المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناقشات مع الفرق المخالفة في مسألة الرؤية



سعيد فودة
18-09-2004, 23:34
بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة الرؤية
مناقشات مع الفِرَق المخالفة
اتفق أهل السنة على أن رؤية الله تعالى جائزة، وخالفهم في ذلك الشيعة والمعتزلة والإباضية، وقال الكرامية والمجسمة بجواز رؤية الله تعالى.
فالحاصل أن رؤية الله قال بها الأشاعرة أهل السنة والكرامية والمجسمة، والاتفاق هذا حاصل على مجرد تصحيح الرؤية مع عدم الاتفاق على معناها ومفهومها وشروطها ولوازمها، كما سيتضح.
وقال الشيعة والمعتزلة والإباضية بنفي الرؤية.
ولم يتفق الأشاعرة والمجسمة والكرامية على معنى الرؤية وحقيقتها والأصول التي بنوا تصحيح الرؤية عليها، فالمجسمة والكرامية بنوا قولهم بذلك على استصحاب أصلهم المعلوم من أن الله - تعالى - جسم وأنه في جهة، والرؤية تحصل بالعين عن طريق مقابلة المرئي في الجهة، ويلزمهم عند اشتراطهم هذه الشروط التشبيه المحض.
وأما الأشاعرة والماتريدية، فقالوا بصحة الرؤية ونفي كون الله تعالى جسماً، ونفي كونه ذا حَدٍّ أو حدودٍ، ولم يقولوا باشتراط الجهة لصحة الرؤية.
فبأدنى تأمل، نعلم علماً قطعياً أن معنى الرؤية عند الأشاعرة ليس عينه عند المجسمة ومَن وافقهم، وبعض الجهلة يعتمدون على اتفاق الأشاعرة والمجسمة والكرامية على أصل صحة الرؤية، فيقول هؤلاء الجهلة بأن حقيقة مذهب الأشاعرة هو التجسيم والتشبيه، وهذا سوء ظنّ منهم، مبني على جهل كما قلنا، ومبني على سوء طوية، فالذي يجب على هؤلاء أن يقولوه عند رؤية كلام الأشاعرة: إن معنى الرؤية عندهم ليس نفس معنى الرؤية عند المجسمة، وهو التحقيق والحق الصريح الذي صرَّح به الأشاعرة.
وأما أن يقولوا بأن الذي يثبت الرؤية يلزمه أن يكون مجسِّماً، فهذا غباءٌ مبني على جهل، ومبني على عدم إعمال القواعد المعتمدة عند العلماء في تحقيق المذاهب.
والمقصود: أن الأشاعرة ما داموا قد صرَّحوا بنفي كون الله جسماً بأقوالهم وبنوا قواعد مذهبهم على ذلك، فلا يصح أن يُلزَموا بما يناقض مذهبهم المصرَّح به خاصة وأنهم بيَّنوا المقصود من معنى الرؤية عندهم.
فبعد هذا لا يصح لواحد أن يقول إن الأشاعرة يلزمهم التشبيه والتجسيم لمجرد إثبات الرؤية.
وسوف يزداد هذا وضوحاً فيما يلي.
هذا الكلام ذكرناه هنا، لأن بعض المتسرّعين من المعتزلة والشيعة والإباضية وبعض الذين جعلوا عقائدهم عبارة عن خليطٍ خاص من مختاراتهم من هذه المذاهب ومن أهوائهم التي حسبوها علوماً ومعارف، اتهموا الأشاعرة بالتجسيم والتشبيه من أجل ذلك، ولهذا نبّهنا إلى غلطهم من ناحية منهجية، وسوف نبطل قولهم إبطالاً فيما يأتي من المباحث.
ولكن العقلاء من الفرق المذكورة لم يتهموا الأشاعرة بهذه التهمة الباطلة، بل كان غاية قولهم منازعتهم في إثبات الرؤية، بل إن بعض أفاضلهم صرَّح بأن حقيقة معنى الرؤية عند الأشاعرة ينفي أصل الخلاف مع المعتزلة والشيعة والإباضية، وبعضهم قال العكس.
وهكذا، فنحن نرى الواحد يتنقل من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال في مثل هذه المسألة.
ولذلك أحببنا أن نناقش بعض المخالفين من الشيعة والمعتزلة والإباضية في هذه المسألة، ونتناول كلاً على حدة؛ لنبيّن اختلاف مناهجهم وصواب وسداد طريقة أهل الحق، وقد ارتأيتُ أن نبدأ بالكلام مع فرقة الشيعة الإماميةونتناول كتاباً من كتبهم المعتمدة لعالِم مشهور عندهم معتَرَفٍ بعلمه وحكمته، فنناقشه في مقولاته واستدلالاته وعباراته.
وإنما اختارنا هذه الطريقة؛ لأن كثيراً من الناس الذين يخوضون في هذه المسألة معارضين لأهل السنة، ممن نعرفهم أو نخاطبهم يدفعهم الهوى والتعصّب وقلة الاطلاع، فكان ينبغي علينا عندما نناقشه أن نعلّمه ونوضّح له حقيقة المذاهب قبل أن نبدأ بإلزامه أو الردّ عليه، وهذا الأمر لازم في كل مناقشة، ولكن قدره يزيد وينقص بحسب جهل أو علم من نتكلم معه، فلذلك ارتأينا أن نتكلم مع واحد عالِم من كل فرقة من هذه الفرق، فالكلام مع العلماء - وإن كان عن طريق الكتب – أليق بالحكماء المدققين الباحثين عن الحق واليقين من المشاغبة والتشغيب مع مَن هو دونهم في العلم.
وندعو الله تعالى أن يوفقنا أجمعين لما فيه الخير.

يتبع.........

سعيد فودة
20-09-2004, 18:19
مع الشيخ جعفر السبحاني في كتاب الإلهيات


هذا الكتاب من الكتب المعتمدة عند الشيعة، ومؤلفه الشيخ جعفر السبحاني مشهود له بالمكانة العالية عندهم، وهذا يبعث على الطمأنينة عندما نتكلم معه ونناقش كلامه، فالأصل أن يكون منضبطاً بضوابط العلم والمعرفة الصحيحة، بعيداً عن المغالطات التي يحبها العوام، وهذا يكون أقرب إلى تحقيق الحق، وأجمع لطرق النقاش والبحث، وأمنع لتشتت الكلام.
وقد تكلم الشيخ السبحاني في كتابه عن مسألة الرؤية تحت عنوان (امتناع رؤية الله سبحانه) الجزء الثاني ص125، طبعة مكتبة التوحيد – قم.
قال الشيخ السبحاني (2/125): "اتفقت العدلية على أنه سبحانه لا يُرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما غيرهم فالكرامية والمجسمة الذين يصفونه سبحانه بالجسم، ويثبتون له الجهة، جوّزوا رؤيته بلا إشكال في الدارين، وأهل الحديث والأشاعرة - مع عدِّ أنفسهم من أهل التنزيه وتحاشيهم عن إثبات الجسمية والجهة له سبحانه – قالوا برؤيته يوم القيامة، وأنه ينكشف للمؤمنين انكشاف القمر ليلة البدر تبعاً لبعض الأحاديث واستظهاراً من بعض الآيات"أ.هـ.
لاحظ أنه يستغرب من مذهب الأشاعرة كيف ينفون الجسم والتحيز والجهة عن الله تعالى، ومع ذلك يقولون بالرؤية، واستغرابه هذا جاء لأنه جعل الرؤية ملازمة للجسمية والتحيّز، وهذا هو المتبادر إلى أذهان عامة الناس، ولكن بقليل من التأمل في كلام الأشاعرة يُعلم أنه يوجد انفكاك بين الرؤية والجسمية، فقد يُثْبِتُ الرؤية مَن ليس مجسِّماً.
وكان ينبغي أن ينبِّه هنا إلى اختلاف مفهوم الرؤية بين الأشاعرة والمجسِّمة ولا يسوقه سوقاً واحداً، وسوف نشير إلى ذلك فيما يلي.
ثم أشار السبحاني إلى اختلاف أقوال الناس حول الرؤية، بحسب ما ذكره الإمام الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين.
ولا داعي لأن نذكر نحن هنا هذه الأقوال؛ لأن بعضها كما وصفه السبحاني (2/126): "من الأقوال السخيفة الساقطة"أ.هـ.
ثم شرع السبحاني في بيان عقائد العدلية في الرؤية، وقال (2/126): "فإن في إثباتها كفاية لردّ سائر الأقوال وبيان وهنها"أ.هـ، ويقصد بالعدلية كما هو ظاهر كل من أثبت أن الله تعالى لا يخالف ما زعموا أنه ثابت في نفسه من العدل والظلم والتحسين والتقبيح، ويشمل هذا الشيعة والمعتزلة ...
وهو يدّعي أن مجرد بيان قول العدلية يكفي لإظهار وَهْن سائر الأقوال وردّها، ولكنه سوف يناقش أدلة الأشاعرة بعد ذلك، وسوف نرى كيف يناقش أدلة الأشاعرة، ونتكلم في بيانه لأقوال العدلية في أدلتهم.
ما هي حقيقة الرؤية
تحت هذا العنوان ذكر السبحاني خلاصة ما يعتقد هو أنه حقيقة الرؤية، فذكر أن الرؤية هي حقيقة عبارة عن انعكاس صورة المرئي على العين، وذلك بواسطة وصول النور إلى العين، ثم تخلله في طبقات العين، ثم تحوّله بعد ذلك إلى تموّجات مناسبة للأشعة، ويتم إرسال هذه التموّجات إلى الدماغ فيحللها ويفسرها ويتعقلها بالشكل والصورة التي نعرفها.
ثم قال في ص 127: "هذا هو واقع الإبصار والرؤية، فيجب أن يكون كل من النفي والإثبات على هذا المعنى الذي كشف عنه جهابذة العلم".أ.هـ.
كذا قال، أما أن هذا هو المعنى الوحيد من الرؤية فهو ما سنناقشه بعد قليل، ولكن قوله: "الذي كشف عنه جهابذة العلم" لا داعي له هنا، فالعلماء المعاصرون وإن كانوا كشفوا عن بعض التفاصيل إلا أن هذه العملية إجمالاً كانت معلومة، فليست معرفتُها متوقفةً على كشف جهابذة العلم !! وكلامه هذا يوهم أن المتقدمين كانوا يتكلمون عن أمرٍ لا يعرفونه، فلما عرف هو حقيقة الرؤية على النحو الذي وضحه كان من الطبيعي أن الذي أثبت الرؤية ونفى التجسيم رأيه باطل من أساسه.
ولكن الأمر ليس كذلك كما قلنا، ولا نستطيع أن نقول مطلقاً بقوله هذا، بل نقول بكل قوة: إن القدر الذي كان معلوماً عند المتقدمين كافٍ للكلام على مسألة الرؤية نفياً وإثباتاً، ولا يتوقف اتخاذ موقف فيها على ما كشفه جهابذة العلم كما قال، وسوف نوضح ذلك لاحقاً.
ثم قال السبحاني في (2/127): "وبذلك يعلم أن تفسير الإبصار ورؤيته سبحانه بالعلم به أو بإدراكه في القلب أو من طريق الشهود خروج عن البحث، ونحن مركزون على إمكان رؤيته بهذه الأبصار التي يملكها كل إنسان؛ لأن هذا هو محطّ البحث بين العدلية والأشاعرة"أ.هـ.
إذن السبحاني يرفض أن تكون الرؤيةُ نوعَ علم، أو نوعَ كشف، بل يصرّ على أن الرؤية حقيقتها ما سبق، فإذا قلنا بالرؤية يجب عنده أن نثبت هذا المعنى الذي ذكره؛ لأنه لا يوجد معنى آخر لها عنده وعند العدلية، وإذا نفيناها فإنما ينفي هو هذا المعنى بالضبط.
والحقيقة أن البحث بهذا الشكل ليس صحيحاً، وبيان ذلك كما يلي:
أولاً نقول: إن المعنى الذي ذكره للرؤية هو عبارة عن انفعال للنفس بما في الخارج بواسطة وسائط وآلات، فالعين تنفعل بالشعاع والدماغ ينفعل بالتموّجات، ثم تحدث الصورة التي يطلق عليها أنها رؤية.
فنحن نسأل سؤالاً هنا، وهو سؤال مهم جداً، بل هو أساس البحث، فنقول: هل الرؤية كاسم يطلق على هذه الانفعالات فقط، أم يطلق على الصورة المدرَكة بعد حصول الانفعالات، أم يطلق على الصورة بشرط الانفعالات، أو على مجموع الصورة والانفعالات؟
من الواضح لدى كل إنسان عاقل يفهم معنى الرؤية أنه يجزم بأن إطلاق اسم الرؤية على مجرد الانفعالات أمر باطل قطعاً، فلو حصلت الانفعالات ولم تحصل الصورة لخلل في العين أو الدماغ أو لسبب آخر، فلا يمكن أن يطلق اسم الرؤية على مجرد الانفعالات.
فيبقى إذن الاحتمالات: أن الرؤية هل هي مجرد الصورة ولو لم تحصل الانفعالات، أو هي الصورة بشرط حصول الانفعالات بالنسق المذكور هنا، أي الذي وضّحه السبحاني.
من الواضح عند أدنى تفكّر أن اسم الرؤية لا بُدَّ فيه من ملاحظة حصول الصورة، ولكن هل يشترط لإطلاق اسم الرؤية كون الصورة مسبوقة بهذه الانفعالات المذكورة أو لا يُشترط ؟
هذا هو بالضبط حقيقة الخلاف بين الأشاعرة والعدلية.
فالعدلية يقولون: كل صورة لم تحصل عن طريق هذه الانفعالات فلا تسمّى رؤية، والأشاعرة يقولون: بل تسمى رؤية وإن لم تسبقها هذه الانفعالات.
فالأصالة للرؤية عند الأشاعرة للصورة وليست الانفعالات جزءاً منها، ويتصورون إمكان حصول الرؤية بلا سبق الانفعالات.
وأما العدلية: فلأنهم لا يتصورون إمكان حصول الصورة إلا بواسطة هذه الانفعالات، فلذلك قالوا بنفي الرؤية، والانفعالات علة عندهم لحصول الرؤية.
فالخلاصة إذن بعبارة أخرى، هل يوجد ترتبات في الوجود الخارجي الحادث بين أمر وأمر آخر، أي هل يوجد في الوجود الخارجي تلازم عقلي بين موجودَين اثنين متغايرَين، بحيث لا يمكن وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، وإنما قلنا بين موجودَين متغايرَين، لأنه لو كان موجوداً واحداً، فالاتفاق حاصل على أنه لا يوجد بدون ذاتياته.
ولكن محل الخلاف بالضبط: هل يمكن أن يكون وجود حادث شرطاً أو علة لوجود حادث آخر، بحيث يستحيل وجود الثاني إلا بوجود الأول، هذا هو حقيقة الخلاف وأصل المسألة.
ومن الواضح أنها راجعة إلى القول بالعلية والمعلولية بين أجزاء العالم الحادث.
وإذا ظهر أن المسألة ترجع لهذا الأصل، فلنوضح رأي الأشاعرة ورأي المخالفين لهم في هذه المسألة الأصلية والتي يتفرع عليها أكثر مسائل علم التوحيد.
فخلاصة رأي الأشاعرة أن الله تعالى هو الخالق بلا واسطة لكل شيء موجود من الموجودات الحادثة، فكل ما في هذا العالم من موجودات فالله تعالى هو الخالق له بلا واسطة، فلا يوجد شيء من الموجودات الخارجية يتوقف في وجوده على وجود شيء آخر، إلا إذا كان جزءاً له أو داخلاً فيه، فلا يكونان متغايرَين منفصلَين حينذاك، والكلام في المتغايرات.
وأما المخالفون من الشيعة ومن وافقهم من المعتزلة والفلاسفة، فيقولون: يوجد ترتب في العالم الحادث بين أفراده، وهذا الترتب هو ترتّب عليٌّ ومعلولي، بمعنى أن بعض الأمور الموجودة في هذا العالم الحادث علة لوجود غيرها، وما دامت علة لها، فلا يمكن وجود المعلول إلا بوجود العلة.
وهكذا إذا كانت الصورة معلولة للانفعالات، فلا يمكن أن توجد الصورة عند العقل أو فيه إلا بوجود الانفعالات، فالانفعالات شرط عقلي لا يمكن تخلّفه.
والأشاعرة يقولون: إن الله تعالى قادرٌ على خلق الصورة بدون الانفعالات المشار إليها، ولذلك فليست الانفعالات شرطاً عقلياً لا يتخلف، بل هي عبارة عن ترتبات عادية وترتيبات حاصلة بإرادة الله تعالى، ولو شاء الله أن لا يجعلها كذلك لقدر.
ولذلك قال الأشاعرة بأن الرؤية حقيقة هي حصول الصورة الإدراكية، وأما مقدماتها الانفعالية فهي شروط عادية يمكن تخلّفها، وما دامت كذلك، فلا يستحيل أن يخلق الله تعالى الصورة بلا خلق الإدراكات الانفعالية التي جعلوها شروطا عقلية كالمقابلة واتصال الشعاع، وغيرها مما جعلوه شرطا عقليا للرؤية كالحد للمرئي، وبالتالي لا يلزم أن يكون من حصل فيه صورة المرئي مواجهاً له، ولا يشترط عقلاً أن يسبق ذلك كله حصول الانفعالات المذكورة، بل لو شاء الله تعالى أن يخلق الصورة مباشرة فإنه قادرٌ على ذلك.
وأما الشيعة ومن وافقوه في هذا الرأي، فقالوا: لا يمكن أن يوجِد الله هذه الصورة إلا بإيجاد الانفعالات، ولا يمكن أن توجد الانفعالات إلا بوجود الجهة والمقابلة وارتطام الشعاع بالمرئي ثم انعكاسه عنه وسقوطه على العين، وهكذا.
وهذا هو حقيقة الخلاف بين الشيعة والعدلية من جهة، وبين الأشاعرة من جهة أخرى، وإذا تأملنا الخلاف بهذا الوضع فإننا نستطيع أن نتبيّن عمق بحث وتحليل الأشاعرة في هذه المسألة، وربطهم لها بأصول العقائد بناءً على ما تحقق لديهم.
وكذلك فالعدلية بنوا هذه المسألة على ما يعتقدونه من كون العلاقة بين الله تعالى وبين الموجودات في هذا العالم علاقة علية ومعلولية، كما يقول الشيعة المتأخرون والفلاسفة، أو مبنية على أن الله تعالى يجب عليه فعل الصلاح، وأن الحسن والقبح أمور ثابتة في نفس الأمر، وأن الله لا يمكن إلا أن يفعل ما هو مقتضى الصلاح والحسن، كما هو رأي المعتزلة.
ومن الظاهر أن رأي المعتزلة والشيعة يعود إلى نفي كون الله تعالى مختاراً، أي أنهم ينفون كون الله تعالى متصفاً بالإرادة كما هو متصف بالعلم والقدرة، فالإرادة عندهم هي عين الفعل أو راجعة إليه، فالإرادة من صفات الأفعال لا الذات، وهو في الحقيقة نفي للإرادة لا إثبات لها.
هذا هو حقيقة الأمر وأصوله الكبرى.

