الفَنونِ، وفصَّلوا القولَ فيه، والتي لا تمتُّ إلى العلومِ الحديثةِ وما أَحرَزَه فيها أَصحَابُها بِصِلَةٍ، والأطباءُ والمهندسون والفيزيائيون في هذا عيالٌ على الفقهاء وعلماء الدين. وإذا كان الكلام في العلوم الحديثة لا يكون إلا لمتخصص فيها، فكذلك علوم الشرع، واللغة، لا يجوز أن يتصدر لها إلا من ألم بشيء من فقه اللغة وأصول الفقه يُمكِّنُه من الخوضِ فيها. بل إنَّ الحقَّ الذي لا ريبَ فيه أنَّ هذه العلومَ الشرعيَّةَ من فقهٍ وحديثٍ وتفسيرٍ وكلامٍ هي أَجَلُّ المَعارفِ وأَعْظَمُها، وأَرْفَعُها دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ، وأنَّ أهلَها وأرْبابَها العُلَماءَ من المُتَكَلِّمين والفُقَهاءِ والمُحَدِّثين والمُفَسِّرين وأهلِ العربيَّةِ هم أعلى النَّاسِ مَنْزِلةً بما استُحفِظوا من كتابِ اللهِ، وأَخَصُّ العُلماءِ في هذا الفُقَهاءُ.

هذان أمران تمسُّ إليهما الحاجة، في مبحثنا هذا، فأحببت أن أقدمَّ بهما، لندرك مكمن الخلل في كثير من اعتراضات القائلين بالإعجاز العلمي وأنصاره، ونكونَ منها على بينة.

يتبع...

