المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقيقة الاستحسان وأنواعه، والأحكام التي تعلل في الشرع



جلال علي الجهاني
20-07-2003, 18:10
وجدت هذا النص الممتع في كتاب المحصول في أصول الفقه للقاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله، فأحببت نقله لكم هنا، للاستفادة:

قال رحمه الله:

الفصل السادس القول في الاستحسان

أنكره الشافعي وأصحابه وكفروا أبا حنيفة في القول به تارة وبدعوه أخرى، وقد قال به مالك.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في تأويله على أربعة أقوال.
وأما أصحاب مالك فلم يكن فيهم قوي الفكر ولا شديد المعارضة يبده إلى الوجود.

وقد تتبعناه في مذهبنا وألفيناه أيضا منقسما أقساماً:
فمنه ترك الدليل للمصلحة، ومنه ترك الدليل للعرف، ومنه ترك الدليل لإجماع أهل المدينة، ومنه ترك الدليل للتيسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق.

مثال الأول: رد الأيمان إلى العرف، ومثال الثاني تضمين الأجير المشترك والدليل يقتضي إنه مؤتمن، ومثال الثالث في إيجاب عموم القيمة على من قطع ذنب بغلة القاضي، ومثال الرابع إجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكبيرة وإجازة بيع وصف في اليسير.

فهذا أنموذج في نظائر الاستحسان، وكل مسألة منه مبينة في موضعها، ذلك لتعلموا أن قول مالك وأصحابه: (استحسن كذا) إنما معناه: وأوثر ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والترخص بمعارضته ما يعارضه في بعض مقتضياته.
فاكتفوا بهذه النبذة حتى تفهموا تفسير الجملة في كتاب التمحيص وغيره إن شاء الله تعالى.

الفصل السابع في ذكر ما يعلل وما لا يعلل من الأحكام

اعلموا وفقكم الله أن الأحكام العقيلة والشرعية على قسمين:
منها ما يعلل ومنها ما لا يعلل.

فأما القول في تعليل الأحكام العقلية فقد بين في موضعه، وأما القول في الأحكام الشرعية فهذا بيانه فنقول:
الغالب في أحكام الشرع اتساقها في نظام التعليل، إلا نبذاً شذت لا يمكن فيها إلا رسم اتباع دون أن يعقل شيء من معناها، ولكن فرض المجتهد إذا جاء حكمٌ وعرضت نازلة أن يلحظ سبيل التعليل ويدخلها في محك السبر والتقسيم، فإن انقدح له معنى مخيل أو ظهر له لامع من تعليل فينبغي له أن يجعله مناط حكمه ويشد عليه نطاق علمه، فإن أبهمت الطريق ولم يتضح له سبيل ولا اتفق، تركَ الحكمَ بحاله وتحقق عدم نظرائه وأشكاله.

ونحن نضرب لك في ذلك ثلاثة أمثلة تتخذونها دستوراً:
المثال الأول العبادات وهي نوع لا يجري فيها تعليل بحال؛ لأنه لا يعقل معناها، بلى إن قياس الشبه يدخلها كقول علمائنا رحمة الله عليهم في الوضوء: عبادةٌ فافتقرت إلى النية كالصلاة، وكقولهم في شهر رمضان إنه عبادة تشتمل على أركان فجاز بنية واحدة، أصله الصلاة.
وكقولهم: إن القِيَم في الزكاة لا تجوز لأنها عبادة فاقتصرت مورد الأمر دون التعليل كالوضوء والصوم، وأمثال ذلك كثيرة.

المثال الثاني: ما يجري فيه التعليل قطعاً، كالبيوع والأنكحة والقصاص والشهادات والوكالات وأمثال ذلك من المعاملات، فهذا كله يجري التعليل ويلحق فيه الفروع بالأصول.

المثال الثالث: وهو نوعان: النوع الأول تعليل أصل بأصل، كتعليل النكاح بالبيوع، فهذا اختلف فيه العلماء فرأى بعضهم إن كل واحد منهما أصل نفسه مقام عن صاحبه في أحكامه معلل فروعه بأصوله وهو الشافعي رحمه الله، ورأى مالك وأبو حنيفة إن كان واحد منهما محمول صاحبه فيما يشتركان فيه في التعليل.
ولقد قال مالك رضي الله عنه النكاح أشبه شيء بالبيوع، ورأى بعضهم: إن كل واحد منهما منفرد بنفسه لكن النكاح أخذ شبهاً من البيوع بما من العوض عن البضع وهو الصداق، وأخذ شيئاً من الصلاة لما يجوز من عقد النكاح دون ذكر العوض وهو الصداق وهذا القول عندي أقوى الأقوال في الدليل، ولعل مالك رحمه الله إليه أشار وإياه عنى بالشبه، وعليه أيضاً يدل كثير من مسائل أصحاب الشافعي فليعول على هذا القول.