سعيد فودة
22-09-2004, 15:28
ولنرجع قليلاً إلى مسألة الرؤية:

إن من يعلم مذهب الأشاعرة يعلم أنهم يرجعون الرؤية إلى الإدراك، أي إلى نوع إدراك، فمن أرجع الرؤية عندهم إلى العلم، فالحاصل أنه لا خلاف بينه وبين غيره من حيث الحقيقة، ومخالفة الشيعة والمعتزلة لهم غير مبنية على أساس، والفرق بينهم في التدقيقات كنحو القول: هل يجوز أن نحصل على زيادة علم بالله تعالى أم لا يمكن ذلك سواء في الدنيا أم في الآخرة، فالأشاعرة يقولون: نعم هذا جائز، وغيرهم يقول لا، ولو جاز فلا يسمى رؤية، والأشاعرة يقولون: يسمى رؤية؛ لأن هذا هو حقيقة الرؤية.
بل حقيقة الرؤية عندهم هو علم حاصل في الإنسان في عينه بالترتيب العادي المذكور سابقاً، ويمكن أن يخلقه الله مباشرة في النفس، ولكن تسميته بالرؤية لأن العادة جرت على خلقه في العين ولو بلا واسطة الانفعالات، فكل إدراك وعلم حصل للإنسان عن طريق الترتبات العادية المذكورة فيسمى رؤية وإن كان بخلق الله تعالى مباشرة.
وكون العين آلة، فهذا للعادة التي خلقها الله تعالى وليس لأن العين سبب وعلة للرؤية، وأما القائلون بوجود صفة زائدة على العلم اسمها البصر، فالمذهب بناءً على ذلك واضح.
إذن وبعد هذا التوضيح نقول:
الخلاصة إن الأشاعرة لم يسلموا أن الرؤية هي حصول الإدراك بشرط الانفعال المذكور، بل قالوا هو مجرد حصول الإدراك، والشيعة ومن وافقهم قالوا باشتراط الإدراك بالانفعالات المذكورة، بناءً منهم على العلية والمعلولية والتولد والحسن والقبح العقليين. ويبقى الأمر عند الأشاعرة في إطلاق اسم الرؤية بناء على ما وضحناه.
ويتضح لنا أن قول السبحاني بأن مَن فسر الرؤية بالعلم أو بالكشف أو نفى اشتراطهما بهذه الانفعالات ووصفه إياهم بأنهم خارجون عن محل النزاع، مجرد مصادرة على المطلوب، فالمطلوب أساساً تحقيق هذه المسألة أي معرفة هل الرؤية تطلق على هذا المعنى أو على ذاك.
فالشيخ السبحاني صادَرَ على أساس المسألة، واعتبر أنه لا تطلق الرؤية إلا على ما قاله، ولذلك حَكَمَ بهذا الحكم كما ترى، ووقع في الغلط.

وأما الفرق بين قول الأشاعرة وقول المجسمة، فهو كما يلي:

إن المجسمة انطلقوا من نفس المقدمات التي قررها الشيعة والمعتزلة من أنه لا يمكن حصول الرؤية إلا بالانفعال والمواجهة وكون المرئي في جهة ومحدوداً .. إلخ، والمجسمة لما كانوا يقولون بأن الله في جهة ومحدود ... إلخ، لم يلزمهم نفي الرؤية كما فعل المعتزلة والشيعة، ولم يلزمهم تحقيق معنى الرؤية وتجريدها عن شروطها العادية كما فعل الأشاعرة، فالحاصل أن المجسمة والكرامية قالوا بكل ما قال به الشيعة والمعتزلة في شروط أجزاء الرؤية، والتزموا اللوازم التي فرَّ منها هؤلاء.
وأما الأشاعرة فقد عرفنا قولهم، وهو إثبات الرؤية على ما وضحناه، ونفي لوازم التجسيم والتحديد والتشبيه.
فهذه هي خلاصة هذه المسألة أتينا بها إليك من أصولها.

ونكمل الآن مناقشة كلام السبحاني:

استدل السبحاني على نفي الرؤية بقوله (2/127): "إن الرؤية إنما تصح لمن كان مقابلاً أو في حكم المقابل".أهـ. وبما أن الله تعالى ليس في جهة ولا حدَّ له، فيستحيل رؤيته، وقد بيّنا نحن أن الرؤية هي نفس الإدراك الحاصل لا بشرط الانفعالات والمقابلة والحدّ، وبناءً على ذلك فلا يلزمنا القول باستحالة الرؤية، وأما قوله بعد ذلك بأن الرؤية "إذا أريد بها غير حقيقتها مما يعبر عنه بالإدراك العلمي والشهود القلبي ... فهو حينئذٍ خارج عن محط البحث ومجال النزاع"أ.هـ.
نقول: الرؤية عبارة عن إدراك معين، وتحقيق كون الرؤية كذلك هو أصل النزاع كما سبق تحقيقه، بل هو أصل المسألة، وادعاء كونه خارجاً عن محل النزاع وحصر الرؤية في الرؤية الحسية المشروطة بالشروط العادية عبارة عن مصادرة على المطلوب.
وقد ساق أدلة أخرى راجعة إلى نفس الأساس، منها لزوم كون المرئي محدوداً متناهياً، ولزوم كونه جسماً ذا أبعاد، وفي جهة، ثم قال: "فروح الأدلة الأربعة يرجع إلى أمر واحد، وهو أن تجويز رؤيته معناه كونه سبحانه موجوداً متحيزاً ومحدوداً وذا جهة وعوارض جسمانية وقابلاً للإشارة، وكل ذلك مستحيل، فتكون النتيجة امتناع وقوع الرؤية عليه".أ.هـ.
وكلامه في رجوع هذه الأدلة إلى حرفٍ واحد صحيح، ولذلك فجوابنا عن جميعها واحدٌ أيضاً، وهو أن الرؤية لا تستلزم هذه اللوازم، وإنما هذه شروط عادية لا عقلية، والرؤية إدراك يخلقه الله مباشرة بلا واسطة ولا اشتراط مقابلة ولا حدّ ولا جهة، فإذا سلم ذلك، فلا وجه لامتناع القول بها مع ورود الشريعة بها.
ثم قال السبحاني مقرراً أدلته: "ومبادئ هذه البراهين أمور بديهية حسية يكفي في تصديقها تصور القضايا بموضوعاتها ومحمولاتها ونسبها".أ.هـ.
وكلامه هذا ليس صحيحاً، فقد رأينا أنها ليست بدهية، بل ظاهرية، وأنها تحت النقد والتحليل العقلي تنحل وتكون سراباً بقيعة، والاعتماد على ظواهر الأمور كما يفضي بها إلينا الحس من دون نقد ليس من عادة المحصلين ولا الناقدين المحققين، وكثير من إشكالات الفرق المخالفة إنما وقعوا فيها من هذا الباب.
وحاصل الكلام:
إن الرؤية الحسية المشروطة بالحس والمقابلة واتصال الشعاع مستحيلة على الله، ولا نسلّم أن هذا المعنى هو حقيقة الرؤية، وأما حصول إدراك زائد على ما حصلنا عليه بواسطة النظر العقلي والتفكير في العالم، فهذا ليس بمستحيل سواء خلقه الله تعالى في العين ثم أدركناه بعقولنا أو خلقه الله مباشرة في النفس، وهذا هو حقيقة الرؤية، ولا وجه للقول بامتناعها على هذا النحو.


يتبع.......

سعيد فودة
23-09-2004, 08:56
محاولة فاشلة:

لقد وصف السبحاني بهذا العنوان بعض الأقوال التي نقلها عن الأشاعرة، وحاصل ما قاله تحت هذا العنوان إن الأشاعرة لما رأوا أن الرؤية تفضي إلى القول بالتجسيم، وكان القول بالتجسيم محالاً ممتنعاً، حاولوا تصحيح مقولتهم بثبوت وجواز الرؤية بلا لزوم التجسيم بوجوه خارجة عن محل النزاع، كما قال السبحاني.
والحقيقة أن قول السبحاني مصادرة على المطلوب كما قلنا، لأن النزاع أصلاً: هل لا يمكن تحقيق الرؤية إلا على النحو الحسي المستلزم للجهة والحدّ، أم لا؟ فهو ومَنْ وافقه قال نعم لا يمكن إلا هذا الوجه وهذا المعنى، واستدلالهم مبني على ما يحسون به وادعوا أن هذا بديهي، والحقيقة أنه من الظواهر الحسية والعقل ينفي كونها بديهية، فالحس لا يدل إلا على الوقوع، ولا يدل على الاستحالة، وكلامنا في الامتناع.
وكذلك فالعقل دلّ على أنه لا خالق إلا الله، وأنه يخلق بلا واسطة، ولا توجد علل وترتبات بين الموجودات الحادثة، هذا عند الأشاعرة.
وأما عند المخالفين، فقالوا بالعلية والمعلولية والترتبات المذكورة، ولذلك لزمهم نفي الرؤية، ولا شك أن القول بالعلية والمعلولية والترتبات على النحو الذي ادعوه هم ليس من البديهيات ولا من الحسيات، بل لا يمكن إثباته إلا بالنظر الدقيق، ولا نسلمه لهم، بل نعارضه بعد إبطاله بنظر أقوى منه.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يقول السبحاني إن الأشاعرة يتفلتون من هذه المحاذير؟ لمَ لا يقول: إنهم حققوا أن للرؤية معنيين، الأول على ما جرت عليه العادة وهو المعنى الحسي، وقد منعه الأشاعرة، والثاني المجرد عن الشروط العادية، وقد قالوا به، ولا يستلزم الجسمية ولا الحد.
وليس هذا مجرد محاولة تخريج للقول أو خروج عن محل النزاع، بل هو تحقيق لنفس المسألة، ولكن الشيخ السبحاني لم يقل ذلك، ولو قاله لدلّ على إنصافه، ويمكن بعد ذلك أن يخالفهم في نفس هذا الرأي لو شاء، ولكن الإنصاف مطلوب منه ولم يفعله، بل بادر - كما هي عادتهم - إلى اتهام الأشاعرة بالتلفيق.
وقد نقل السبحاني قول الشهرستاني في بيان أن مذهب المعتزلة شرط الرؤية بتلك الشروط المستلزمة للحدّ والجهة: "ونفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة، والأشعري أثبتها إثبات الجواز على الإطلاق، والوجوب بحكم الوعد".أ.هـ.
وهذه الكلمة نقلها عن الشهرستاني في نهاية الاقدام، ص356، وعلق السبحاني عليها بأن الرؤية الحسية هي الرؤية المعلومة، وهي محالة لما تستلزمه من الحد، ثم قال (2/129): "وأما ما يدعيه العرفاء وأهل الكشف والشهود خارج عن محط البحث"أ.هـ. وهذا الكلام يُكثر السبحاني من تكراره، وقد بينا لك أن هذا مجرد مغالطة منه ومصادرة على المطلوب، فالمدار مبني على أن الصورة الإدراكية هل تسمى رؤية أم لا، وقد ثبت بالنصوص واستعمال اللغة أنها تسمى بالرؤية، فالإنكار بعد ذلك تحكّم.
وهذا كما لو ورد الشرع بنسبة اليد إلى الله تعالى، والمتبادر إلى الذهن من اليد هي الجارحة، والجارحة مستحيلة على الله تعالى، فهل ننكر أصل النسبة أم نبحث عن معنى آخر لليد يصح بناءً عليه نسبتها لله، لا شك أن الصحيح هو الطريق الثاني، فالمعنى الموجود في اللغة يصحح إطلاق اليد وإرادة القدرة والمعونة، وإطلاق هذا المعنى على الله لا ضرر فيه.
وكذلك لما وردت نسبة الرؤية إلى الله تعالى، وكان المتبادر منها الرؤية الحسية، وهذه محالة على الله تعالى، بحثنا في اللغة عن معنى آخر وتحقيق لمفهوم الرؤية، فقلنا إنها حالة إدراكية أعلى مما تحصل عليه بواسطة النظر، وهذا جائز على الله تعالى، أي يجوز أن نعلم من كمالات الله تعالى أكثر مما نعلمه عن طريق النظر العقلي، فنحمل الرؤية على هذا القدر، وننفي اللوازم الحسية، وهذا هو الذي فعله الأشاعرة، بحيث لا يلزمهم نفي نص وارد في الشريعة صحيح النسبة، ولا يلزمهم مخالفة ولا معارضة المقطوع به عقلاً على الله تعالى من تنزيهه عن الجسمية والحدود والجهات.
فأين الإشكال في هذا المذهب، بل إن المنصف لا يرى فيه إلا كل إتقان وإبداع ...
ثم نقل السبحاني كلاماً عن العلامة القوشجي في شرح التجريد، فقال (2/129): "قال الفاضل القوشجي بعد شرح معنى الرؤية إما بالارتسام أو خروج شعاع: "إنا إذا عرفنا الشمس مثلاً بحد أو رسم، كان نوعاً من المعرفة، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين كان نوعاً آخر فوق الأول، ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأولين نسميه الرؤية، ولا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان.
فمحل النزاع أن مثل هذه الحالة الإدراكية يصح أن تقع بدون المقابلة وتتعلق بذات الله منزهة عن الجهة والمكان أولاً" أ.هـ.
وعلق السبحاني على هذا الكلام قائلاً (2/130): "إن تمني الرؤية والإبصار بغير المقابلة والجهة مع تحققها بالعيون والأبصار أشبه بتمني وجود الشيء مع التأكيد على عدمه".أهـ.
يريد السبحاني بهذا التعليق الحكم على كلام القوشجي بالتناقض، فهل كلام القوشجي فيه تناقض حقاً كما يريد السبحاني إيهام ذلك ؟!
والحقيقة أنه بأدنى نظر نتبيّن أنه لا يوجد تناقض داخلي في كلام القوشجي، بل التناقض ناتج عن أن السبحاني ألزم القوشجي بناءً على مذهبه هو لا مذهب القوشجي، وبيان ذلك: أن القوشجي يقول بإمكان خلق الإدراك مع عدم وجود الاتصال والحد والجهة وغير ذلك، وهو بناءً على ذلك يقول إذا حصل لنا إدراك علمي بمستوى معين، فهل يمكن أن يحصل لنا إدراك علمي بمستوى أعلى منه ونسميه الرؤية كما نسمي إبصارنا للشمس رؤية، هذا هو حاصل كلام العلامة القوشجي، ولا يوجد تناقض.
ولكن السبحاني يعتقد في نفسه أنه لا يوجد رؤية إلا باتصال شعاع ومقابلة وجهة، فلما سمع القوشجي يقول برؤية بدون تلك الأمور ألزمه بطلب وتمني الرؤية والإبصار مع عدم تحققها بالأبصار مع أنها عند السبحاني لا تحصل إلا بالأبصار، وظاهر أن هذا الإلزام لا يلزم، لأنه إلزام مركب على مذهب الملزِم، وليست كل مقدماته يسلم بها القوشجي كما هو ظاهر.
فتبين لنا أن لا داعي للاستغراب من هذا الكلام.
والحقيقة أنه لو تمَّ التدقيق قليلاً في كلام القوشجي لوصل المعارض إلى أغلب الحل والجواب عن الإشكالات التي تمنعه من القول بالرؤية جوازاً.
وتوضيح ذلك: أننا يمكن أن نعلم الشيء بالنظر والرسم والحد، ثم يمكن أن نعلمه بمشاهدته بالإبصار، ومعلوم تفاوت هاتين الدرجتين من العلم، ومعلوم أن حقيقة اللون مثلاً المشاهَد بالعين والأبصار لا يمكن إدراكها إلا بالعين، أي لا يمكن إدراك حقيقة اللون عن طريق النظر العقلي والاستدلال، وعلمنا باللون وإن توقف عادة على البصر واتصال الشعاع، إلا أنه أقوى من علمنا بالشيء بمجرد النظر العقلي، فتحقق لنا إذن مستويان من العلم، فالسؤال هنا: هل يستحيل عقلاً أن يحصل لنا علمٌ بالله تعالى بدرجة أعلى من الدرجة التي حصلنا عليها عن طريق النظر العقلي والبحث في الأخبار، بحيث تسمى هذه الدرجة من العلم بالنسبة لما حصَّلناه رؤية؟
إن الذي يفهم المسألة على هذا النحو يجزم بلا تردد بعدم امتناع هذه الدرجة من العلم، خاصة إذا أرجعنا حصولها إلى إرادة الله تعالى وقدرته المحيطة بكل الممكنات كما يقول الأشاعرة.
وإذا صحَّ ذلك، فلا يبقى هناك وجه للقول باستحالة الرؤية خاصة إذا لاحظنا ورود الأحاديث وورود بعض الآيات الدالة على إمكان الرؤية لله تعالى.
فحكم العقل بالإمكان، مع ورود النصوص الشرعية، يكفيان للجزم بجواز هذه المسألة، أعني رؤية الله تعالى، ويتوقف ثبوتها وحصولها في الآخرة أو في الدنيا على ثبوت سند الروايات الواردة بذلك، فلا تناقض مطلقاً في مذهب الأشاعرة، وليس مذهباً ملفقاً كما يقول المعتزلة والشيعة وأنصاف الفلاسفة وغيرهم، بل هو مذهب مبني على التحقيق العميق في العقليات والنظر الدقيق مع احترام نصوص الشريعة وعدم إهمال شيء منها.
ثم قال الشيخ السبحاني (2/130): "ومَن أمعن النظر في كتب الأشاعرة خصوصاً القدامى منهم، وبالأخص كتب أهل الحديث والحنابلة يرى أنهم يفرون من هذه المحاولات ولا يرون لها قيمة في أوساطهم، وهم يتمسكون بالروايات وما استظهروه من الآيات ويحكمون بالرؤية الحقيقية كرؤية القمر.
قال الشيخ الأشعري في الإبانة: "وندين بأن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
وقال في اللمع: "إن قال قائل: لم قلتم إنّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس قيل له: قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه لا يلزم في القول بجواز الرؤية".أهـ. انتهى كلام السبحاني.
وما ذكره من أن المتقدمين كالأشعري لم تكن تعجبهم هذا المذهب الذي سماه السبحاني محاولات، يقصد محاولات لتخريج الرؤية وصرفها عن التشبيه والتجسيم، والسبحاني يدعي أن هؤلاء المتقدمين كانوا يقولون بظاهر الأحاديث ويثبتون الرؤية الحقيقية، وقد عرفنا نحن أن مراد السبحاني بالرؤية الحقيقية الرؤية الحسية المستلزمة للجهة والحد والمقابلة والشعاع والانفعال، وهذه الرؤية لم يقل بها الأشاعرة مطلقاً لا المتقدمون منهم ولا المتأخرون، وحتى الإمام الأشعري لم يقل بذلك ولا أحد من تلامذته. بل مذهب على طول العصور واحد وهو ما بيّناه سابقاً.
وأما الكلام الذي نقله عن الإمام الأشعري من الإبانة فلا يستلزم الجهة والحد وإثبات الرؤية الحسية مطلقاً، لأن الإمام الأشعري يقول إن الله تعالى يخلق الرؤية مباشرة في الأبصار دون أن يستلزم ذلك كون الله في جهة وبلا اشتراط شعاع، فهو خلق مباشر من الله تعالى للإدراك المسمى بالرؤية في الأبصار، ولا إشكال في ذلك كما علم في دقيق الكلام، وبعضهم قال: يخلقها الله تعالى في النفس مباشرة وبعضهم في الوجه، وهذا مبني عندهم على أن الإدراك لا يشترط فيه البنية، وهي مسألة معروفة، والحجة في ذلك الأصل الكبير الذي نبهنا إليه سابقاً، وهو أن الله تعالى خالق للأشياء بلا واسطة، ولا يوجد علية ولا معلولية بين الموجودات الخارجية في هذا العالم.
وقد علم عند الجميع أن تشبيه الرؤية برؤية البدر إنما هو من حيث الوضوح والتميز وعدم الشك في كون المرئي هو الله تعالى، وليس المقصود هو رؤية الله في جهة ولا غير ذلك، لذلك قال النبي: "لا تضامون في رؤيته"، و"ليس بينكم وبينه سحاب"، وغير ذلك مما يدل على جهة الشبه في الرؤية وهي الوضوح والتميز.
وأما النص الذي نقله السبحاني عن الإمام الأشعري من كتاب اللمع، فهو صريح فيما قلناه من نفي الحد والمقابلة والجهة، لا في إثباتها كما يريد السبحاني أن يدعيه، ودليل ذلك أن الأشعري قال: "لأن ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه لا يلزم في القول بجواز الرؤية".أهـ. هذا هو كلامه الذي نقله السبحاني نفسه، ولو سأل نفسه: ما هو الذي يستحيل على الله تعالى لعرف أن الذي يستحيل عليه تعالى ولا يجوز أن يوصف به هو الحد والتجسيم والجهة وسقوط الشعاع، وغير ذلك مما جعله السبحاني جزءاً من الرؤية أو علة لها، كما سبق بيانه، فالإمام الأشعري لا يجعل شيئاً من ذلك شرطاً ولا علة، بل يقول إن الله يقدر على خلق الإدراك الذي هو الرؤية بلا تقدم هذه الأمور، لأن هذه كلها شروط عادية، تترتب بخلق الله وإرادته ولا يوجبها العقل لحصول الرؤية.
هذا هو ما يقول به الإمام الأشعري، وهذا هو معنى كلامه، ولا يحتاج الواحد إلى عميق فكر ونظر حتى يعرف معناه، ولكنا قلنا إن السبحاني بنى جهات من كلامه على مجرد مغالطات ومصادرات على المطلوب.
وبذلك، يكون العنوان الذي عنون به السبحاني هذه الفقرات، وهو "محاولة فاشلة" وصفاً لائقاً بكلامه هو لا بما توهم أنه فعَلَهُ الأشاعرة كما قال.
وبعد أن بيّنا بطلان كلام السبحاني في هذا الموضع وعدم اتساقه، نكتفي بذكر بعض كلام الإمام أبي الحسن الأشعري كما ذكره عنه الإمام ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري، ص82، قال: "وكان يجيب عن سؤال من يسأله في ذلك "كيف يُرى؟" أن هذا لا يخلو من أن يكون سؤالاً عن كيفية الرؤية أو عن كيفية الرائي أو عن كيفية المرئي، فإن كان سؤالاً عن كيفية الرؤية، فإن شيئاً من الأعراض لا كيفية لها، بل الكيفية نوع من الأعراض، وهي التركيب والهيئة، وإن كان سؤالاً عن كيفية المرئي فلا كيفية له؛ لأنه ليس بأجزاء مركَّبة، ويقول: [هذا كما تحيلون أنتم ونحن كلامَ من يسأل فيقول: كيف يُعلم؟ والجواب: أنه يُرى بلا كيفية له كما يُعْلَمُ بلا كيفية له]"أ.هـ.
وهذا الكلام واضح في نفي الحدّ والجهة وما زعم السبحاني أنه لا ينفك عن الرؤية.
وقد نقل عنه الإمام ابن فورك كلاماً كثيراً في تحقيق مذهبه، وكله يبطل ما ينسبه إليه الشيخ السبحاني، وكان يكفي السبحاني مجرد مراجعة هذا الكتاب ليمسك عن كتابة ما كتبه، بل لعمر الحق كان يكفيه مجرد التأمل في نفس العبارات التي نقلها هو من كتاب اللمع للإمام الأشعري ليعرف أنها لا تدل على ما زعمه، والكلام في هذا المعنى أكثر من ذلك لا حاجة إليه بعد اتضاح الحق.

يتبع .......

سعيد فودة
24-09-2004, 23:08
الأدلة العقلية للقائلين بالجواز:
ناقش الشيخ جعفر السبحاني بعض أدلة الجواز عند من قال بذلك، وسوف نتعقبه نحن في كلامه وننقد بعض ما فيه اختلال.
قال السبحاني (2/131): "إن الشيخ الأشعري استدل على جواز الرؤية بوجوه عقلية نقتطف منها وجهين:
الأول: قال: "ليس في جواز الرؤية إثبات حَدَثٍ، لأن المرئي لم يكن مرئياً، لأنه محدث ولو كان مرئياً لذلك للزمه أن يرى كل محدث، وذلك باطل عنده"، كذا نقله السبحاني في كتابه، والحقيقة أنني عندما رأيت هذا النقل عرفت أن فيه غلطاً ما، فرجعت إلى كتاب اللمع للأشعري وتصحيح العبارة من كتاب اللمع ص61 كما يلي: "وليس في جواز الرؤية إثبات حَدَث، لأن المرئي لم يكن مرئياً لأنه محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزمهم أن يرى كل محدث، وذلك باطل عندهم".أهـ.
وقبل ذلك قال: "إن قال قائل: لم قلتم إن رؤية الله تعالى بالأبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له: قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به الباري ويستحيل عليه فإنما لا يجوز لأن في تجويزه إثبات حدثه، او إثبات حدث معنى فيه، أو تشبيهه أو تجنيسه أو قلبه عن حقيقته أو تجويزه أو تظليمه أو تكذيبه، وليس في جواز الرؤية إثبات حدث، لأن المرئي ...إلخ"أ.هـ.
هذا هو كلام الإمام الأشعري، ومن الواضح أنه يستدل على جواز الرؤية بأن الرؤية حاصلة في الرائي لا في المرئي، ولا تستلزم حصول معنى حادث في المرئي، فإذا كانت كذلك، فالأصل القول بجوازها، إذ العقل لا يمنع ذلك إلا إذا كانت هناك موانع منه، والموانع التي يذكرونها من استلزام الحيز والجهة والحد، بيّنا نحن أنها غير لازمة لأن معنى الرؤية حصول الصورة أو الإدراك في البصر، وهذا الأمر يمكن بقدرة الله تعالى بلا واسطة، فالأصل بقاؤها في حيز الجواز عند العقل.
وهذا الاستدلال جيد وتام، لأن الأصل عدم الحكم على الأمر بالامتناع إلا لسبب، فإن عرفنا مانعاً قلنا به، وإن عرفنا موجباً قلنا به، وإلا بقي الأمر على مطلق الجواز، والجواز كما هو معلوم إما أن يكون بمعنى عدم المانع، وإما أن يكون بمعنى الحكم بالصحة.
وبالمعنى الأول إما أن يكون لعدم العلم بالمانع، وإما أن يكون للعلم بعدم المانع، فعلى الثاني يرجع إلى القول بالصحة والجواز بالمعنى الأخص، وأما بالمعنى الأول وهو عدم العلم بالمانع فلا يكفي الاستناد إليه في أحكام الألوهية، إلا إذا انضم مع ذلك ورود الشريعة بإطلاق الرؤية، فيكون مرجحاً ومبيناً لعدم المانع.
هذا هو مقصود الإمام أبي الحسن الأشعري، بل هذا هو معنى كلامه، فلننظر الآن كيف علق الشيخ جعفر السبحاني على هذا الكلام، قال (2/131): "إن الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية، حتى تلزم رؤية كل محدث، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط التي أشرنا إليها، وبما أن بعضها غير متوفر في الموجودات المجردة المحدثة، لا تقع عليها الرؤية".أهـ.
هكذا علق هذا الشيخ المحقق الجهبذ على كلام الأشعري، والناظر في معنى كلامه يعلم علماً يقينياً أنه لم يفهم كلام الأشعري كما وضحناه أعلاه، بل ظن السبحاني أن الأشعري يقول إن شرط الرؤية حدوث المرئي، فعارضه السبحاني بأن قال: بعض الحوادث لا ترى، فالحدوث ليس شرطاً كافياً أي سبباً للرؤية، ومعلوم أن هذا الكلام دالّ على عدم فهم عبارة الأشعري ولا طريقة استدلاله ولا على ماذا يستدل.
فقد قلنا إن الأشعري يستدل على مجرد الجواز، وكلامه صحيح، وهو لا يستدل على الوقوع فضلاً على لزوم الوقوع حتى يعارض بهذا الكلام، والأشعري يتكلم عن عدم لزوم حصول معنى حادث في ذات المرئي عند الرؤية، ولا يتحدث عن كون الحدوث شرطاً للرؤية، وفرق بين هذا وذاك، بل هو رحمه الله نفى بكلامه أن تكون الرؤية سبباً لحدوث المرئي خلافاً لما قاله السبحاني.
والحقيقة أنني تعجبتُ عندما رأيتُ هذا التخبط في كلام السبحاني.
ولنكمل ما قاله السبحاني، قال (2/131): "الثاني قال: "ليس في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيهاً".
وأكمل قائلا:"يلاحظ عليه: إن حقيقة الرؤية قائمة بالمقابلة أو ما في حكمها، وهي لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان، وهو يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان، فأي تشبيه أظهر من ذلك، وكيف يقول: إن تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه ؟! ما هكذا تورَد يا سعدُ الإبل" أ.هـ.
هذا كلام السبحاني، والحقيقة أنني كلما قرأت له كلاماً أزدادُ تعجباً منه ومن كلامه، فها هو مرة أخرى يلزم الأشاعرة باستعمال مقدمات لا يسلّمون هم بها، فإنه يقول إن الرؤية لا تحصل إلا بحدّ ومقابلة وجهة، ويلزمهم بناءً على ذلك بثبوت ذلك لله تعالى عند القول بصحة رؤيته، وهو يعلم – أي السبحاني – علماً تاماً أن الأشاعرة يقولون بعدم وجود التلازم بين الرؤية وبين هذه الأمور التي تستلزم التشبيه، فلا يصح له إلزامهم بالتشبيه مطلقاً، بل يكون ذلك كذباً عليهم وإلزاماً لهم بما صرحوا بنفيه، ويكون مغالطة محضة، وقد ارتكبها السبحاني عدة مرات كما رأينا، ووجه المغالطة أنه يعتمد في إلزامهم على مقدمات ينكرونها، ثم هذا ليس دليلاً خاصاً، بل هو تكملة للاستدلال السابق على الجواز فعدّه دليلاً ثانياً مغالطة أخرى من السبحاني.
وأما قوله بعد ذلك: "ما هكذا تورَد يا سعدُ الإبل"، ففيه سوء أدب غير خافٍ، فما هكذا يخاطب الأشعري ومَن هو في مقامه.
وقد اعتاد السبحاني -هداه الله- أن يبني كلامه على ما يتوهمه، ولذلك لما اعتقد صواب انتقاده السابق للإمام الأشعري بنى عليه، ولما نظر في كتب المتأخرين من الأشاعرة ورأى أنهم يقولون بأن المصحح للرؤية هو الوجود تحقيقاً لقول الأشعري، ظنَّ أن هذا عبارة عن محاولة أخرى منهم لترقيع المذهب الذي فهمه هو عن الأشعري، وظنه منهم دليلاً جديداً، ولم يراجع نفسه فيحتمل خطأ كلامه السابق كما بيّناه، ولذلك قال (2/131): "ثم إن أئمة الأشاعرة في العصور المتأخرة لما وقفوا على وَهن الدليلين السابقين ؟! عدلوا إلى دليل عقلي آخر، وحاصله أنَّ مِلاك الرؤية والمصحح لها أمر مشترك بين الواجب وغيره، قالوا: إن الرؤية مشتركة بين الجوهر والعَرَض، ولا بدّ للرؤية المشتركة من علة واحدة، وهي إما الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصلح للعلية؛ لأنه أمر عدمي فتعين الوجود، فينتج أن صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن".
وهذا الدليل - مع أنه لم يتم عند المفكرين من الأشاعرة - ظاهرُ الضعف؛ إذ لقائل أن يقول: إن الجهة المشتركة للرؤية في الجوهر والعرض ليس هو الوجود بما هو وجود، بل الوجود المقيد بعدة قيود، وهو كونه ممكنا ًمادياً يقع في إطار شرائط خاصة، كشف عنها العلم في تحقيق الرؤية، فإن الإبصار رهن ظروف خاصة، وادعاء كون المِلاك هو الوجود بما هو وجود غفلة عما يثبته الحسُّ والتجربة"أ.هـ.
هذا هو كلام السبحاني وتعليقه على استدلال الأشعري العقلي.
والحقيقة أنه قد جانب الصواب في هذا التعليق أيضاً، وذلك لما يلي:
أولاً: إن القول بأن المصحح للرؤية هو الوجود ثابت النسبة إلى الإمام الأشعري، وليس هو من مخترعات المتأخرين، وبالتالي فلم يخترعه المتأخرون ليحاولوا تعديل فساد الأدلة التي نسبها السبحاني إلى الأشعري، فقد رأينا أن السبحاني لم يفهم حقيقة قول الأشعري وأنه نسب إليه استدلالات لا يقول بها.
ثانياً: مع أن الأشعري يقول إن المصحح للرؤية هو الوجود، فقد اشتهر عند الأشاعرة أن الكثير منهم لم يوافقوه في هذا القول بل خالفوه فيه، وبالتالي فإن الأشاعرة أنفسهم هم الذين نقدوا كلام الأشعري ولم ينتظروا الشيخ السبحاني حتى يبين لهم ضعف هذا الاستدلال.
ثالثاً: ولكن يبقى إدخال السبحاني العلوم المتأخرة في قوله: "كشف عنها العلم في تحقيق الرؤية .. إلخ"، فقد تبين لنا أن هذا ما هو إلا مجرد مبالغات واستعارة لبعض الألفاظ التي لا تفيد في هذا المقام، فقد علمنا أن بحوث العلم المعاصرة لم تزد على أن وضحت تفاصيل هذا الانفعال، ولكن معرفة كونه انفعالاً معلوم منذ مئات السنين، ولم يكن العلماء جاهلين بذلك القدر، والعلم بهذا القدر يكفي لبناء الأدلة العقلية كما هو معلوم.
رابعاً: لا مدخلية للتجربة والحس ههنا في تحديد معنى الرؤية، بل يحتاج ذلك إلى نوع نظر، وتمسك السبحاني بمجرد البناء على الظاهر من الحس مصادرة على المطلوب كما قدمناه.
ثم قال السبحاني في (2/132): "والعجب من هؤلاء كيف يدعون أن المصحح للرؤية هو الوجود مع أنّ لازمه صحة رؤية الأفكار والعقائد والروحيات والنفسانيات كالقدرة والإرداة وغير ذلك من الأمور الروحية الوجودية التي لا تقع في مجال الرؤية"أ.هـ.
والجواب: كل ما هو موجود يصح أن يدرك بهذا المعنى الذي وضحناه لأنه علم خاصٌّ أو زيادة علم وإدراك، ولا نمنع إمكان رؤية ما ذكره، غاية الأمر أن مجال الرؤية الحاصل للمخلوقات محصور ومقيد بحدود معينة، ولكن هذا لا يستلزم الامتناع، غاية ما يستلزمه عدم رؤيتها بالفعل، وعدم الرؤية بالفعل لا يستلزم عدم الإمكان، وكلامنا أصلاً في الإمكان.
فظهر بذلك أن لا دليل في كلام السبحاني يتم له، وكثير من كلامه مبني على مغالطات ومصادرات على المطلوب.
وبهذا الكلام نكون قد انتهينا من مناقشة ما أورده السبحاني في مسألة الرؤية، ونفيها، وأما مناقشته للاستدلالات النقلية لمن أثبت الرؤية فسوف نذكرها في محلها إن شاء الله تعالى.

