جلال علي الجهاني
27-10-2009, 12:07
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ..
أما بعد ..
فقد أحببت أن أنقل لكم من كتاب الإمام المازري رحمه الله تعالى: شرح التلقين، وهو كتاب نفيس للغاية .. مسألة السفر إلى بلاد الحرب للتجارة .. لما فيها من الفائدة ..
قال رحمه الله تعالى في شرح اتلقين: الجزء السادس، ص: 932-935 ما نصه:
هل يجوز السفر إلى بلاد الحرب للتجارة؟
ورد الشرع بالمنع من ابتذال ما له حرمة في الدين، وقال عليه السلام: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)، وقد ورد الشرع بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، فإذا سافر المسلم إلى أرض العدوّ، فلا يخلو أن يكون سفره لمعصية يحصلها هناك أو لطاعة وبرٍّ، أو لأمر مباح.
فأما سفره طالباً لمعصية فلا شك في تحريمه، ولو كان إلى بلد المسلمين، فكيف ببلد أهل الكفر؟!
وأما إن كان سفره لطاعة تجب على الأعيان أو على الكفاية، فإنه منهيٌّ عن ذلك على الجملة، وظاهر المذهب على قولين: هل ذلك نهي تحريم أو نهي كراهة؟
فقال ابن القاسم: شدد مالك في السفر إلى بلد الحرب، وقال ابن المواز: ليس بحرام، وقال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: لا يجوز السفر إلى بلد الحرب لتجارة ولكن يجوز ذلك لمفاداة أسير. وذكر سحنون أن من ركب البحر إلى بلد الروم طلباً للدنيا فإنه يجرّح بذلك.
وظاهر هذا يقتضي كونه أنه يرى ذلك حراماً، وكذلك إطلاق ابن حبيب أن ذلك لا يجوز.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن ظاهر المدونة لا يقع بذلك التجريح؛ لأنه ذكر فيها قبول شهادة التجار المسلمين إذا شهدوا بما عاينوه فيها، وظاهر قبول الشهادة يقتضي نفي التحريم.
لكن هذا الذي تعلقوا به في المدونة فيه احتمالٌ؛ لأنه لم يذكر على أي صفة دخل هؤلاء التجار، هل قاصدون لأجل الدنيا، أو رجعوا إليها بحكم غلبة الريح عليهم، أو لمعنى ألجأهم إليه يشبه هذا؟ مع إمكان أن يكونوا جهلوا التحريم أو قلدوا من ذهب إلى نفي التحريم.
وقد قال أبو الحسن والأوزاعي فيمن سافر إلى بلد الحرب لتجارة: إنه فاسق، وهذا كالنص على التحريم، والتنبيه على تأكده بتفسيق فاعله.
وقد علل مالكٌ النهي عن هذا السفر بكون أحكام أهل الكفر تجري على المسلم المسافر إليهم.
وهذه الأحكام التي أشار إليها رضي الله عنه تتنوع تنوعاً يقتضي اختلاف طبقات النهي عن السفر إليها.
فلو كان المسلم يجرون عليه من الأحكام أن يجبروه على السجود للأصنام وإظهار كلمة الكفر أو سب الرسل، فإن هذا يتأكد تحريم السفر معه.
وإن كانوا لا يحملونه على شيء يخالف دينه، لكنهم يوقعون به من الإذلال والهونة ما فيه إعزاز لهم وإهانة للإسلام، فإن هذا أيضاً يوجب المنع.
وإن كان يسلَم من جميع ذلك، وإنما يناله كونه تحت قبضتهم لو حاولوا إهانته لم يقدر على الامتناع أو يأخذون منه مالاً لتجارته عندهم، فإن هذا أخف مما قدمناه.
ولعل من أنكر التحريم يشترط في السفر إليهم أن يكون على هذا الوجه.
وقد سهل القاضي ابن الطيب في المقام ببلد الحرب لرجلٍ مسلمٍ يضطر إليه مَن بذلك البلد من أسرى المسلمين في تعليم ما افترض عليهم في الشريعة والاقتداء به، وهديهم إلى الحق وهدي غيرهم، وهذا جارٍ على أسلوب ما قدمناه في إجازة السفر إليهم لأمرٍ يوجبه الشرع من فكاك أسير وبيان ما افترض على المسلم.