بكر علي الجازي
24-11-2009, 14:32
وأعود إلى ما كان بيننا من مدارسة بخصوص هذه الآية المذكورة، فقد بيَّنَّا في السابق أن القول بالتفسير العلمي لهذه الآية فيه مخالفة لأصول البلاغة وحسن الإفهام من حيث إن الغرض من التشبيه إنما هو تقريب المعنى إلى السامع، وتمكينه وتثبيته في نفسه، والله سبحانه وتعالى يقول إنه إذا أراد إضلال عبدٍ من عبادِه جعل صدره ضيقاً حرجاً، فكيف يقرِّبُ معنى ضيق الصدر إلى المخاطبِ ويمكنه في نفسه بقولِه (كأنما يصَّعدُ في السماء) على تأويل أن الآية تشير إلى نقصان الأكسجين في طبقات الجو بالصعود فيه، والعرب لا تعرف شيئاً من هذا ولا تعهده؟ فلا بد إذن أن يكون للتصعد في السماء معنى معهود عند العرب الأولين، فيؤدي التشبيه مقصوده والغرض منه، وإلا كان في الكلام خروج على أصول البلاغة وحسن الإفهام ينزَّه عنه منصب الشارع.
ثم جينا بأقوال المفسرين الأولين لهذه الآية، والذي هو تفسير العرب الأولين وفهمهم لها، مما يبين أن هذه الآية كانت مفهومة لهم حق الفهم، ولم يكن فيها شيء غير ذي معنى، فمنهم من قال إنها مثل يضرب في التكليف بما لا يطاق، ومنهم من قال إن الكافر يكاد لضيق صدره وضجره بالإسلام لا يجد إلا أن يصعد في السماء نفوراً من الإسلام، وزيغاً عن الحق. كما أن الكثير منا إذا غشيه ما يكره، وجاءته المصايب من كل جهة أحس كأنما هو يختنق، فيقول: أحسن أنني أختنق، والخنق المحسوس الذي هو انقطاع النفس غير مقصود قطعاً. ولهذا نظائر كثيرة حتى في لهجتنا المحكية، نقول نحن في الأردن: فلان يريد أن يقيم الدين في مالطا، دلالة على صعوبة ما يطلب، وأنه ليس في الوسع، وليس المقصود بهذا المعنى الحرفي لهذه الألفاظ، وإنما هو مثل يضرب في التكليف بما لا يطاق، وتقول: فلان يمشي على بيض، وهو مثل يضرب في الدلالة على البطء الشديد وثقل الحركة، وليس المقصود وجود بيض حقيقي يمشي عليه، وكذلك التصعد في السماء ليس المقصود به التصعد في السماء على الحقيقة، وإنما هو مثل يضرب في التكليف بما لا يطاق، والأمثلة على هذا كثيرة في الكلام القديم، منها على سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:102)، فإنها تدلُّ بالمطابقةِ على النَّهيِ عن الموتِ، مع أنَّ الموتَ ليس مقدوراً للمكلَّفِ، فلا يكونُ مقصوداً بالآيةِ، وتُصرَفُ دلالتُها من النَّهيِ عن الموتِ الذي لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ مراداً - إذ هو غير مقدورٍ للمكلَّف- إلى النَّهيِِ عن مفارقةِ الإسلامِ حتى المماتِ، كقولِك (لا تمت كافراً)، أو (لا تمت ظالماً) أو (مُتْ شهيداً)، فإنَّ معناها المطابقيّ هو النَّهيُ عن الموتِ على حالِ الكفرِ أو حالِ الظلمِ، أو الأمرُ بالموتِ قتلاً بيدِ الأعداءِ، فلمّا عرفنا أنَّ الموتَ ليس فعلاً للمكلّفِ ولا مقدوراً له، عرفنا – بدلالةِ الالتزامِ- أنَّ المقصودَ بالنَّهيِ ليس النهيَ عن الموتِ حالَ الكفرِ، أو حالَ الظُّلمِ، وإنما النهيُ عن الكفرِ – الذي هو مقدورٌ للمكلَّفِ- حتى يأتيَه الموتُ، وعن الظلمِ – الذي هو أيضاً مقدورٌ للمكلّفِ- حتى يأتيَه الموتُ، وعرفنا بدلالةِ الالتزامِ أيضاً أنَّ الأمرَ ليس بالموتِ، بل بقتالِ الكفّارِ إلى أن يُدركَكَ الموتُ أو تُقتَلَ بيد الأعداءِ.
ومنها الدعاء المأثور (الله متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعل الوارث منا)، فقوله: واجعله الوارث منا لا يُتَصَوَّرُ وقوعُه، إذ لا يعقل أن يرثك سمعك وبصرك، ولكن المقصود ألا يفارقك سمعك ولا بصرك ولا شيء من قوتك حياتَك كلها. فهو مثل يضرب في الدعوة بديمومة الحواس والقوات، فتدعو لنفسك بأن ترثك.
هكذا إذن نفهمُ قولَه تعالى ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ على معهود العربِ الأوَّلين الذين نزل القرآنُ بلسانهم، فنقولُ: لمّا كانَ الصُّعودُ إلى السَّماءِ غيرَ مقدورٍ لِلمُكَلَّفِ، وتكليفاً بما لا يُطاقُ، شبّهَ القرآنُ ضيقَ صدرِ الكافرِ، وحَرَجَه بالإسلامِ، وبدعوةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بمن يصَّعَّدُ في السماءِ، أي بمن يَتَكَلَّفُ ما لا طاقةَ له به، أي إنَّك إذ تطلبُ إلى الكافرِ أن يؤمنَ باللهِ وبالإسلامِ تُكَلِّفُه ما لا طاقةَ له به، فكأنّما هو يَتَرَقَّى في السماءِ نبوّاً عن قبولِ الإسلامِ، واستكباراً، أو نفهمُها على الوجهِ الثاني الذي أشارَ إليه الإمامُ الرازيُّ بمعنى بعدِ الكافرِ عن الإسلامِ كبعدِ الأرضِ عن السماءِ، فهو يضيقُ صدرُه بالإسلامِ، وينبو عن قبولِه، ويَتَحَرَّجُ به، إذ ليس في صدرِه مكان للإسلامِ، فمثلُه في تَكَلُّفِه ما لا يطاقُ مثلُ الذي يُكلَّفُ الصعودَ في السماءِ.
وهذا كافٍ في بيان معنى الآية على معهود العرب الأولين، ويكون زعم من زعم أن الأولين لم يعرفوا لها معنىً، أو لجؤوا إلى تأويلِها لأنهم عجزوا عن تصوُّرِ ما جاءت به زعماً عارياً عن الصحة، ولا نصيب له من الحق.


فإن قيل: ما المانعُ من أن يكونَ العربُ قد فهموها على معروفِهم ومعهودِهم، أو فهموا منها ما قدروا على فهمِه، من أنها بمعنى التكليفِ بما لا يُطاقُ، أو بعدِ الكافرِ من الإسلامِ كبعدِ الأرضِ عن السماءِ، أو نُبُوِّ الكافر عن قبول الإسلام وضجره به حتى كأنه يتصعد في السماء، ثمَّ لمّا جاءَ العلمُ الحديثُ كشفَ لنا عن معنىً آخرَ في تفسيرِ هذه الآيةِ، والذي هو ضيقُ الصَّدرِ وحرجُه بسَبَبِ نقصانِ الأكسجينِ عند الصُّعودِ إلى طبقاتِ الجوِّ العُليا. وبالتالي يكونُ لدينا وجهانِ محتملانِ في تفسيرِ الآيةِ:

1. الوجهُ القديمُ الذي فَهِمَه العَرَبُ على معهودِهم بمعنى التكليف بما لا يطاق، أو كأن الكافر يصعد في السماء لشدة ضيقه بدعوة الإسلام.
2. والوجهُ الجديدُ الذي كَشَفَ عنه العلمُ الحديثُ، وهو أن الأكسجين يتناقص في طبقات الجو العليا، فيؤدي إلى ضيق الصدر والحرج.
وبهذا يكونُ العربُ قد فهموها على معهودِهم، على ما يقتضيه فنُّ التشبيهِ من تقريبِ المعنى إلى السامعِ، وبما يجري على أصولِ البلاغةِ وحسنِ الإفهامِ ولا يُصادِمُها، ويكونُ لنا – بعد ذلك- أن نضيفَ إليها وجهاً جديداً كشفَ عنه العلمُ الحديثُ بما لا يخالفُ أصولَ البلاغةِ بعد أن أصبحَ نقصانُ الإكسجينِ عند الصعودِ في السماءِ معنىً معهوداً لنا في هذا العصرِ، وحقيقةً علميَّةً لا جدالَ فيها، وهذا وجه تحتمله اللغة، وتقبله العادة، أما احتمال اللغة فإن الصعود إلى السماء على ما كشف عنه العلم الحديث يؤدي إلى ضيق الصدر وحرجه، وإذا استقر هذا الكشف الجديد في أذهان الناس وعاداتهم كان التشبيه به مفيداً من حيث إن المعنى الجديد بات معهوداً فلا محذور؟

فأقول وبالله التوفيق: ونحنُ ندَّعي في مقابل ذلك أنَّه لا بدَّ عندَ تفسيرِ كلامِ العربِ الأولين، أو الكلامِ الذي نزلَ بلسانهم من اتِّباعِ معهودِهم – أي معهودِ العربِ الأوَّلين- وتصرُّفِهم في الكلامِ آنذاك، ولا يجوز حمل الكلام على ما يستجد عند الناس من معانٍ ودلالاتٍ للألفاظ على مرِّ الزمن، ذلك أنَّ القرآنَ نزل بلسانِ العربِ الأولين، ولغتهم هم، وعلى معهودِهم واصطِلاحِهم هم في هذه الألفاظِ ومعانيها ولوازمِها، لا على معهودِنا نحن، ولا على اصطِلاحِنا نحن. والأصلُ أن يكونَ العربُ فهموها على معنىً ما معيِّن على معهودِهم في الكلامِ وتصرُّفِهم فيه آنذاك، فيكونُ هذا هو الوجهَ المقصودَ بالآيةِ، ويكونُ شافياً لِلغليلِ، لأنَّ فهمَ المفسِّرين الأوَّلين، كان هو فهم العربِ الأوَّلين أهلِ اللغة.
على سبيل المثال، أُثرَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّه قال لبعض نِسائه: أسرعُكُن لحوقاً بي أطولُكن يداً، والمقصود بطول اليد في معهود العرب الأولين هو البذل والعطاء والصدقة، أما في معهودنا الآن فالمقصود بطول اليد إذا وصفتَ بها رجلاً أنَّه سارق تمتد يدُه إلى ما لا يملكُ. فلا يجوز عند بيان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أن ننظر إن كان يمكن حمل كلامه على المعنى الجديد لـ "طول اليد"، والذي نعهدُه في كلامنا، بل ننظر في معهودِ أهل اللسانِ في ذلك الوقتِ الذي قيلَ فيه.
مثال آخر: "جيب الثوب" أو "جيب القميص" كان عند العرب الأولين بمعنى طوقِه وفرجتِه ، فأصبحت الآن على معنى الجيب المعروف "المخباة" الجانبي أو مما يلي الصدر.
مثال آخر: لفظ "انصرف" يتضمَّنُ في عرفِنا معنى الإهانة، ولم يكن كذلك عند العربِ الأوَّلين. فلا يشفع لك إن قلتَ لأحدِهم: انصرف، أن تقول لا أعني بهذا إهانتك، ذلك أن العبرة بما يعهده الناس الآن من هذا المعنى، أما إن وردت في كلام العرب الأوَّلين، فلا تفهمُ منها معنى الإهانة.

وقس على هذا كلامَ العربِ الأوَّلين في شعرهم ونثرهم، فلا يجوز أن تكون دلالات هذه الألفاظِ ومعانيها متجددةً متطورةً فيما بلغنا من أشعارِهم. بل نفهمها على ما كانوا يعهدونه في الألفاظ ومعانيها ولوازمها، ولا نحملها بأي حال من الأحوال على ما استجد عندنا من معانٍ ولوازم.