يتبع........

خالد محمد بوشافع
25-09-2004, 12:53
فضيلة الشيخ سعيد أشكل علي أمر
كنت أقرأ في تعليقات (للموافقات الإمام الشاطبي)لأحد المنتمين للسلفية و هو يرد على أئمتنا(أمثال الإمام النووي و المازري و اين السيد ) في شرح قوله :الله نور .....

فهل النور كما يقول - مستشهدا بقول ابن تبمية و السعدي و ابن قيم- حسي و معنوي و أنه تعالى بذاته نور؟؟
أريد المزيد من الإيضاح يا شيخنا.

بالنسبة للدورة لقد أرسلت لكم رسالة خاصة
و نفعنا الله بعلمكم

سعيد فودة
26-09-2004, 13:23
إرجاع القول بالرؤية إلى اليهود والنصارى

ولم يذكر السبحاني أي دليل نقلي على عدم الرؤية ونفيها إلا من خلال مناقشته لأدلة المثبتين، ثم بعد ذلك أرجع مسألة إثبات الرؤية إلى اليهود والنصارى، وادعى أنها تسربت إلى من قال بها من المسلمين منهم، ودسُّوها عليهم فقال (2/139): "والقائلون بالرؤية من المسلمين وإن استندوا إلى الكتاب والسنة ودليل العقل، لكن غالب الظن أن القول بها تسرب إلى أوساطهم من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان، وربما صاروا مصدراً لبعض الأحاديث في المقام وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها واستدعاء الأدلة عليها من العقل والنقل"أ.هـ.
فها هو الشيخ السبحاني يتهم من قال بالرؤية بأنه استمد ذلك من اليهود والنصارى، ويكاد يصرح، بل يصرح بأن الأحاديث التي تثبت الرؤية إسرائيليات محضة، وأن مَن أثبت الرؤية قد وقع ضحية هذه اللعبة من اليهود والنصارى حتى جعل يستدعي أدلة من القرآن.
هذا هو تصوّر السبحاني وتصور الخليلي في كتاب الحق الدامغ كما سنرى عن أحوال الذين أثبتوا الرؤية، لم يفرقوا بين واحد منهم.
ومن الواضح أن هذا الكلام يمكن أن ينعكس عليهم؛ لأن بعض اليهود كانوا يقولون بنفي الرؤية كما هو معلوم، فلِمَ لا يقال: إن مَنْ نفى الرؤية كان متأثراً بهؤلاء ؟! واستمدها منهم ؟! خاصة أنه لا يوجد حديث واحد ينفي الرؤية صراحة، وإن توهموا دلالة بعض الأحاديث على ذلك، كما سيأتي بيانه، مع أنه يوجد أحاديث عديدة تثبتها صراحة، ولو كانت اليهود تثبتها والإسلام ينفيها لنبه النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى ذلك، ولو ببعض الأحاديث كما نبه المسلمين على غير ذلك مما يخالف الإسلامُ فيه اليهود والنصارى.
ثم هذه الآيات التي يستدل بها المثبتون للرؤية، هل دُسَّت دلالتها أيضاً في القرآن؟! هل يمكن القول إن اليهود استطاعوا دسَّ هذه الدلالات على الرؤية، وإن قال عنها السبحاني والمخالفُ إنها ظنية ولا تفيد اليقين، هل دسّوها أيضاً في القرآن؟!
إننا نريد القول بأن هذا الأسلوب من مناقشة الأفكار أسلوب هابط وباطل، ولا يمكن تجويز القول به إلا بأدلة صريحة واضحة، ولا يمكن طرد ذلك في كل مسألة يحصل فيها خلاف، فيرمي كل واحد من المسلمين مخالفه بأنه يتبع اليهود والنصارى.
وأما الأدلة النقلية التي يعتمد عليها السبحاني وغيره من النفاة، فسوف نناقش استدلالهم بها في محله.



يتبع ......

سعيد فودة
28-09-2004, 12:00
مع القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة

القاضي عبد الجبار من كبار المعتزلة، وكتابه هذا من أهم الكتب الموجودة الآن للمعتزلة، وسوف نناقشه في كلامه على نفي الرؤية من الناحية العقلية وما يتعلق بذلك، وأما مناقشة الاستدلالات النقلية على الرؤية ونفي الرؤية فسوف نرجئها إلى محلّها.
قال القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة، ص232: "ومما يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية، وهذه مسألة خلاف بين الناس، وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنما يتحقق بيننا وبين هؤلاء الأشعرية الذين لا يكيفون الرؤية، فأما المجسمة فهم يسلمون أن الله تعالى لو لم يكن جسماً لما صحَّ أن يُرى، ونحن نسلم لهم أن الله تعالى لو كان جسماً لصحَّ أن يُرى، والكلام معهم في هذه المسألة لغوٌ"أ.هـ.
إذن المعتزلة يوافقون المجسمة في أصل الرؤية، أي في معناها وماهيتها، ولكن لما كان المعتزلة ينزهون الله تعالى عن الجسمية، فقد نفوا الرؤية؛ لأن الرؤية تستلزم الجسمية، ولما كان المجسمة يعتقدون الجسمية لله تعالى والحق والجهة، أثبتوا الرؤية، ومحل الاتفاق بين المعتزلة والمجسمة إنما هو على الرؤية الحسيّة المستلزمة للجهة والتحيّز والمكان للمرئي وللاتصال بالشعاع، إلى آخر ما ذكره السبحاني ووضحناه عنه.
وقد صرَّح القاضي عبد الجبار بأن الخلاف إنما يصح بينهم، أي المعتزلة وبين الأشاعرة، ولا يصح نصبه بينهم وبين المجسمة من هذه الجهة، وأصل الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة إنما هو في المعنى الذي وضحناه سابقاً، وهو هل يمكن حصول الرؤية وهي الإدراك الزائد على العلم المتوصل إليه بالنظر العقلي، من دون اتصال شعاع ولا مقابلة، إلى آخر ذلك.
فالأشاعرة أجازوا ذلك، لأنهم يعتقدون أن الله تعالى على كل شيء قدير، وهو فاعل مختار، يمكن أن يخلق هذا الإدراك بدون خلق ما يسبقه عادة، وذلك لأن الشروط غير المشروط، وإذا كانت الشروط عادية فيمكن عدم وجودها بالكلية مع وجود المشروط بها، هذا هو معنى الشرط العادي، وكلام الأشاعرة بناءً على ذلك صحيح لا غبار عليه، ولا تناقض فيه.
وحاصل كلام الأشاعرة أن حقيقة الرؤية هي الإدراك الحاصل بخلق الله تعالى في المدرك، وأما الشروط التي يتكلم المخالفون عليها ويجعلونها أسباباً وعللاً للرؤية، ولا يتصورون حصول الرؤية إلا بحصولها، فإنما هي أسباب عادية يمكن تخلفها، ولا أثر لها مطلقاً في إيجاد الرؤية ولا في حصولها، بل الأمر مجرد ترتب عادي، ومعنى ذلك الترتب أن الله تعالى خلق الكون على هذا النحو من الترتيب، وعلى الإنسان إذا أراد أن يكتسب إدراك الرؤية أن يتبع هذه الشروط العادية، فهذه الشروط شروط لما خلقه الله تعالى في حركاته وسعيه، فهي عبارة عن النظام الذي ارتضاه الله تعالى للمخلوقات وعلى الإنسان أن يتقيد بها في محالِّها ليترتب له ما جعله الله مترتباً عليها، وليست هذه الشروط شروطاً لفعل الله تعالى ولا لقدرته، وحقيقة قول المعتزلة أنهم جعلوها شروطاً لنفس القدرة الإلهية، وفي هذا ما فيه من القول بتعجيز الله تعالى عن أن يخلق الرؤية بلا توسط الأسباب العادية، وإذا عرف الإنسان ذلك وصرح به، فإنه يقترب من إنكار التوحيد، فليحرص القراء على إدراك هذه المسألة بهذا النحو؛ لكي يعرفوا مدى دقة وحرص علماء أهل السنة في التدقيق في الأمور والتحقيق فيها.
هذه كانت كالمقدمة لمناقشة القاضي عبد الجبار، ثم ذكر القاضي كلاماً فيه فوائد وفيه مصائب وبلايا، يحسن بنا أن ننبه إليه ونوضح ما فيه، قبل أن نكمل مناقشتنا لاستدلالاته العقلية.
قال القاضي عبد الجبار ص233: "ويمكن أن نستدل على هذه المسألة بالعقل والسمع جميعاً، لأن صحة السمع لا تقف عليها، وكل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها ممكن، ولهذا جوزنا الاستدلال بالسمع على كونه حياً، لما لم تقف صحة السمع عليها"أ.هـ.
هذا القسم الأول من كلامه، وقد صرح بهذه القاعدة التي ذكرها علماؤنا من الأشاعرة أيضاً، فقالوا: كل ما يتوقف ثبوت السمع عليه، فلا يصح الاستدلال عليه بالسمع، كوجود الله وكونه قادراً وعالماً مريداً، وقد ضبطنا هذا في حاشيتنا على صغرى الصغرى وفي ما قلناه في شرح كلام العضد على ابن الحاجب الأصولي، بما إذا كان كلامنا مع المخالفين لأصل الدين والمنكرين لرب العالمين، فلا يصح الاستدلال على وجود الله تعالى للمنكر لوجوده بقوله تعالى: "قل هو الله أحد" أو غيرها من الآيات القرآنية، لأن هذا الذي لا يعلم وجود الله أو ينكره، كيف يسلم بالقرآن الذي لا يثبت إلا إذا أثبتنا وجود الله تعالى؛ ولذلك وجب أن نستدل عليه بالعقل حال مخاطبتنا المخالفين في الأصول.
وأما إذا كان كلامنا مع الموحِّدين، والمؤمنين، فلنا أن نستدل على قدرة الله تعالى بنفس القرآن، لأن القرآن حجة عليه وكل ما في القرآن حجة سواء كان آيات تتكلم عن أحكام عقائدية أم أحكام عملية، والفرق أن هذا الموَحِّدُ مؤمن بصدق القرآن، فيجوز الاستدلال له ومنه بما في القرآن، وكذلك يجوز الاستدلال بالإجماع على كون الله قديراً للموحدين؛ لأن الإجماع حجة نقلية، فحكمه حكم الحجج النقلية.
وهذا التقييد من توضيحاتي التي أرجو الإصابة فيها.
بقي ما في كلام القاضي عبد الجبار من اعتبار صفة الحياة يصح الاستدلال عليها بالسمع، فهذا خلاف ما عليه أئمتنا الأشاعرة، فالدليل عليها عقلي، فلا عالم إلا حي، ويستحيل التصديق بعالم غير حي، فهي من الصفات التي يستدل عليها بالعقل على حسب التفصيل السابق.
ثم قال القاضي ص233: "يبين ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعاً حكيماً وإن لم يخطر بباله أنه هل يُرى أم لا، ولهذا لم نكفر مَن خالفنا في هذه المسألة لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلاً بذاته ولا بشيء من صفاته، ولهذا جوّزنا في قوله تعالى: "رب أرني أنظر إليك" أن يكون سؤال موسى عليه السلام سؤالاً لنفسه، لأن المرئي ليس له بكونه مرئياً حالة وصفة، وعلى هذا لم نجهِّل شيخنا أبا علي بالأكوان، حيث قال إنها مدركة بالبصر".أهـ.
نعم، ما قاله القاضي عبد الجبار عن أن مسألة الرؤية لا يتوقف عليها إثبات وجود الله ولا ثبوت الشريعة، صحيح، وبناءً على ذلك، فإن المسألة تندرج من حيث الطرق التي يصح الاستدلال عليها بها في القاعدة السابقة التي وضحناها.
ولكن تأمل في باقي كلامه، فهو يصرح بأن من لا يعرف أن الله لا يُرى، ليس بجاهل بالله العظيم؟! وهو يقصد فقط أنه لا يترتب على جهله بالرؤية الشك في كون الله تعالى صانعاً حكيماً، فهو يقول: إن من علم كون الله صانعاً حكيماً وجهل كونه يرى أو لا يُرى، فلا يعود هذا بالضرر على كونه عالماً بالله.
وبناءً على ذلك، فهو يقول: لا ضرر من الاعتقاد بأن سيدنا موسى عليه السلام كان جاهلاً بهذا الحكم، أي كون الله لا يرى، بل ربما لا يَرى إشكالاً في اعتقاد سيدنا موسى عليه السلام جواز رؤيته، لأن ظاهر كلامه عليه السلام يدل على أنه يعتقد جواز الرؤية.
فهذه إشكالية كبيرة يقع فيها المعتزلة، ويحاولون التملص منها بادعاء أن هذا الأمر لا يضر بكون الجاهل به عالماً بالله تعالى.
ولكن الحقيقة الواضحة التي لا يستطيع أحد إنكارها، هي أن الجاهل بكون الله لا يُرى على حسب مذهب المعتزلة، يجب أن يكون جاهلاً بأن الله منزه عن الجسمية والجهة والحد وغير ذلك، وهذا كله داخل في التوحيد عندهم، وهو أصل من أصول الدين فيلزم جهل سيدنا موسى عليه السلام - بناءً على مذهب المعتزلة - بهذا كله.
وهذا لازم قبيح جداً، وهم يعلمون أنه لازم لهم، ولكن يحاولون التملص من الحكم المترتب عليه بأن يقولوا: الجاهل بعدم صحة الرؤية، لا يستلزم ذلك كونه جاهلاً بالله العالم الصانع، فنقول: نعم قد لا يستلزم ذلك، ولكن يستلزم جهله بكون الله منزهاً عن الجهة والحد والمكان كما بيناه.
وبيان اللزوم أنهم ادعوا أنه لا توجد رؤية إلا بكون المرئي في جهة وكونه ذا حدود ومكان .. إلخ، وإذا قيل إن الله يُرى، يلزم كون الله في جهة وفي مكان وله حدود، وهذا باطل، والعلم بالرؤية بالمعنى الذي يدعونه بديهي ضروري، وحسيٌّ كما صرح به الشيخ السبحاني كما نقلناه عنه.
فيلزم إذن أن يكون موسى عليه السلام جاهلاً إما بمعنى الرؤية الضروري، أو جاهلاً بكون الله منزهاً عن الحدّ والجهة والمكان، وكلا اللازمين قبيح.
ويبدو أن القاضي عبد الجبار يلتزم كون موسى جاهلاً من هذه الجهة، ولكن هذا عنده لا يستلزم كونه جاهلاً بالله العالم الصانع، أي بالله من حيث هو عالم صانع.
وهذا صحيح، إذا صحّ عند المعتزلة جسم قديم خالق، وهم لا يصححون ذلك، بل ينفونه.
ونحن نقول تحقيقا: إذا قالت المعتزلة بأن الجاهل باستحالة الرؤية لا يلزمه الجهل بالله تعالى العالم الصانع، فإننا نقول بل يلزمه على التحقيق، وذلك لأن المعتقد بصحة الرؤية عندهم ، يعتقد بأن الله تعالى جسم أو متحيز، لاستلزام الرؤية ذلك عندهم، والمعتقد بأن الله تعالى جسم، يستلزم إثبات جسم قديم أولا، وهذا قبيح. ويلزمه مخالفة ما تقرر عند العقلاء من أن الجسم لا يخلق أجساما، فالإله إذا كان جسما فيستحيل أن يخلق أجساما، ولذلك فيستحيل أن يكون صانعا، وهذا يخالف ادعاء القاضي عبد الجبار بأنه لا يستلزم إنكار العالم الصانع. بل تبين لنا أن يخالفه ويعارضه!!
فقد اتضح إذن أن المعتزلة يلزمهم قبائح عديدة لا يستطيعون التملص منها.
ولهذا الأمر، فقد جاء علماؤنا الأشاعرة وقالوا: إن معنى الرؤية ليس مستلزماً للحد والمكان والجهة كما وضحنا، وطلب الرؤية واعتقادها أي القول بصحتها لا يستلزم الجهل بالله تعالى، ولا إثبات الحد والجهة والحيز له جلَّ شأنه، ولا يستلزم ذلك كون سيدنا موسى عليه السلام جاهلاً مطلقاً لا بالله ولا بالأمر الضروري، بل موسى عليه السلام ما طلب إلا أمراً ممكناً ولو كان محالاً لما طلبه. وهذا الكلام والتخريج والتحقيق للمسألة بهذه الصورة لا يتم إلا بناءً على مذهب السادة الأشاعرة والماتريدية أهل السنة.
وسوف يأتي لهذا كله مزيد توضيح عند مناقشة الأدلة النقلية، ونشرع الآن في مناقشة القاضي عبد الجبار في استدلالاته العقلية ومناقشته العقلية للمخالفين.