وأما التجريح بالسفر إليهم فقد قدمنا ما قاله سحنون وغيره.
وكان قد نزل عندنا بالمهديّة منذ نيف وأربعين عاماً شدةٌ احتاج الناس فيها إلى السفر إلى صقلية ليرخص الطعام عندنا؛ لكونه قد عدم.
فتخاصم رجلان وانتهى أمرهما إلى السلطان، وقام أحدهما بشهادة رجلٍ قدح في خصمه في عدالة الشاهد لكونه سافر إلى صقلية، وهي وإن كانت الأكثر من سكانها مسلمين فإن المسلَّطين عليهم والمستولي على أهلها ملك من ملوك الروم وجنده الروم، فجمع السلطان كل من يفتي بالمكان، فاختلفوا، ووقف بعضهم في منع السفر للحاجة إلى الطعام.
فقلتُ لهم: ليس هذا مما يقتضي الرخصة في السفر إلى بلد العدوّ، وتلوتُ عليهم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )[التوبة:21]، فنبَّه سبحانه على أن للمسجد الحرام حرمةً وتنزهاً عن الأنجاس، والمشركون نجس، ثم نبَّه سبحانه على أن الحاجة إليهم في جلب الطعام إلى مكّة لا يرخِّص في انتهاك هذه الحرمة، فكذلك الحاجة إلى امتيار الطعام من صقليّة لا يوجب الترخيص في السفر إليها.
فكاتبنا في المسألة إمامنا أجمعين، وكان ببلد آخر، وقد انزوى وانقطع إلى العبادة، فورد جوابه بأن هذا ليس بعذرٍ يوجب الرخصة في السفر إليهم، وعلَّل ذلك بأنَّا وإن كنا نتقوى بما نأخذه من الطعام من عندهم، فإن ما نحمل إليهم من أموال المسلمين لكثرته لهم به قوَّةٌ علينا وشدة تمكن في ملك من يكتري صلب المسلمين.
ولعله شيخه الذي لم يذكر اسمه هنا هو الإمام عبد الحميد الصائغ، رحمه الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ..
أما بعد ..
فقد أحببت أن أنقل لكم من كتاب الإمام المازري رحمه الله تعالى: شرح التلقين، وهو كتاب نفيس للغاية .. مسألة السفر إلى بلاد الحرب للتجارة .. لما فيها من الفائدة ..
قال رحمه الله تعالى في شرح اتلقين: الجزء السادس، ص: 932-935 ما نصه:
هل يجوز السفر إلى بلاد الحرب للتجارة؟
ورد الشرع بالمنع من ابتذال ما له حرمة في الدين، وقال عليه السلام: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)، وقد ورد الشرع بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، فإذا سافر المسلم إلى أرض العدوّ، فلا يخلو أن يكون سفره لمعصية يحصلها هناك أو لطاعة وبرٍّ، أو لأمر مباح.
فأما سفره طالباً لمعصية فلا شك في تحريمه، ولو كان إلى بلد المسلمين، فكيف ببلد أهل الكفر؟!
وأما إن كان سفره لطاعة تجب على الأعيان أو على الكفاية، فإنه منهيٌّ عن ذلك على الجملة، وظاهر المذهب على قولين: هل ذلك نهي تحريم أو نهي كراهة؟
فقال ابن القاسم: شدد مالك في السفر إلى بلد الحرب، وقال ابن المواز: ليس بحرام، وقال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: لا يجوز السفر إلى بلد الحرب لتجارة ولكن يجوز ذلك لمفاداة أسير. وذكر سحنون أن من ركب البحر إلى بلد الروم طلباً للدنيا فإنه يجرّح بذلك.
وظاهر هذا يقتضي كونه أنه يرى ذلك حراماً، وكذلك إطلاق ابن حبيب أن ذلك لا يجوز.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن ظاهر المدونة لا يقع بذلك التجريح؛ لأنه ذكر فيها قبول شهادة التجار المسلمين إذا شهدوا بما عاينوه فيها، وظاهر قبول الشهادة يقتضي نفي التحريم.