ولذلك فإنَّ إبطالَ دعوى القائلين بإمكان حمل الآية على المعنى الجديد الذي كشف عنه العلم الحديث يكفي فيه أن ننظرَ إلى واقع اللغة من حيثُ هي لغةٌ، أي من حيثُ هي ألفاظٌ دالَّةٌ على معانٍ، وأنّ هذه الألفاظَ والأصواتَ حتى تكونَ لغةً شائعةً بين الناس لا بدَّ فيها من المواضعةِ والمصالحةِ، أي لا بدَّ من اشتراكِ الناسِ في معرفةِ هذه الألفاظِ ومعانيها والمقصودِ بها واتفاقِهم على ذلك، وأنَّ مخاطبتَك لشخصٍ ما - إذا لم تكن على معهودِ الكلامِ، وعرفِ اللغةِ، من حيث الألفاظُ والتراكيبُ ودلالاتُها على المعاني- لا تعدو أن تكون ضرباً من ضروبِ الهذيانِ.
وعليه نقول: إنَّ اللهَ لو خاطبَ العربَ الأقحاحَ بمفرداتِهم وتراكيبِهم، ثم لم يفهموا المرادَ من هذه الجملِ والتراكيبِ في ذلك الوقتِ، لكانَ هذا ضرباً من ضروبِ الهذيانِ الذي يُنَزَّهُ عنه منصبُ الشارع.
ونقولُ أيضاً: إنَّه لا يجوزُ أن تكونَ دلالاتُ آياتِ القرآنِ ومفرداتِه مُتَجَدِّدَةً مُتَطَوِّرَةً على مَرِّ العصورِ، يفهمُها أهلُ كلِّ عصرٍ بحسبِ ما يشيعُ في عصرِهم من معاني المُفرداتِ، وما وصل إليه من علومٍ كونيَّةٍ أو طبيعيَّةٍ، أو عَثَرَ عليه خيالُه من إشاراتٍ بعيدةٍ، لأنَّ العبرةَ إنما هي بالألفاظِ ومعانيها عند العربِ الأولين أهلِ اللسانِ، كيف كانت العربُ تعقِلُها وتفهمُها وقتَ نزولِ القرآنِ، وليس في كلِّ عصرٍ.
لا نعني بهذا أنَّه لا يجوزُ استعمالُ كلمةٍ عربيةٍ في معنىً غيرِ الذي وُضِعت له ابتداءً، بل يجوزُ وضعُها أو استعمالُها بإزاءِ معنىً غيرِ المعنى الذي وَضَعها له العربُ الأوَّلون أهلُ اللغةِ، لعلاقةٍ بين المعنى الأصيلِ والمعنى الجديدِ، على ضربٍ من التجوُّزِ والاستعارةِ المعهودةِ في كلامِ العربِ، كأن نضعَ مثلاً كلمةَ "ذَرَّة" للدلالةِ على مقصودِ التجريبيين المقابلِ لكلمةِ "atom" الإنجليزيةِ، مع أنها بأصلِ الوضعِ تدلُّ على صغارِ النَّملِ، ولفظَ "طائرةٍ أو طيّارةٍ" في الدلالةِ على معنى الطائرةِ المعروفِ، لأنَّها تشتركُ مع الطيورِ الحيوانيةِ في أصلِ الطيرانِ، أو كلمةَ "سيّارةٍ" للدلالةِ على معنى السيّارةِ المعروفِ، لأنَّها تسيرُ على الأرضِ وتشتركُ مع الدوابِّ الأرضيّةِ في أصلِ السَّيرِ، وإنَّه وإن كانت صفةُ الطيرانِ والمشيِ موجودةً في أكثرَ من فردٍ أو ماهيّةٍ كالطيرانِ في سائرِ الطيور، وصِفَةِ السَّيرِ عندَ الدَّوابِّ كافَّةً، إلاّ أنَّ الناسَ في - عرفِها- قد تُخَصِّصُ أحدَ هذه الأفرادِ أو الماهيّاتِ بتلك الصفةِ - دون غيرِها ممن يتَّصِفون بها وتَتَحَقَّقُ فيهم- لغلبتِها عليه، أو لكثرةِ استعمالِها في كلامِهم خاصّةً بذلك الفردِ دون غيرِه، أو تلك الماهيَّةِ دون غيرِها، فيشيعُ عندهم تسميةُ هذا الفردِ أو ذاك بهذه الصِّفةِ، حتى تكونَ أغلبَ وأدلَّ عليه من اسمِه الأصيلِ، كتسميةِ "المسكِ" عند العربِ بـ"المشمومِ" ، مع أنَّ الأشياءَ المشمومةَ لا تُعَدُّ ولا تحصى، ولكن لمّا غَلَبَ استعمالُ كلمةِ "المشمومِ" عند العربِ في "المسكِ"، كانت أخصَّ به من غيرِه من المشموماتِ. ومن ذلك أنَّ لفظَ "السخّانِ" أو "البرّادِ" صارَ أولى بالحوافظِ الحراريَّةِ المعروفةِ باسمِ "الثيرموس" من النارِ أو الثلاّجة، مع أنَّ هذه الحوافظَ الحراريةَ لا فعلَ لها في أصلِ التسخينِ أو التبريدِ، إلاّ في الحفاظِ على برودةِ السائلِ أو سخونتِه داخلَها! فإذا بالناسِ تُسمّيها بغيرِ صفتِها التي هي عليها!!! وهذا أمرٌ جائزٌ لا مشاحّةَ فيه، وقد يُنقلُ اللفظُ إلى معنىً آخرَ جديدٍ لغيرِ علاقةٍ، أي يُرتجلُ ارتجالاً في المعنى الجديدِ، وما دام الناسُ قد اصطلحوا وتواضعوا على تسميتِها بهذا الاسمِ - أيّاً كانت صفتُها- فلا مكانَ للاعتراضِ، وهو عرفٌ بين الناس قد فشا وغلبَ في كلامِهم، فلا يُنازَعون فيه.
فتجدد الدلالات وتطورها وتغيرها على مرِّ الزمن سنَّةُ الله في كلِّ لغة، وكلِّ لسان، فلا مشاحةَ فيه، ولكنَّ المحذور هوأن نُفَسِّرَ آياتِ القرآنِ الكريمِ ونصوصَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وكذلك نصوصَ الأوَّلين وأقوالَهم، وما أُثِرَ عنهم من شعرٍ أو نثرٍ أوخُطَبٍ، بما جدَّ عندنا وتبدَّلَ من معاني هذه الألفاظِ ولوازمِها، كأن نُفَسِّرَ قولَه تعالى ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس:61) بأنَّ المقصودَ به هو الذَّرَّةُ المعروفةُ في العِلمِ التجريبيِّ أو العلمِ الحديثِ، أو أن نفسرَ قولَه تعالى ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام:38) بأنَّ المقصودَ بها الطيورُ الحيوانيةُ والطائراتُ المعروفةُ الآن، وأنها كلَّها حيوانَها وحديدَها أممٌ أمثالُنا، وأن نزعم أن التصعد في السماء الوارد في الآية فيه إشارة إلى نقصان الأكسجين، وأن نزعم مثلاً أن الشاعر إذ يقول:
أدميت باللحظات وجنته... فاقتص ناظره من القلب
إنما يشير إلى ازدياد ضخ الدم إلى الوجنتين عند الخجل، وأن العرب عندما قالت في وصف الصانع الحاذق: إن له عليها إصبعاً، إنما أشاروا إلى حقيقة البصمات التي تختلف بين بني البشر ...إلخ. فهذا كلُّه من تحميل الكلامِ ما لا يحتمل، والذي هو ضرب من ضروب الهذيان الذي لا حظ من البلاغة وحسن الإفهام، وإنما الحقُّ أن نتَّبعَ في تفسيرِ هذه النصوصِ معهودَ أهلِ اللغةِ في ذلك العصرِ الذي نزل فيه القرآنُ، في معنى الذَّرَّةِ والسيَّارَةِ والطائرةِ، وعلى معهود الناس في الألفاظ ومعانيها في العصر الذي قيل فيه ذلك الشعر، أو ذلك المثل.