يتبع..........

سعيد فودة
03-10-2004, 23:07
استدلالات القاضي عبد الجبار العقلية على نفي الرؤية

ذكر عدة أدلة على حسب اعتقاده تنفي جواز الرؤية، وسوف نذكر هذه الأدلة دليلاً دليلاً، ثم نعلق عليها وإن كان في كلامنا نوع تكرار، إلا أنا نرجو أن لا يخلو من فائدة.
قال القاضي عبد الجبار (2/248): "دلالة المقابلة: وتحريرها أن الواحد منا راءٍ بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل.
وهذه الدلالة مبنية على أصول، أحدها: أن الواحد منا راءٍ بالحاسة، والثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، والثالث: أن القديم تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل"أ.هـ.
إذن الدلالة الأولى التي اعتمد القاضي والمعتزلة عليها هي دلالة المقابلة، وهي التي أشار إليها السبحاني سابقاً، وحاصلها أن الرؤية لا يمكن أن تحصل إلا إذا كان المرئي في جهة من الرائي، وإذا لم يكن كذلك فيستحيل رؤيته، وقد بيّنا نحن على أصول الأشاعرة أن هذه الشروط أعني المقابلة والحد ..إلخ عبارة عن شروط عادية لا عقلية، بمعنى أن هذه الشروط حتى لو انعدمت فيمكن حصول الرؤية، وذلك لأنا أرجعنا الرؤية إلى قدرة الله تعالى على خلق الإدراك مباشرة في الحاسة أو في محل الإدراك، فالخالق بالفعل هو الله تعالى لا الحاسة ولا الضوء ولا غير ذلك، بل هذه عبارة عن شروط عادية يمكن تخلّفها.
ولما اشترط المعتزلة هذا الشرط أحالوا رؤية الله تعالى؛ لأن الله ليس في جهة ولا حيز، وكون الله تعالى ليس متحيزاً ولا في جهة وافقهم عليه أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وخالفوهم في اشتراط الرؤية بالمقابلة والشعاع واتصاله بالمرئي ..إلخ.
فدليل المقابلة إذن لا يلزم إلا المعتزلة ومن قال بقولهم، والأشاعرة لم يقولوا بقولهم كما علمت.
ولنكمل الآن قراءة كلام القاضي ونعلق عليه، قال: "أما الأول، فالذي يدل عليه أن أحدنا متى كان له حاسة صحيحة والموانع مرتفعة والمدرك موجود، يجب أن يرى، ومتى لم يكن كذلك استحالة أن يرى، فيجب أن يكون لصحة الحاسة في ذلك تأثير؛ لأن بهذه الطريقة يعلم تأثير المؤثرات من الأسباب والعلل والشروط.
وأما الكلام في أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل، هو أن الشيء متى كان مقابلاً للرائي بالحاسة أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل، وَجَبَ أن يرى، وإذا لم يكن مقابلاً ولا حالاً في المقابل، ولا في حكم المقابل لم يُرَ، فيجب أن تكون المقابلة أو ما في حكمها شرطاً في الرؤية لأن بهذه الطريقة يعلم تأثير الشرط"أ.هـ.
هذه هي طريق الاستدلال عند المعتزلة، وما يقولونه صحيح في حكم العادة فقط، أما مع ملاحظة الأدلة العقلية الدالة على أن الله تعالى خالق كل شيء، فيجب تخصيص كلامهم وتقييده بذلك، ثم إن كلام القاضي عبد الجبار مبني على وجود العلل الخارجية بين المخلوقات الحادثة، وأن هذه العلل شروط في الوجود إذا انعدمت يستحيل وجود ما يترتب عليها، وهذا هو الأصل الذي لفتنا النظر إليه في أول كلامنا مع الشيخ جعفر السبحاني، ومعلوم أن هذا الأمر، وهو الاعتراف بوجود العلل الداخلية للوجود الحادث، لا يجوز أن يعتبر بديهياً، فالأشاعرة خالفوا فيه، وبنوا نظرتهم إلى الكون على أساس نفيه وعدم القول به، ثم هذا الأصل الذي يقول به المعتزلة ومَن وافقهم ينافي كون الله تعالى خالق كلِّ شيء، فالحاصل أن من يقول بقول المعتزلة في نفي الرؤية يجب عليه أن يعلم أنه يجب أن يقول بكل هذه اللوازم والأقوال، وإلا فهو غير قائل بقول المعتزلة، بل هو موافق لهم في النتيجة فقط، وأما في المذهب المتألف من الحكم والنتيجة مع طريقة الاستدلال التي توضح حقيقة نظرتهم إلى هذا الوجود وحقيقة اعتقادهم في الله تعالى، فإذا لم يوافقهم في هذا كله فلا يصح له أن يزعم أنه موافق للمعتزلة.
ولا خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في كون الله منزهاً من الحد والجهة والمكان، ولذلك لا نتكلم مع القاضي فيما يتعلق بهذا المعنى، لأن محل الخلاف بالضبط أن الله مع كونه منزهاً عن الحد والمقابلة والجهة كيف يمكن حصول رؤيته.
قال القاضي عبد الجبار ص250: "فإن قيل: أليس أن الله تعالى يرى الواحد منا، وإن لم يكن مقابلاً له ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل، فهلا جاز في الواحد منا أن يرى الشيء وإن لم يكن مقابلاً له ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل؟
قيل له: إنما وجبت هذه القضية في القديم تعالى؛ لأنه لا يجوز أن يكون رائياً بالحاسة والواحد منا راءٍ بالحاسة، فلا يعلم أن يرى إلا كذلك"أ.هـ.
وهذه فقرة في غاية الأهمية، وقد أورد القاضي عبد الجبار الاعتراض وأجاب عليه، ونحن سنعيد بيان هذا الاعتراض، ونتكلم على جواب القاضي.
حاصل الإيراد سؤال وإلزام موجَّه من الأشاعرة الذين يثبتون الرؤية مع تنزيه الله تعالى عن الجهة والمقابلة، ويردون بهذا السؤال عن الزعم الذي يزعمه المعتزلة من أن الرؤية يلزمها الحد والجهة، فيقولون للمعتزلة: إذا قلتم إننا عندما نثبت رؤية الله يلزمنا إثبات كونه محدوداً وفي جهة، وأن علة هذا اللزوم هو أن الرؤية نفسها تستلزم ذلك، فيلزمكم مثل ذلك في حق الله، ألا تقولون إن الله تعالى يرى المخلوقات، ومع رؤيته للمخلوقات لا يلزم كونه في جهة منها ولا متحيزاً ولا محدوداً، فإذا صحَّ ذلك فكيف تزعمون أن الرؤية يلزمها الجهة والحدّ، وأن هذا التلازم عقلي، والتلازم العقلي لا يتخلف شاهداً وغائباً، فلماذا نراكم منعتم ذلك في حق الله وتقولون به في حق العباد.
هذا هو حاصل السؤال، وهو قويٌّ كما ترون، وأجاب القاضي كما يلي: قال إن الرؤية الحاصلة للإنسان إنما تحصل له بحسٍّ، وأما الله تعالى فلا يرى بحاسة، ولذلك يرانا بلا لزوم الجهة والحدّ والمقابلة وغير ذلك.
وهذا الجواب يعود بالنقض على أصل المعتزلة كما سنبين، فالمعتزلة أساساً يقولون: لا رؤية إلا بمقابلة وحسٍّ وحدّ ومكان، وهم قد نفوا ما قالته الأشاعرة من إمكان تعقل رؤية بلا هذه اللوازم، ولكنا نراهم الآن يقولون بأن الله تعالى يرى ورؤيته بلا حسٍّ ولا مقابلة.
إذن يعترف القاضي عبد الجبار بمفهومين من الرؤية.
الأول: رؤية بحسٍّ، أي رؤية حاصلة عن الإحساس ومقابلة وحدّ. الثاني: رؤية بلا حسٍّ، أي حاصلة بلا إحساس ولا مقابلة ولا حدّ.
وهو يجيز تسمية المعنى الثاني رؤية، ولكنه يحصره في الله تعالى، ويقول: لا يمكن أن تحصل الرؤية للإنسان إلا بالحسّ.
وكلامه ينبني على الفرق بين الرؤية والحس، فالحس هو سبب وآلة الرؤية عندنا ولا سبب ولا آلة للرؤية في حق الله.
وهذا الكلام صحيح، ولكن يلزم منه هدم مذهب المعتزلة من أساسه، فإذا قالوا إن الرؤية معنى واحد، وأن الحسّ آلة لها وسبب لها للمخلوقات، فيرجع الخلاف بينهم وبين الأشاعرة إلى الأصل الكبير الذي نبهنا إليه أولاً، وهو مسألة التلازم العلي والمعلولي بين الحوادث، بحيث يقول المعتزلة: إن الرؤية لا يمكن أن تحصل وتوجد للمخلوق إلا بواسطة الإحساس.
والحقيقة أن من يتأمل في هذا الكلام يجده ضعيفاً جداً، فإذا جزم المعتزلة أن الرؤية غير الحس، وأن الحس آلة للرؤية، وأثبتوا لله أنه يرى، إذن الرؤية يمكن أن تقع بلا حسّ ولا مقابلة.
أليس هذا نقضاً للأصل الذي وضعوه من إحالة الرؤية إلا بمقابلة.
إن هذا الكلام في الحقيقة وعند التأمل الصادق يُظهر كم هم المعتزلة متحكمون في استدلالهم واستنباطهم وطريقة تفكيرهم!! ويكفي العاقل الالتفات إلى هذا المعنى للحكم بضعف مذهبهم.
ومن جهة أخرى: فإن القول بالعلل والمعلولات، أو التولد، لا يصح، ولا يقول به إلا المعتزلة ومن وافقهم، وأما الأشاعرة فلا يلتزمون به ولا يقولون به كما وضحناه.
وأيضاً، كيف يمكن لعاقل أن يدعي صحة القول بأن الحس غير الرؤية بل هو آلتها وشرطها، ثم يثبت الرؤية لله بلا هذا الشرط، مع قوله بأن هذا الشرط عقلي، وهل العقليات تتخلف وتنقض؟!
وما أَدْرَى المعتزلة أن الإنسان لا يمكن أن يرى إلا بالحاسة، وكيف حكموا على الله تعالى بأنه لا يقدر على خلق الرؤية في الإنسان بدون حاسة في الإنسان ولا شعاع ولا مقابلة؟! ألا يستطيع الله جلَّ شأنه أن يوجد هذا المعنى الذي سميتموه رؤيةً إلا عن طريق توسط الحسّ، أليس هذا حدَّاً لقدرة الله تعالى وتعجيزاً له؟!
إذن يتبين لنا أن الأصول التي بنى عليها المعتزلة هذا الجواب أصول باطلة وغير مسلّمة ولا تلزم خصومهم.
والأشاعرة لا يلزمهم مطلقاً ما يريده المعتزلة.
فظهر قوة هذا الإشكال، وضعف وتناقض جواب القاضي عبد الجبار، أما ضعفه فبالنظر إلى المقدمات التي يعتمد عليها من التولد أو العلة والمعلول، وأما تناقضه فمع ما قرَّره المعتزلة من معنى الرؤية كما مضى.