لكن هذا الذي تعلقوا به في المدونة فيه احتمالٌ؛ لأنه لم يذكر على أي صفة دخل هؤلاء التجار، هل قاصدون لأجل الدنيا، أو رجعوا إليها بحكم غلبة الريح عليهم، أو لمعنى ألجأهم إليه يشبه هذا؟ مع إمكان أن يكونوا جهلوا التحريم أو قلدوا من ذهب إلى نفي التحريم.
وقد قال أبو الحسن والأوزاعي فيمن سافر إلى بلد الحرب لتجارة: إنه فاسق، وهذا كالنص على التحريم، والتنبيه على تأكده بتفسيق فاعله.
وقد علل مالكٌ النهي عن هذا السفر بكون أحكام أهل الكفر تجري على المسلم المسافر إليهم.
وهذه الأحكام التي أشار إليها رضي الله عنه تتنوع تنوعاً يقتضي اختلاف طبقات النهي عن السفر إليها.
فلو كان المسلم يجرون عليه من الأحكام أن يجبروه على السجود للأصنام وإظهار كلمة الكفر أو سب الرسل، فإن هذا يتأكد تحريم السفر معه.
وإن كانوا لا يحملونه على شيء يخالف دينه، لكنهم يوقعون به من الإذلال والهونة ما فيه إعزاز لهم وإهانة للإسلام، فإن هذا أيضاً يوجب المنع.
وإن كان يسلَم من جميع ذلك، وإنما يناله كونه تحت قبضتهم لو حاولوا إهانته لم يقدر على الامتناع أو يأخذون منه مالاً لتجارته عندهم، فإن هذا أخف مما قدمناه.
ولعل من أنكر التحريم يشترط في السفر إليهم أن يكون على هذا الوجه.
وقد سهل القاضي ابن الطيب في المقام ببلد الحرب لرجلٍ مسلمٍ يضطر إليه مَن بذلك البلد من أسرى المسلمين في تعليم ما افترض عليهم في الشريعة والاقتداء به، وهديهم إلى الحق وهدي غيرهم، وهذا جارٍ على أسلوب ما قدمناه في إجازة السفر إليهم لأمرٍ يوجبه الشرع من فكاك أسير وبيان ما افترض على المسلم.
وأما التجريح بالسفر إليهم فقد قدمنا ما قاله سحنون وغيره.
وكان قد نزل عندنا بالمهديّة منذ نيف وأربعين عاماً شدةٌ احتاج الناس فيها إلى السفر إلى صقلية ليرخص الطعام عندنا؛ لكونه قد عدم.
فتخاصم رجلان وانتهى أمرهما إلى السلطان، وقام أحدهما بشهادة رجلٍ قدح في خصمه في عدالة الشاهد لكونه سافر إلى صقلية، وهي وإن كانت الأكثر من سكانها مسلمين فإن المسلَّطين عليهم والمستولي على أهلها ملك من ملوك الروم وجنده الروم، فجمع السلطان كل من يفتي بالمكان، فاختلفوا، ووقف بعضهم في منع السفر للحاجة إلى الطعام.
فقلتُ لهم: ليس هذا مما يقتضي الرخصة في السفر إلى بلد العدوّ، وتلوتُ عليهم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )[التوبة:21]، فنبَّه سبحانه على أن للمسجد الحرام حرمةً وتنزهاً عن الأنجاس، والمشركون نجس، ثم نبَّه سبحانه على أن الحاجة إليهم في جلب الطعام إلى مكّة لا يرخِّص في انتهاك هذه الحرمة، فكذلك الحاجة إلى امتيار الطعام من صقليّة لا يوجب الترخيص في السفر إليها.
فكاتبنا في المسألة إمامنا أجمعين، وكان ببلد آخر، وقد انزوى وانقطع إلى العبادة، فورد جوابه بأن هذا ليس بعذرٍ يوجب الرخصة في السفر إليهم، وعلَّل ذلك بأنَّا وإن كنا نتقوى بما نأخذه من الطعام من عندهم، فإن ما نحمل إليهم من أموال المسلمين لكثرته لهم به قوَّةٌ علينا وشدة تمكن في ملك من يكتري صلب المسلمين.
ولعله شيخه الذي لم يذكر اسمه هنا هو الإمام عبد الحميد الصائغ، رحمه الله تعالى.