المقصودُ هنا أن نُقَرِّرَ أنَّ النصوصَ التي وردت في عصرٍ ما أيّاً كانت هذه النصوصُ، لا بدَّ أن تُفسَّرَ على معهودِ الناسِ في الألفاظِ ومعانيها ولوازمِها في ذلك العصرِ – فقط- لا بما يعهدُه الناسُ في معانيها في كلِّ عصرٍ، وإلاّ كان هذا ضرباً من ضروبِ الهذيانِ، وتحميلاً للألفاظِ وأقوالِ الناسِ، وما أُثِرَ عنهم من شعرٍ أو نثرٍ ما لا تحتملُ، وما لا طاقةَ لها به.
والقرآن - الذي هو كلامُ الله سبحانه وتعالى، والذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة على وجه الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- هو من جنس كلام العرب في ألفاظه وتراكيبه ومعانيها، فلا نفهمه ولا نعقله إلى على ما كانت العرب تفهمه وتعقله. لهذا تجد المفسرين إذا ما حملوا آيةً ما على معنىً من المعاني، أو على وجهٍ من وجوهِ التأويل، جاؤوا من كلامِ العرب الأولين وأشعارهم بما يؤيد ما ذهبوا إليه، وتجدهم قد تكلموا فيما يحتج به وما لا يحتج من كلام العرب، وما يسمى بعصر الاحتجاج، كل هذا لأجل أن يفهموا القرآن على معهود العرب الأولين أهل اللسان الذي نزل به القرآن.