يتبع .......

سعيد فودة
08-10-2004, 21:31
والمعتزلة يصرحون بأن الرؤية في المخلوق لا يمكن أن تحصل إلا بحسٍّ أي بتوسط الآلات، ووجودها بلا هذه الآلات مستحيل، والله لا يقدر على خلقها كذلك، قال القاضي ص250: "لأنا قد بيّنا أن الواحد منّا متى كانت حاسته صحيحة والمرئي بهذه الأوصاف وجب أن يراه، ومتى لم يكن كذلك لم يصحّ أن يراه، فدلا على أنه إنما يرى ما يراه بالحاسة"أ.هـ.
وهذا الكلام أتى به لينقض كلام الأشاعرة القائلين بأن الله تعالى يخلق الرؤية في العبد مباشرة، ولو بلا توسط هذه الحواس، ويستحيل بالطبع للقاضي أن يوافق الأشاعرة على هذا وإلا هدم مذهبه كله، ولكن تناقض مع قوله بمعنى قريب من ذلك كما مرَّ في رؤية الله تعالى للمخلوقات.
ويظهر للناظر مدى قوة استدلالات الأشاعرة عندما جعلوا كل هذه الشروط والحواس مجرد أسباب عادية، لا عقلية، بمعنى أنها يمكن أن تتخلف بإرادة الله تعالى، ومذهبهم موافق لكون الله تعالى قادراً على كل شيء، ولا يلزم عنه تعجيز لله عن خلق بعض الممكنات.
كما لا يلزمهم مناقضة ظواهر القرآن والسنة، ولا نسبة الجهل بالله تعالى من هذه الجهة إلى أحد الأنبياء أولي العزم من الرسل.
ثم قال القاضي عبد الجبار ص250: "ويمكن إيراد هذه الدلالة على وجه آخر لا يلزمنا هذا السؤال، فيقال: إن أحدنا إنما يرى الشيء عند شرطين: أحدهما يرجع إلى الرائي، والآخر يرجع إلى المرئي.
ما يرجع إلى الرائي فهو صحة الحاسة، وما يرجع إلى المرئي هو أن يكون للمرئي مع الرائي حكم، وذلك الحكم هو أن يكون مقابلاً أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل.
وإذا أوردته على هذا الوجه سقط عنك هذا السؤال"أ.هـ.
كذا قال القاضي عبد الجبار، وهو قاضي المعتزلة المشهور، وحكمه هنا باطل؛ لأن السؤال باقٍ وتغيير صيغته وإعادة ترتيب مقدماته لا يفيد، فيبقى السؤال، وهو: أن الله تعالى يرى المخلوقات، ولا يوجد حكم المقابلة ولا الجهة للمخلوقات بالنسبة لله تعالى.
إذن فقد انخرم شرط من الشروط ولم يؤثر هذا في عدم الرؤية، وكذلك نقول: إن الرائي هنا وهو الله تعالى ليس له حاسة، إذن قد انخرم الشرطان معاً، ومع ذلك حصلت الرؤية، فهذان الشرطان باطلان.
ولما أحس القاضي عبد الجبار بضعف كلامه هنا قال: "على أن هذا السؤال الذي أورده ينبني على أن الإدراك معنى، وسنبين الكلام في أن الإدراك ليس بمعنى إن شاء الله تعالى"أ.هـ.
إذن هو يحاول التملص من هذا الإشكال بهذا الكلام وحاصله عدم التسليم بأن الرؤية معنى راجع إلى الإدراك، بل هو راجع إلى العلم، والاتفاق حاصل على أن الله عالم بالمخلوقات.
هكذا يقترح القاضي أن يكون الجواب، ولكن هذا لا يزيل الإشكال، لأن هذا يستلزم أن العلم من حيثية معينة يسمى رؤية، فلماذا تنكر المعتزلة والمخالفون حصول قدر زائد من العلم الحاصل عندنا بالله تعالى، بحيث يسمى هذا القدر الزائد رؤية، خاصة وأنه قد جرى تسميته كذلك في ظواهر الكتاب والسنة، ولا يمنع منه مانع بعد أن تبين أن جميع الشروط التي اقترحوها لا تطرد لهم؟!
وهذا الكلام يعلم صحته وقوته كل من يفهمه.
وبعد أن انتهى القاضي عبد الجبار من الكلام على المعنى السابق، شرع في الكلام على كون هذه الشروط عادية وليست عقلية، وهو قول الأشاعرة، فلننظر كيف يحاول القاضي الردّ على هذا المذهب.
قال القاضي عبد الجبار ص231: "فإن قيل: ما أنكرتم أن أحدنا إنما لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً له، أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، لأنه تعالى أجرى العادة بذلك، فلا يمتنع أن يختلف الحال فيه، فيرى القديم جل وعزّ في دار الآخرة"أ.هـ.
وهذا وجه من وجوه استدلال الأشاعرة كما مرّ، ونزيده توضيحاً ووضوحاً، فنقول: إذا اعتبرنا أيَّ أمرين موجودين متلازمين، فهذا التلازم إما أن يكون تلازماً عقلياً يستحيل انفكاكه وقطعه، أو يكون تلازماً عادياً، غايته أنه ما دام هذا التلازم في الأزمان من دون موجب داخلي بين الأمرين الموجودين يوجب بذاته التلازم، يعني لا توجد علاقة العلية بينهما، حتى يستحيل انفصال التلازم بينهما، بل التلازم والمصاحبة حاصلة بينهما بخلق الله تعالى وإرادته، وإذا صحَّ هذا، فنقول: ما تنكرون أن تكون العلاقة والترتب المشاهَد بين الحس (المؤلف من العضو وانعكاس الشعاع عليه وكون المرئي في جهة وذا حدود) والرؤية (وهي الإدراك الحاصل عقيب الحس) مجرد علاقة مبنية على التلازم والترتب العادي، وما هو الموجب لكونها عقلية وواجبة وجوباً ذاتياً، بحيث لا يمكن انفكاكهما، أي لا يتصور حصول أحدهما إلا بحصول الآخر، فإذا كانت عادية يجوز أن يخلق الله الرؤية بلا مقابلة ولا حسّ.
هذا هو حاصل توضيح السؤال، وهو سؤال قويٌّ كما يُلاحَظُ، فلننظر كيف يرد القاضي عليه!
قال القاضي في ص251: "قيل له: إن ما يكون بمجرى العادة يجوز اختلاف الحال فيه، ألا ترى أن الحرَّ والبرد والثلج والمطر لما كان بمجرى العادة اختلف بحسب البلدان والأهوية، فكان يجب مثله في مسألتنا لو كان ذلك بالعادة، فيجب صحة أن يرى الشيء أحدنا وإن لم يكن مقابلاً له ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل في بعض الحالات، لاختلاف العادة"أ.هـ.
هذا هو المقطع الأول من جواب القاضي، وحاصله أن ما بالعادة يجوز تخلفه، وهذا صحيح، بل هذا هو ما يقول به الأشاعرة في رؤية الله تعالى، ولكن حكم الجواز الذي هو من توابع العادة لا محل للاختلاف فيه، ويوجد فرق بين الجواز وبين الوقوع، أي لا يوجد فرق بين جواز التخلف لما هو بالعادة، وبين حصول هذا التخلف بالفعل، ومثال القاضي الذي أتى به أعني الثلج والمطر، يُفهم منه اشتراطه لوقوع التخلف عادة، أي كثرة التخلف كما تختلف الأحوال بين ثلج ومطر في البلدان بحسب اختلاف المناخ، ولكن كثرة التخلف ليست شرطاً مطلقاً في هذا الباب، بل الكافي في هذا المقام، هو أصل التخلف ويكفي في ذلك حصوله مرة واحدة، وهو ما يدعيه الأشاعرة، ويقولون به في رؤية الله تعالى، وفي رؤية النبي عليه السلام من ورائه كما يرى مِنْ أمامه، ثم فوق هذا نقول: لو وقع التخلف مرة واحدة، فهذا يدل على أن التلازم عاديٌّ، هذا صحيح، فالوقوع دليل الإمكان، ولكن لا يصح مطلقاً أن يقال إن التخلف إذا لم يقع ولا مرة واحدة، فهذا دليل على عدم الإمكان، أي دليل على كون الأمر ليس بالعادة بل التلازم واجب ولا يتصور انفكاكه، بل غاية ما يمكن أن يقال هنا: إن الإمكان دليله العقل مطلقاً، وهذا هو المقصود بأن الترتبات كلها عادية، وقد اكتفينا بملاحظة التخلف في بعض الحوادث منها، ولم نحتج إلى رؤيته في كل نوعٍ نوعٍ من أنواع الحوادث، وأيضاً فلما دلَّ العقل على أن الله تعالى خالق كل شيء بلا واسطة، كان هذا الدليل العقلي العام دليلاً على أن كل ارتباط بين موجودين حادثين فهذا الارتباط حاصلٌ بإرادة الله، وليس بالإيجاب، وما دام حاصلاً بإرادته جلَّ شأنه صحَّ أن يوجِد أحدَهما دون أن يوجِد الآخر.
وقد يقول قائل: كيف يفهم كلام القاضي اشتراطه الوقوع للتخلف للحكم بكونه بالعادة، قلنا: تأمَّل رحمك الله في بقية كلامه وها هو، فقد قال: "بل كان يجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف، ويرى البعيد كما يرى القريب، ويرى الرقيق كما يرى الكثيف، ومتى ارتكبوا هذا كله، فالواجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف، ومعلومٌ خلافه"أ.هـ.
فهذا الكلام صريح في اشتراطه التخلف ووقوعه بالفعل أكثر من مرة، بل كلامه السابق يدل على هذا، فهو قال: "فيجب صحة أن يرى الشيء أحدنا ... في بعض الحالات لاختلاف العادة"أ.هـ. ولو كان يريد به الإمكان فقط، لما قال في بعض الحالات؛ لأن الصحة ثابتة في جميع الحالات التي يكون الارتباط فيها بالعادة، وليس في بعض الحالات، أما الواجب عنده في بعض الحالات فهو الوقوع أي وقوع التخلف.
ولو قَصَد الصحة، فتقييده للصحة في بعض الحالات فقط مشكلٌ جداً، لأن الصحة حكم عقلي، وتقييده لها ببعض الحالات دون بعض تخصيص للحكم العقلي، وتخصيص الحكم العقلي لا يصح، بل يعود على وصفه بالعقلي بالبطلان.
فيتحصل لنا على جميع الحالات أن القاضي عبد الجبار لا يخلو كلامه من ضعف وتناقض.
ثم قال القاضي عبد الجبار بعد ذلك ص251: "فإن قيل: ما أنكرتم أن ذلك من باب ما تستمر العادة به، كما في حصول الولد من ذكر وأنثى، وكطلوع الشمس من مشرقها وغروبها من مغربها، وكحصول كل جنس من الحيوانات من جنسه، وكتاب الزرع وما يجري هذا المجرى"أ.هـ.
وهذا الاعتراض والسؤال الذي ذكره القاضي على لسان الأشاعرة صحيح تماماً، فالعادة تصح أن تختلف ولا يشترط تخلّفها للحكم عليها بأنها عن طريق العادة، أو على أنها عادة، ولا يشترط حتى تخلفها مرة واحدة، ولكن لو تخلفت مرة واحدة، فتخلفها هذه المرة يكون دليلاً على كون التلازم والتصاحب بالعادة، ووقوع التخلف دليل الإمكان أي دليل العادة هنا، ولا يشترط لمعرفة الإمكان وكون الحكم عادياً وقوع التخلف، فالإمكان والعادة عبارة عن حكم عقلي عام، وكلي مبني على قانونٍ عامٍ ذكرناه، وهو أن الله تعالى هو الفاعل المختار بلا واسطة ومبني على أن لا طبيعة من الطبائع توجد بذاتها ولا علة ولا معلول في الموجودات الحادثة كما مرَّ أكثر من مرة، وهذا حكم عقلي يستدل عليه بقواعد عقلية عامة، وإن أمكن الكشف عنه أيضاً بحصول التخلف، فهذا توجيه الاعتراض والسؤال، ولننظر الآن في جواب القاضي عبد الجبار، فقد قال في ص251: "وجوابنا، أنا لم نوجب فيما طريقه العادة أن يختلف الحال من كل وجه، بل إذا اختلف من وجه واحدٍ كفى، وما من شيء من هذه الأشياء التي ذكرتها إلا والحال فيه مختلف على وجه، ألا ترى أن الولد قد يحصل لا من ذكر وأنثى فإن آدم عليه السلام خلق لا من ذكر وأنثى ، وعيسى عليه السلام خلق لا من ذكر، وفيما بيّنا فما من ولد إلا والحال فيه بخلاف الحال في غيره، فواحد يولد تاماً والآخر يولد ناقصاً، فكان يجب مثله في مسألتنا حتى يصدق من أخبرنا أنه شاهد ما ليس بمقابل له ولا حالّ في المقابل ولا في حكم المقابل، أو شاهد أقواماً يشاهدون الأشياء من دون أن تكون على هذا الوجه أو ما يجري مجراه، وقد علم خلافه"أ.هـ.
هذا هو جواب القاضي، وكما ترى فهو يشترط للحكم بكون الشيء على العادة لا على سبيل العلة والمعلول، أن يحصل التخلف ولو مرة، أو يختلف حاله من حال إلى حال، أو من وجه دون وجه.
أما اشتراطه التخلف ولو مرة للحكم يكون التلازم عادياً، فقد بيّنا بطلان هذا الشرط وعدم صحته، لأن الحكم العادي صحيح أنه ما يعرف بتكرر الحس على العادة، ولكن نفي التلازم العقلي ونفي العلية والمعلولية المدعاة من طرف المخالفين، لا يتوقف على العادة، بل يستند إلى أدلة عقلية تامة، وهي التي أشرنا إليها سابقاً.
فظهر من هذا أن اشتراط التخلف ولو مرة واحدة، شرط باطل.
وأما اشتراطه الاختلاف من وجه دون وجه، فلم يأتِ بدليل على أن رؤية كل واحد مساوية من كل الوجوه لرؤية الآخر، فما أدراه أن واقع الحال أن الرؤية تختلف من بعض العوارض والجهات والوجوه، وكما يولد بعض الناس ناقصين، فكذلك يوجد من يرى الشيء على غير وضعه كالأحول، ومن يراه على غير لونه الذي يراه عليه غيره، كمن عنده مرض الألوان، وتوجد أحوال متعددة للرؤية، تجعلنا نحكم باختلافها على سبيل الإجمال من حال إلى حال، ومن إنسان إلى إنسان.
على أن هذا أيضاً ليس هو الشرط في معرفة كون التلازم عادياً، بل الشرط ما عرفناه سابقاً، وهذا الذي يدعيه القاضي لا يشرط.
وأيضاً نضيف، فنقول: إذا جاز نسبة الرؤية إلى الله تعالى، أي إذا جاز القول بأن الله تعالى يرانا، وهو ليس بجهة منا ولا نحن بجهة منه، فهذه الحالة كافية للدلالة على كون هذه الشروط الحسية التي يدعيها المعتزلة، شروطاً عادية لا شروطاً عقلية، وإلا فلينفوا كون الله رائياً للمخلوقات؟! فيلزمهم إذا فعلوا مناقضة الكتاب العزيز.
ويُضاف إلى ذلك ما وَرَدَ في الأحاديث من أننا سنرى الله يوم القيامة، أي أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وقطعاً نعلم بأنهم يرونه بلا جهة ولا حدّ ولا مقابلة، فكما يعلمونه بلا حدّ يرونه كذلك.
وسوف نورد أكثر من هذه الشواهد الدالة على ثبوت الرؤية بلا حدّ ولا جهة ولا مقابلة ولا اتصال حسّي.
وبهذا التحليل، يُعلم قطعاً أن استدلالات القاضي عبد الجبار غير تامة ولا كافية، بل يسودها الاختلال كما بيّنا.
وقد يقول قائل: لا يصح الانتقال من مفهوم الرؤية عند إطلاقه على الإنسان المخلوق، إلى الرؤية عند نسبتها إلى الله، فهذا قياس والقياس لا يصح.
والجواب: إن الذي يخالفنا يسلم أن مفهوم الرؤية واحد، وأن لها أحكاماً خاصة إذا نسبت إلى المخلوق، وهذه الأحكام إذا كانت خاصة بالرؤية من حيث ما هي رؤية يجب نسبتها إلى الخالق، والقول باشتراط هذه الشرائط له، وهذا باطل اتفاقاً، وإلا فقد حصل البرهان على أن هذه الشرائط ليست لذات الرؤية، فتأمل.