وفي هذا جواب من يقول بإمكان حمل الآية على المعنى الحديد، فالحق أن اللغة لا تقبل هذا المعنى الجديد من حيث إننا لا ننظر إلى معاني الألفاظ مجردة، وما يمكن أن تحتمله في كل عصر من العصور، بل نقول إن الأصل أن ننظر في معاني الكلام عند أهل ذلك العصر الذين نزل القرآن بلسانهم، لا في كل عصر.

وعلى هذا نقول: لمّا كانت أذهانَ العربِ الأوَّلين الذين نزلَ القرآن بلسانهم لا تنصرفُ إلى هذا المعنى الجديد للتصعد في السماء، عند النطقِ باللفظِ، ولمّا كان هذا اللازمُ غيرَ معهودٍ للعربِ الأوّلين الذين نزلَ القرآنُ بلسانهم فإن هذا كافٍ في ردِّ هذا الوجهِ المُدَّعى في تفسيرِ الآيةِ من حيث اللغة، إذ لا يجوزُ لنا أن نُفسِّرَه بغير ما كانت تعهده العربُ، ولا يجوز أن نذهب في تأويله على معهودِنا في الألفاظِ ولوازمِها، التي جدَّتْ وتغيرت في عصرنا هذا.

إذن...

فلا يجوزُ بحالٍ أن يكونَ ما كشف عنه العلم الحديث وجهاً من وجوهِ تفسيرِ الآيةِ وتأويلِها، حتى ولو مرجوحاً، ذلك أنَّ الراجحَ والمرجوحَ في التأويلِ إنما يكونُ فيما تحتمِلُه الألفاظُ من معانٍ على معهودِ العربِ الأوّلين وتصرُّفِهم في الكلامِ آنذاك، وليس فيما يمكنُ أن تحتملَه هذه الألفاظُ من وجوهٍ على الإطلاقِ، وفي أيِّ عصرٍ من العصورِ. فلفظُ "اللمسِ" في قولِه تعالى ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (النساء:43) مُتَرَدِّدٌ عند العربِ - وعلى معهودِهم آنذاك في الكلامِ وتصرُّفِهم فيه- بين اللمسِ والوطءِ، أي لفظُ "اللمسِ" عندهم محتمِلٌ للمعنيين، فهو في حقيقتِه – عندهم- لمجرَّدِ المُلامسةِ والتماسِّ، ويُستعمَلُ بمعنى الوطءِ والجماعِ على ضربٍ من التَّوسُّعِ والمجازِ، والراجحُ والمرجوحُ في هذين المعنيين يعرفُ عند المجتهدين كلٌ بدليلِه، فالمعنيان كلاهما معهودان للعربِ، ومعروفان لهم، وهما محتَمَلان في الآيةِ على معهودِهم آنذاك، وكذلك لفظ "القرء" في تردده بين الحيض والطهر، وتردد النكاحِ بين العقد والوطء. أما تردُّدُ لفظِ "التصعُّد في السماءِ" بين إفادةِ التكليفِ بما لا يطاقُ، وإفادةِ نقصانِ الأكسجينِ في طبقاتِ الجوِّ العليا، فليس بصحيحٍ، إذ هو في المعنى الأوَّلِ معروفٌ معهودٌ للعربِ نأخذُ به في تفسيرِ الآيةِ، وهو في المعنى الثاني غيرُ معهودٍ ولا معروفٍ، فلا يكونُ مقصوداً في الآيةِ، ولا يجوزُ بحالٍ أن يكونَ محتَملاً ولو احتمالاً مرجوحاً.
وبما أنَّ هذا المعنى الجديدَ للتصعُّدِ في السماءِ - الذي يدّعون أنَّ العلمَ قد كشفَ عنه- لم يكن معهوداً للعربِ، ولا معروفاً لهم، فلا يجوزُ – على هذا- أن يكونَ وجهاً من وجوهِ تفسيرِ الآيةِ، لا راجحاً ولا مرجوجاً.

فلا ينبغي أن يُقالَ بهذا الوجهِ في تفسيرِ الآيةِ، لِما فيه من مُخالفةِ اللغةِ، وخروجٍ على أصولِ البلاغةِ وحُسنِ الإفهامِ. ثم إنَّ لنا أن نُلزمَ أنصارَ الإعجازِ العلمي والقائلين به على هذا أن يقبلوا بالتفسيرِ العلميِّ لكلامِ العربِ وأشعارِها، وما يمكنُ أن يدّعى من أنَّ الشعراءَ أشاروا في أشعارِهم وقصائدِهم، وأن العرب أشارت في أمثالها إلى حقائقَ علميَّةٍ كشفَ عنها العلمُ الحديثُ كما في مثال حمرة الخجل التي أشار إليها الشاعر، بصمة الإصبع في المثل الذي ضربته العرب للحذق والمهارة.

وبعد أيها الإخوة...

فأحسب أنني بهذا قد استوفيتُ الحديث حول هذه الآية، وبيَّنتُ تهافتَ القول بالإعجازِ العلمي (التجريبي) المدَّعى في هذه الآية، من حيث بيان أن القول بالإعجاز العلمي فيها يبطل الغرض من التشبيه ويتضمن خروجاً على أصول البلاغة وحسن الإفهام، ومن حيث إن العرب الأولين قد فهموها وأدركوا معناها، فلا يجوز أن يُقالَ إن العرب الأولين لم يفهموها حتى جاء العلم الحديث فكشف عنها، ومن حيث إبطال قول من يريد أن يجعل ما كشف عنه العلم الحديث وجهاً جديداً من وجوه تفسير الآية، ذلك أن هذا يأباه فقه اللغة.

فإن أحسنت فمن الله، وإن أسأتُ فمن نفسي ومن الشيطان.

وإن كان فيما أوردتُه آنفاً شيء لم أوفه حقَّه من البيان والتفصيل، فلعل هذا خشية الإطالة، على أن يتضح ما كان منه خافياً بمدارسة الإخوة بارك الله فيهم.

هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.

جمانة انس مالك
10-02-2010, 14:04
اذا نظرنا الى مضمون المقال المعنون
(((تهافت القول بالإعجاز العلمي ..)))
نجد ان كاتبه قد اختلط الامر عليه في تحليله لواقع البحث في الا عجاز العلمي
اذ تعرض لبعض التطبيقات والصور والمفاهيم المردودة
-وربما لاوجود لبعضها الا في خياله وتصوراته واوهامه -
فعمم في نظره و احكامه
وبذلك خرج عن دائرة الصواب في تحليله و نتا ئجه
وواقع الحال مختلف تماما فهناك تطبيقات دقيقة وسليمة و رائعة للاعجاز العلمي
و قد قطع البحث في ميدان الا عجاز العلمي عقودا من الزمن على بدءه وبذلك اصبح اكثر نضجا
وتم تجلية الصواب من الخطأ فيه
وذلك بصورة تختلف عن الخلط الذي وقع فيه كاتب المقال و بالتالي النتيجة التي توصل اليها
********************
القول بتهافت الا عجاز العلمي في قوله تعالى ((كأنما يصعد في السماء))
قول متهافت حقا
لانه باختصارودون الخوض بالنقد التفصيلي لمن يدعي ذلك
وانما بنقد علمي عام
حال الا نسان عندما يصعد في السماء لم تكن معلومة بتفاصيلها وامكانيتها قبل التصعد الفعلي الذي وفق الله له الا نسان
ومن هنا فقد فهمت الاية الكريمة في عصر النبوة وما بعده بحدود معينة من الفهم
لكن بعد الصعود الفعلي تو سع الفهم و سيتو سع مستقبلا اكثر ان شاء الله
و لاتناقض و لاتعارض بين جميع العصور
انما يتجلى الفهم اكثر مع كل توسع لافاق الحقيقة
مصداقا لقوله تعالى (سنريهم اياتنا)
وبذلك فالاية من اوضح الا مثلة على الا عجاز العلمي في القران الكريم
************************
--وان وجدت اخطاء في الاستفادة من الا عجاز العلمي و ربطه في فهم الايات
فيصوب الخطا بحدوده ولا يقال تهافت الاعجاز
الا اذا كان من الممكن
ان اخطا طبيب فنقول تهافت الطب
انما الصواب ان نقول تهافت بعض الا طباء
و لا يؤ ثر ذلك على اهمية الطب وفضله

علاء حسام داود
01-03-2010, 09:24
أحسنت أختي جمانة ، وبارك الله فيك ..

كلامك على اختصاره يرد كل ما كتبه أخي بكر على كثرته ..

وأشكر أخي بكر على جهده و شرحه للتشبيه ولكن محاولته في نفي المعاني التي بينها علماء الإعجاز العلمي في القرآن العظيم من شدة ضيق الصدر وحالة الإختناق التي تصيب الصاعد في السماء نظرا لنقص الأوكسجين .. محاولة بعيدة كل البعد عن التحقيق البياني والعلمي !!