يتبع ......

سعيد فودة
15-10-2004, 13:37
قال القاضي عبد الجبار ص252: "فإن قيل: ما أنكرتم أن الواحد منا إنما لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، الأمر يرجع إلى المرئي لا إلى الرائي.
قيل له: هذا الذي ذكرته لا يصحّ، لأنه كان يجب في القديم تعالى أن لا يرى هذه المرئيات لفقد هذا الحكم فيه، والمعلوم خلافه" أ.هـ.
وتوضيح هذا الإشكال، ولا أراه يتسق مع أصول الأشاعرة، أن الواحد إذا رأى بعض الأمور الموجودة، ولم يَرَ بعضها الآخر، فلم لا يكون السبب في عدم رؤيته للقسم الثاني هو أمراً راجعاً إلى نفس هذا القسم، فربما كانت تتصف بصفة تمنع رؤيتها.
فأجاب القاضي عبد الجبار: إذا كان هذا السبب صحيحاً في عدم رؤيتنا لبعض هذه الأمور التي لا نراها، فيلزم أن يكون هذا السبب مانعاً مِن كل رؤية، لا مانعاً من رؤيتنا نحن فقط لها، بل يلزم أن يكون سبباً للمنع من أن يراها الله تعالى أيضاً، ولكن الله تعالى يرى كل شيء، إذن لا يصحّ أن يكون السبب في منع الرؤية من نفس المرئي.
والحقيقة أن هذا الجواب صحيح، ولكنه أقرب إلى أصول الأشاعرة من أصول المعتزلة، لأن السبب عند الأشاعرة في عدم رؤيتنا لبعض الموجودات هو أن الله تعالى لم يخلق فينا رؤيتنا، فلم يرجعوا السبب في منع الرؤية إلى المرئي، بل إلى إرادة الله تعالى.
والذي أردناه من هذه المناقشة ههنا إنما هو بيان كيف أن القاضي عبد الجبار يقيس رؤية الله على رؤيتنا، ويقول: المانع الذي يمنع رؤيتنا للأشياء إذا كان في نفس الأشياء، فينبغي أن يكون مانعاً لرؤية الله تعالى لنفس هذه الأشياء، وهذا منه خروج عن أصول مذهبه الذي ينصره، أو هو جريٌ منه مع الجواب الحق، الذي يوافقه عليه الأشاعرة، ولكن لو قال القاضي عبد الجبار بهذا الجواب فعلاً على المعنى الذي قلناه، يلزمه أن ينقض أصول مذهبه بالكلية، أقصد أنه ينبغي أن ينقض كون الشروط التي جعلوها للرؤية وهي المقابلة والتحيز والشعاع ..إلخ، شروطاً عقلية، بل هي شروط عادية، وما هو مانع عندنا مانع عند الله تعالى، وهو لازم باطل.
والسبب في هذا الإلزام أنه قاس رؤية الله على رؤيتنا من جهة الموانع.
ثم قال في ص252: "فإن قيل: إنا نرى القديم تعالى بلا كيف كما نعلمه بلا كيف، ولا يحتاج إلى أن يكون مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل.
قيل له: إن هذا قياس الرؤية على العلم من دون علة تجمعها، فلا يصح.
فإن للعلم أصلاً في الشاهد، وللرؤية أصلاً، فيجب أن يرد كل واحد منهما إلى أصله، فالعلم من حقه أن يتعلق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلق بالموجود والمعدوم والمحدث والقديم، فإن كان معدوماً علم معدوماً، وإن كان موجوداً ، وكذلك الكلام إذا كان محدثاً أو قديماً، وليس كذلك الرؤية فإنها لا تتعلق إلا بالموجود، ولهذا لا يصحّ في المعدوم أن يُرى" أ.هـ.
هذا سؤال صحيح على مذهب الأشاعرة، وحاصل معناه: إذا كانت الرؤية نوعاً من الكشف، أي أن الرؤية يتم بها الكشف عن المرئي من حيثية معينة، فمن أين يلزم القول إننا إذا رأينا الله تعالى فيجب أن نراه في جهة وذا حد ومقابلة .. إلخ، فالرؤية تكون فيها حدود إذا كان المرئي محدوداً وفي جهة، وأما إذا كان غير محدود ولا في جهة ولا مقابلاً، فإنه يُرى كذلك، وهذا كالعلم، فالإنسان يعلم بالنظر وبالفكر وبأسباب خاصة، ولكن الله تعالى يعلم لا بنظر ولا فكر، فرؤية الإنسان تكون نتيجتها إدراك محدود، لأن المدرَك نفسَه محدود، وأما رؤية الله فلا يكون لازمها كشفاً عن محدود؛ لأن متعلق الرؤية ليس محدوداً.
هذا هو حاصل السؤال، وقد أشار الإمام ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري إلى أن الإمام الأشعري كان يستعمل هذه الطريقة في الردّ على المخالفين، فقال نقلاً عن الإمام الأشعري وتوضيحاً لطريقته في المجرد ص90: "وكان يقول: إنَّ ردَّ حكم المرئي إلى المعلوم لا من حيث إن حكم المرئي حكم المعلوم من كل وجه، ولكن النافين للرؤية يسلكون في نفيها طرقَ الاعتبار بالمرئيات في الشاهد، وأرادوا أن يسوّوا بين المرئيين في الشاهد والغائب في الأحكام والأوصاف التي عليها المرئيات في الشاهد، فأراهم أن ذلك لو كان اعتباراً صحيحاً لوجب مثله في المعلومات، وكل ما فصلوا به بين المعلومَيْن في الشاهد والغائب، فصل بمثله بين المرئيين، وكثيراً ما يستدل ابتداءً بمثل هذه الطريقة في أنه إما نفيٌ أو إثباتٌ، إجازة أو إحالة، فالإجازة ما قلنا، والإحالة لا تخلو من هذه الوجوه التي تنتقض بما ذكر في المعلوم، وكذلك كان يقلب في الرائي والعالم وسائر أوصاف المرئي مما خالف فيه الشاهد الغائب" أ.هـ.
يعني أن المعتزلة عندما يسوّون بين الرؤية في الشاهد والرؤية في الغائب من كل وجه، فيلزم عندهم وجوب نفي رؤية الغائب، فيلزمهم مثل ذلك في التسوية بين العلم في الشاهد والعلم في الغائب، فجيب أن يلزمهم نفي العلم في الغائب، ولكن نفي العلم في الغائب محال، إذن نفي الرؤية في الغائب ليس صحيحاً أيضاً.
ونبّه الإمام الأشعري أنه لا يوجد تساوٍ تامٌّ بين أحكام الرؤية وأحكام العلم، ولكن يمكن قلب المسائل على المعتزلة باستخدام العلم.
والآن وبعد أن وضحنا شيئاً من وجه الدلالة في هذا السؤال، فلنقرأ معاً كلام القاضي عبد الجبار في الرد على هذا الإشكال الوارد على المعتزلة، وحاصل جوابه محاولة الفرق بين العلم والرؤية، واعتبار الرؤية أصلاً مستقلاً لا يشترك مع العلم في شيء مطلقاً، بحيث لا يصح بعد ذلك القياس بينهما.
ولكن الصحيح أن الجهة التي نبه إليها الأشعري والتي بنى عليها القياس يصح فيها المقايسة بينهما، وهذه الجهة هي أن العلم في الشاهد له أحكام خاصة، ككونه حادثاً وبأسباب خاصة كالنظر، ويقبل الزيادة والنقصان، ولكن العلم في الغائب لا يصح كونه كذلك، إذن نحن فرَّقنا بين أحكام العلم في الشاهد وفي الغائب، وهذه التفرقة متفق عليها، هذا هو الأصل الأول.
وبناءً على ذلك، لو سلمنا أن الرؤية شاهداً تشرط بالمقابلة والاتصال بشعاع وكون المرئي محدوداً، فإن أثبتناها في الغائب كذلك، لزمنا إثبات صفات لا يصح إثباتها لله تعالى، كالحدِّ وغيره من صفات الأجسام، إذن فلم لا نثبتها غائباً مع نفي هذه الشروط، كما فعلنا بخصوص العلم.
فهذا الوجه من المقايسة صحيحٌ كما ترى.
وقد يقول قائل: فلماذا نثبت الرؤية غائباً من الأصل؟
والجواب: لأنها وردت بالأحاديث ودلَّت عليها آيات القرآن، ولا موجب لصرفها عن ظاهرها، فلو لم ترد، لم نثبتها؛ لأن دليل وقوع الرؤية سمعي عندنا.
ولاحظ أنه على هذا القياس لا يلزم مطلقاً التسوية بين جميع أحكام الرؤية وحقيقتها وبين أحكام العلم وحقيقته تسوية تامة، وهذا واضح.
وأما كلام القاضي على الحاسة السادسة بعد ذلك فلا نخوض فيه لعدم الدليل فيه، والله أعلم.
وبهذا نكون قد ناقشنا جميع الوجوه التي أتى بها القاضي عبد الجبار في دلالة المقابلة، وبيّنا بطلان هذه الدلالة وعدم قوتها، بل وتناقض بعض أركانها مع بعض ما يقول به المعتزلة.
بقي مناقشة دلالة الموانع:

يتبع ....

سعيد فودة
17-10-2004, 16:03
دلالة الموانع:
هذه الوجوه ذكر فيها القاضي عبد الجبار دلائل استدلوا بها على نفي الرؤية، وهي قائمة أساساً على امتناع الرؤية لموانع كما يفهم من اسمها، وسوف يتبين لك حقيقة هذه الدلالة أثناء مناقشتنا لتفاصيلها كما فعلنا في دلالة المقابلة، وتوضيحها بمعنى آخر، إن الرؤية تكشف عن الشيء كما هو في ذاته، والقديم حاصلٌ على ما هو عليه في ذاته، فما المانع من أن يُرى؟!
هذا هو السؤال الأساسي الذي تدور عليه هذه الدلالة، أو تدور على الجواب عليه، وحاصل السؤال أنا إذا قلنا: الرؤية تكشف عن الشيء كما هو حاصل في ذاته، والله جلّ شأنه له ذات منزهة عن الأمكنة والحدود والمقابلة، فلم لا نقول: الرؤية تكشف عن ذاته منزهة عن الجهة والحد والمقابلة، بل هذا هو الأصل الذي يجب القول به، ومن لم يقل به فإنما صرفه عنه سبب مانعٌ، أو معنى ادعى ثبوته يمنع من رؤية الله تعالى.
قال القاضي عبد الجبار جواباً عن هذا ص253: "وما لا يُرى، ينقسم إلى ما لا يُرى لمنعٍ، وإلى ما لا يُرى لاستحالة الرؤية عليه، والقديم تعالى إنما لا يُرى لاستحالة رؤيةٍ عليه لا لمنعٍ" أ.هـ.
هكذا أجاب القاضي على السؤال الأصلي، ومن الظاهر أن هذا ليس جواباً، بل مجرد دعوى، مقابلة للأصل الذي ذكرناه، وهو المبني على أن أصل الرؤية منسوبةٌ إلى الله تعالى، فلا يصحّ نفيها إلا لموجب، ولا يوجد موجب يدفعها، أو مانع يمنع منها، فلم يزد القاضي على أن قال: "إن الله تعالى لا يُرى لأنه لا يمكن رؤية". ومعلوم أن التعليل الذي جاء به وهو قوله: "لا يرى لاستحالة رؤيته"، هو عين الأصل الذي حصل فيه الخلاف، وهو عين دعوى المعتزلة التي لا يسلمها الأشاعرة لهم، والدعوى لا تكون دليلاً، بل هي محتاجة إلى دليل، والاستدلال على الدعوى بنفس الدعوى مصادرة على المطلوب.
وقد يقول قائل: بل كلام القاضي دليل، لأنه مبني على استقراء أو مقسمة للأشياء إلى ما يرى وإلى ما لا يرى، وما لا يُرى إما أن لا يُرى لمانع، او لاستحالة رؤيته، وهذا دليل. فالجواب: هذا عين الدعوى، أو جزءٌ منه كذلك، أعني الاحتمال الأخير الذي هو ما يستحيل رؤيته، فهو محل الخلاف، فظهر أن دليل القاضي مصادرة على المطلوب.
ثم قال القاضي ص253: "فإن قال: ما في هذه الدلالة إن أحدنا لا يرى الله عز وجل، فمن أين أنه ليس بمرئي في نفسه؟
قلنا: كل مَن قال: إن أحدنا لا يَرى القديمَ تعالى، قال إنه ليس بمرئي في نفسه"أ.هـ. كذا قال، ومن الظاهر أن القاضي لاحظ في جوابه السابق وجه النقص والضعف الذي أبرزناه، ولذلك جاء بهذا القيل، وهو ما الدلالة على استحالة رؤية الله تعالى في نفسه؟
فأجاب بجواب، ليس بجواب في الحقيقة، فإنه قال: بما أننا كلنا أي كل واحد فينا، يقول إنه لا يرى الله تعالى، فهذا يدل على أن الله تعالى ليس بمرئيٍّ في نفسه، هذا هو الاستدلال الذي يتعلق به القاضي، وهو لعمري من أغرب الاستدلالات، فمن أين يدلُّ عدم حصول الرؤية لنا أو لكل واحدٍ منا، على استحالتها في نفسها، غاية ما يدل عليه عدم حصولها لنا، أما أنها في نفسه تكون مستحيلة، فلا. وإلا يلزم بأن الله تعالى لا يرى نفسه، وهذا باطلٌ، فإذا جاز أن يرى الله غيره، هل يستحيل أن يرى نفسه؟! كيف يصح هذا الاستدلال الذي يتعلق به القاضي.
وبما أنه ظهر أن رؤية الله ليست مستحيلة في نفسها لرؤيته نفسَه العليَّة، ثبت أن أصل رؤيته جائز مطلقاً وهو المطلوب.
وهل يمكن أن نقول على منوال طريقة استدلال القاضي: كل من قال إن أحدنا لا يرى البروتونات والإلكترونات، قال: إن الإلكترونات غير مرئية في نفسها، ويمكن أن نصوغ لوازم كثيرة ظاهرة البطلان على هذا النهج، فيتبيَّن لنا بكل وضوح ضعف هذا الاستدلال.
ولضعف هذه الدلالة التي ذكرها القاضي عبد الجبار على استحالة رؤيته في نفسه، ساق دليلاً آخر على ذلك، فقال ص253:
"دليل آخر: وهو أن القديمَ تعالى لو جاز أن يُرى في حال من الأحوال لوَجَبَ أن نراه الآن، ومعلوم أنا لا نراه الآن.
وتحرير هذه الدلالة هو أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى المرئي لما رأى إلا لكونه عليها، والقديم سبحانه حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها، والموانع المعقولة مرتفعة، فيجب أن نراه الآن، فمتى لم نَرَه، دلَّ على استحالة كونه مرئياً"أ.هـ.
وهذا الدليل في الحقيقة عبارة عن صيغة أخرى للدليل السابق، وحاصله لو صحَّ أن نرى الله لوجب أن نكون قد رأيناه، ولكن لما لم تقع رؤيته، فلا تصح رؤيته.
وهذا استدلال بعدم الوقوع على عدم الإمكان، وهو استدلال باطل كما هو معلوم، والاستدلال إنما يصح بالوقوع على الإمكان، لا بعدم الوقوع علىعدم الإمكان.
ولم لا يفترض القاضي عبد الجبار ومعه المعتزلة أن هناك مانعاً منع من رؤية الله تعالى، فعلى هذا القول بالعلية والمعلولية، لم لا يكون المانع هو عدم الاستحقاق وعدم القابلية لحصول الرؤية فينا ونحن على هذه الحالة في الحياة الدنيا، وأما على مذهب الأشاعرة، فالرؤية جائزة في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الله تعالى أراد أن تقع الرؤية في الآخرة للمؤمنين، وأراد أن لا تقع في الدنيا لأحد غير النبي – صلى الله عليه وسلم – على القول بأنه رأى الله تعالى، وهو خلاف مشهور بين الصحابة، فابن عباس أثبت رؤية النبي عليه السلام لربه، والسيدة عائشة أثبتت أنه لم يره.
وبناءً على هذا الكلام، يتبين لنا أن دليل القاضي المعتزلي ليس يصحُّ ولا يقوى على نفي الرؤية وإثبات استحالتها.
ثم شرع القاضي عبد الجبار في الاستدلال لمقدمات هذا الدليل، ولم يزد في المعنى الذي ذكرناه، ولكن ذكر بصريح عبارته أن "حصول الرؤية عندهم بناءً على صحة الحواس وعدم الموانع، هو من قبيل الشروط، والأسباب والعلل". وهذا الكلام يؤكد الأصل الكبير الذي وضحناه نحن في أول هذه الرسالة وقررنا أن مسألة الرؤية تنبني عليه عند المنكرين لها، وهو ثبوت علاقة العلية والمعلولية بين الموجودات الحادثة، وهذا الأصل ينكره الأشاعرة ويُرْجعون جميع الحوادث إلى الله تعالى مباشرة بلا واسطة، وقد مضى هذا المعنى أكثر من مرة.
وأما باقي ما قرره القاضي عبد الجبار في الموانع المفترضة ورده عليها، فكل أجوبته يعتمد فيها على الأصول التي بناها سابقاً، ولذلك لم نرَ أن نخوض معه في بقية كلامه لكفاية ما مرَّ، خاصة بعد أن بيّنا الردود والأجوبة على استدلالاته.
وبذلك يكون قد اتضح لدينا ضعف أدلة المعتزلة العقلية في هذه المسألة، وهي تدور على نفس الأصول التي يقول بها الشيعة كما نبهناك سابقاً، بل ويشترك معهم فيها الزيدية والإباضية كما سنرى.