وكل ما قالوه علماء الإعجاز العلمي من كون هذه الآية دليل على هذه الظاهرة التي لم تكتشف إلا في عصرنا الحالي وما زالت تظهر بوضوح أكثر مع تقدم العلم دليل عظيم على كون هذا القرآن من كلام رب العالمين ..

فهذا كتاب الله المفتوح ( الكون ) وكتابه المقروء ( القرآن ) وما يكتشفه علماء الإعجاز العلمي من تطابق وتوافق بهما من دقة صنعته ومن اكتشافات باهرة لم تكتشف من قبل وبيان تطابقها مع الإعجاز البياني في القرآن لهو نتيجة حتمية ودليل قاطع على أن القرآن من عند الخالق المبدع ......

وقد أخبرنا الله عز وجل أنه ومع الزمن سيظهر الله لنا آياته العجيبة في الكون والحياة وفي أنفسنا لعلنا نزداد بها إيمانا ويقينا فوق إيماننا وتكون سلاحا لنا ومصباحا نضيئ به ظلمة الجهل ونكون به سادة العالم ..

وكما تبين أن هذا الإعجاز العلمي لهو من أكبر الوسائل الدعوية التي يدخل فيها الناس وخاصة العلماء منهم في دين الله أفواجا أفواجا ....

والسلام عليكم .

علاء حسام داود
01-03-2010, 09:25
أحسنت أختي جمانة ، وبارك الله فيك ..

كلامك على اختصاره يرد كل ما كتبه أخي بكر على كثرته ..

وأشكر أخي بكر على جهده و شرحه للتشبيه ولكن محاولته في نفي المعاني التي بينها علماء الإعجاز العلمي في القرآن العظيم من شدة ضيق الصدر وحالة الإختناق التي تصيب الصاعد في السماء نظرا لنقص الأوكسجين .. محاولة بعيدة كل البعد عن التحقيق البياني والعلمي !!

وكل ما قالوه علماء الإعجاز العلمي من كون هذه الآية دليل على هذه الظاهرة التي لم تكتشف إلا في عصرنا الحالي وما زالت تظهر بوضوح أكثر مع تقدم العلم دليل عظيم على كون هذا القرآن من كلام رب العالمين ..

فهذا كتاب الله المفتوح ( الكون ) وكتابه المقروء ( القرآن ) وما يكتشفه علماء الإعجاز العلمي من تطابق وتوافق بهما من دقة صنعته ومن اكتشافات باهرة لم تكتشف من قبل وبيان تطابقها مع الإعجاز البياني في القرآن لهو نتيجة حتمية ودليل قاطع على أن القرآن من عند الخالق المبدع ......

وقد أخبرنا الله عز وجل أنه ومع الزمن سيظهر الله لنا آياته العجيبة في الكون والحياة وفي أنفسنا لعلنا نزداد بها إيمانا ويقينا فوق إيماننا وتكون سلاحا لنا ومصباحا نضيئ به ظلمة الجهل ونكون به سادة العالم ..

وكما تبين أن هذا الإعجاز العلمي لهو من أكبر الوسائل الدعوية التي يدخل فيها الناس وخاصة العلماء منهم في دين الله أفواجا أفواجا ....

والسلام عليكم .

بكر علي الجازي
03-03-2010, 10:19
بارك الله في الأخت جمانة والأخ علاء...

مع أني لم أرَ فيما أوردته الأخت جمانة ما يرد على ما أوردته، إلا أنني أشكر لك وللأخت جمانة مروركما.

وبارك الله فيكم...

عمر محمد رأفت
05-09-2010, 11:24
الله جل و علا أعلم بما يقول
و أعلم بما يمكن أن يفهمه الناس من كلامه (وفقا لأصول اللغه)
و يعنى كل ما يحتمل كلامه من معانى
و المطلع على تفاسير كالشعراوى و محمد عبده و الفخر الرازى و غيرهم يدرك هذا جيدا
إنكار حقيقة تناقص الأكسجين بالعلو لا محل له من الإعراب
إنكار الحقائق العلميه لا يكون بالإجتهاد و لكن بحقائق و تجارب مضافة
منذ أيام قرأت مقالا ينفى علاقة تخلق الجنين فى بطن الأم بما ذكره القرءان
عفوا
لا مجال لإنكار القرءان
لا مجال لإعتباره عمل أدبى كقصيده لإمرؤ القيس لا علاقة لها بالعلم
أرجو أن يحذر من يكتب فى مثل هذا الموضوع
فهو كمن يدلل على أن أن الشمس ما هى إلا شمعة و القمر ما هو الا بيضة من بيض الدجاج