يتبع......

أسامة نمر عبد القادر
17-10-2004, 19:33
جزاك الله خيرا أيها الشيخ المهندس على ما أتحفتنا في هذا المقام .
وزادك الله من فضله ، ورزقك من نعيمه .
وإني لما كتبته : لقرير العين ، مسرور الفؤاد ، ثلج الصدر .
فاستزد من العلم ولا تكل ، وسر على طريق البحث ولا تمل .
واستعن بالله تعالى صباحا ومساءا ، فهو عون من استعانه ، وهو كافي من استنجد به ، وهو ناصر من قصده .
بارك الله فيك ، ونفع بك ، وأيدك .

سعيد فودة
24-10-2004, 16:04
مناقشة كلام الزيدية في مسألة الرؤية


إن كتاب شرح الأساس الكبير للشيخ أحمد الشرفي من أشهر كتب الزيدية، وسوف ننقل فيما يلي كلامه في هذه المسألة ونناقش ما فيه، قال في (2/433):
"فرع آخر يتفرع على كونه تعالى لا يشبه شيئاً، قالت (العترة جميعاً وصفوة الشيعة) من الزيدية (والمعتزلة) وغيرهم كالخوارج والمرجئة وغيرهم (والله سبحانه لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة)؛ وذلك (لأن كل محسوس) أي مُدْرَك بأي الحواس الظاهرة إما بالبصر أو بالسمع أو بالشمّ أو بالطعم أو اللمس (جسم أو عرض)، وكل جسم أو عرض (محدث) لما مرّ من الأدلة على حدوث الأجسام والأعراض واستحالة أزليتها، وكونه تعالى ليس بمحدث لما مرّ من الأدلة على كونه تعالى لا أول لوجوده (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم).
وأيضاً لو صحَّ أن يرى الله تعالى عن ذلك لاختص بجهة من الجهات ومكان من الأمكنة والله يتعالى عن ذلك، إذ كان سبحانه ولا مكان ولا جهة ولا زمان" أ.هـ.
والمطلع على علم الكلام يعرف تماماً أن كثيراً من آراء الزيدية أخذوها من المعتزلة، فسوف نعلم أيضاً أنهم لن يأتوا بأدلة جديدة زيادة على ما جاء به المعتزلة، وهذه الفقرة تدل على ذلك، فهم يجعلون التلازم عقلياً بين الرؤية وبين الحسّ المستلزم للمماسة والجهة والحدّ، وقد مضى الكلام على بيان أن هذه الشروط ليست شروطاً عقلية بحيث يتقيد بها فعل الله تعالى أيضاً، بل هي عبارة عن شروط عادية يمكن تخلفها كما مضى بيانه.
وكلامه صحيح تماماً عن التلازم بين كون الله جسماً وكونه حادثاً؛ لأن كل جسم حادث، ولكن ليس هذا محل الخلاف، بل موضع الخلاف في أن الرؤية هل يشترط فيها تلك الشروط أم لا.
وتنزيه الله تعالى عن الزمان والمكان صحيح مطلقاً.
ثم قال ناقلاً عن الإمام الأشعري: "وروي عن أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري أنه قال: يدرك بجميع الحواس فيشمّ ويسمع ويحسّ، ولم يقل بذلك غيره" أ.هـ.
وهذا الكلام ليس صحيح النسبة إلى الإمام الأشعري، لأن مراده منه أن الله تعالى على مذهب الأشعري يجوز أن يلمس ويمسّ ويحسّ بالحواس الخمس، وهذا باطل كما لا يخفى على أحد، ولكن الإمام الأشعري قد يصح على مذهبه أن يخلق الله تعالى العلم به في أي جزء حي من الإنسان بلا مماسة بين الله وبين ذلك الجزء، فإذا سمي ذلك إحساساً، فالإطلاق غلط والمعنى صحيح، إذن كما يخلق الله تعالى العلم به في الدماغ فتدركه النفس، فيمكن أن يخلقه في العين فتدركه النفس فيسمى رؤية وهكذا، وهذا مبني على عدم اشتراط البنية للعلم، وهي مسألة من دقيق الكلام.
ثم قال (2/433): "وقالت (الأشعرية: بل يرى في الآخرة بلا كيف) أي لا تكييف ولا إشارة إلى جهة من الجهات لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا خلف ولا قدام، قلنا: (لا يعقل) قولهم هذا، فبطل ما زعموه" أ.هـ.
وقال (الرازي: معناه) أي معنى قولهم أنه يرى في الآخرة بلا كيف (معرفة ضرورية وعلم نفسي بحيث لا يشك فيه)، أي يعلم علماً ضرورياً، حينئذٍ قال عليه السلام (فالخلاف حينئذٍ) أي حين فسره الرازي بما ذكر إذا كان مرادهم ذلك (لفظي) أي في اللفظ والعبارة، والمعنى واحد، وهو أن الله سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" أ.هـ.
يريد المؤلف هنا أن يُفرِّق بين رأي الإمام الأشعري وبين رأي متأخري الأشعرية، أو بين رأي المتقدمين منهم والمتأخرين، فزعم أن الأشعري يقول بأن الله يُدْرِكُ بالحواس كلها على النحو السابق، وزعم هنا أن رأي الأشعرية غير رأيه، وأن رأيه غير رأيهم، وهذا الزعم باطل كما رأينا، فإن الإمام الأشعري لا يقول بالحواس والمماسة لله تعالى، وكذلك يقول الأشاعرة، فكان اللائق بالمؤلف أن يورد القول واحداً بلا تمايز بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة، ولا فرق بين الأشعري وبين الأشاعرة، ولكن هذا الصنيع الذي قام به المؤلف هنا رأينا الشيخ جعفر السبحاني يشير إليه، وكذلك ابن تيمية في كتبه يزعمه ويدعيه، وهم جميعاً يزعمون ذلك بلا دليل، ولا بيّنة ولا برهان، بل هذا محاولة منهم لإظهار الأشاعرة منقسمين على أنفسهم لا يوجد رأي واحد يجمعهم، وأن متأخريهم يخالفون المتقدمين منهم، وكل هذه المزاعم باطلة لدى أدنى نظر، فلا ينخدعنَّ بها القارئ.
وعلى كل حال، فالمؤلف لما نقل كلام الإمام الرازي بأن حقيقة الرؤية هي معرفة ضرورية، وهو حقيقة وتحقيق رأي الأشعري والأشاعرة جميعاً، قال بأن الخلاف حينئذٍ لفظي مع الأشاعرة، والتصريح بأن الخلاف لفظي فيه إنصاف بعد الظلم الذي أظهرنا وقوعَ المؤلف فيه.
ولنبين جهة الخلاف بالضبط، فقد سبق أن نقلنا عن القاضي عبد الجبار قوله بأن الخلاف إنما هو مع الأشاعرة، حتى زعم أنه لا خلاف بينهم وبين المجسمة، ونرى الشرفي ههنا يقول الخلاف مع الأشاعرة لفظي.
وتحقيق المقام أن هناك مسألتين:
الأولى: مفهوم الرؤية وشروطه، والخلاف بين الأشاعرة وبين غيرهم من المعتزلة ومن وافقهم حقيقي معنوي؛ لأن المعتزلة يزعمون استحالة الرؤية إلا بالحاسة والمقابلة والحدّ، والأشاعرة يقولون: إن الرؤية يمكن أن يوجدها الله تعالى مباشرة في النفس أو العين، فتدركها النفس ولو بلا توسط شعاع ولا كون المرئي محدوداً ومقابلاً.
والثانية: رؤية الله تعالى، فالاتفاق حاصل في هذه المسألة بين الأشاعرة والمعتزلة ومن وافقهم على أن رؤية الله تعالى إذا حصلت فلا يمكن أن تكون بحدّ ومقابلة، ولكن المعتزلة يسمون الحاصل علماً، وإن سمي رؤية، والأشاعرة يقولون هو رؤية، والرؤية يرجع حاصل معناها في النهاية عندهم إلى المعرفة الضرورية، فالخلاف على هذا لفظي محض، ولكن الأشاعرة يقولون إن هذا الإدراك العلمي يسمى رؤية، وهو المقصود عند إطلاق الرؤية والمعتزلة ينكرون ذلك.
فإذا تبيّن هذا، عرفنا أن كثيراً من المنتمين إلى الاعتزال والتشيع يجهلون مذاهبهم عندما يظنون الخلاف مع الأشاعرة في مفهوم الرؤية نفسه أصلياً.
ولنوضح المسألة زيادة توضيح، فلفظ الرؤية إما أن يراد به إدراك غير العلم، أو يراد به العلم، وعلى القولين فالأشاعرة لا يشترطون للرؤية الحسّ والحدّ والمقابلة كما لا يشترطون في العلم ذلك، أما المعتزلة فمنهم مَن أرجع الرؤية إلى إدراك زائد، ومنهم من قال الرؤية هي العلم، وهذا هو المشهور عنهم.
والرؤية عند المعتزلة إذا أطلقت في حق المخلوق فلا بدّ لها من أسباب واتصال وحدّ وغير ذلك، وهم يتناقضون إذا أثبتوها لله مع نفي هذه الأمور، لأن الأصل كما يدعون كون هذه الأمور شروطاً عقلية.
والإمام الأشعري لم يخالف الأشاعرة كما لم يخالفوه هم عندما قالوا إن الرؤية تكون بدون هذه الشروط؛ لأنها تفيد الكشف في من حصلت له أو ثبتت له، وحتى لو قال من قال بأن الرؤية تحدث للإنسان بخلق الله تعالى في الأبصار، ثم يدركها الإنسان بنفسه فلا يتوقف خلق هذه الرؤية على حدّ ولا علة جسم ولا مقابلة، كما لا يتوقف خلق الله تعالى للعالم على أن يكون العالم في جهة منه، وكما لا يتوقف علمُ الله تعالى للعالم على أن يكون العالَم في جهة منه أو يكون هو جلَّ شأنه محدوداً.
وكلّ مَن ألزم الأشاعرة بما لا يلزمهم، فإما أن يكون جاهلاً بمذهبهم، أو مغالطاً، وكلاهما لا يلتفت إلى رأيه.
ثم نقل المؤلف كلاماً عن بعض الأشاعرة يؤيد به ما نقله عنهم من الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين على زعمه، فقال (2/434): "قال الإمام يحيى عليه السلام في الشامل: "واعلم أن التحقيق عندي أن الخلاف بيننا وبين المحققين من متأخري الأشاعرة، في هذه المسألة إنما هو من حيث اللفظ، وأما المعنى فنحن متفقون عليه"، قال: "وبيانه أن الغزالي ذكر في كتابه الاقتصاد أن الرؤية عبارة عن تجلٍّ مخصوص لا تنكره العقول، وهذا هو الذي نريد بالعلم، ونحن لا ننكره ولا نأباه". قال: "وذكر ابن الخطيب في كتابه الأربعين: أن الأدلة العقلية في هذه المسألة غير معتمدة أصلاً وأنها ليست قوية، وذكر في كتابه النهاية بعد تحريره للأدلة العقلية، ثم حكى هو عن أصحابه أنهم قد حرروها على وجوه كثيرة وكلها ضعيفة، ثم قال: ويعزب أن يكون الخلاف في هذه المسألة لفظياً" أ.هـ.
إذن، ما ذكره المؤلف في هذه المسألة عمَّن سمَّاهم بالمتأخرين من الأشاعرة يوافق عليه هو، ويحكم على الخلاف بين الزيدية وبين الأشاعرة بناءً عليه بأنه خلافٌ لفظيٌّ، وهذا حَسَنٌ.
ولكنه يزعم أن المتقدمين يخالفون المتأخرين، وهاك ما قاله في بيان ذلك (2/434): "قال الإمام يحيى عليه السلام: "وأما المتقدمون من الأشعرية فقد أطلقوا القول بأن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة، وأنه يراه المؤمنون دون غيرهم، قال: والدليل على إبطال قولهم أن الرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو في حكم المقابل، واحترز بقولنا أو في حكم المقابل عن رؤية الإنسان وجهه في المرآة، فإنه وإن لم يكن مقابلاً فهو في حكم المقابل والله تعالى ليس مقابلاً ولا في حكمه، ويستحيل أن يكون تعالى مرئياً" أ.هـ.
إذن فالمؤلف يرجع ويعتمد على إطلاق القول بأن الله تعالى يرى بالأبصار، وينبني على أن هذه الرؤية لا يمكن أن تحدث بالأبصار إلا بالمقابلة والحس والشعاع وغير ذلك، وهذا غير صحيح، لما قلناه من أن الله تعالى يمكن أن يخلق الرؤية في بصر الإنسان مباشرة بلا واسطة هذه الشروط العادية، فلا يجوز الاعتماد على مجرد القول بأن الله يرى بالأبصار للقول بأن هذا يلزمه الحس والحد وغير ذلك من اللوازم الباطلة، فإن هذا لا يلزم الأشاعرة إلا إذا قالوا: هذه شروط عقلية للرؤية، وهم لا يقولون بذلك كما عرفت.
فيتضح لك أيها القارئ الكريم، أنه لا فرق في هذه المسألة بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة، وأن الفرق مجرد تهويش أو عدم علم أو غفلة من الفرق المخالفة كالشيعة والزيدية وغيرهم، ومجرد الزعم غير المبني على دليل ولا بينة لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.
فظهر بهذا أن أدلة الأشاعرة أقوى من أدلة غيرهم، وأن مشيهم على حدِّ الشريعة أقوى وأوثق، وتعمقهم في المعاني وبناء الأدلة أقوى وأرسخ من سائر الفرق.
وأما ما قاله نقلاً عن الإمام الرازي من أن دليل العقل على جواز الرؤية يعني دلالة الوجود ضعيفة أي غير قطعية، فهذا قد يسلم، ولا إشكال في التسليم به، لأننا تابعون للأدلة، ولكن العاقل إذا قارن بين دلالة الوجود على الجواز، وغيرها من الدلالات العقلية، وبين دلالة المقابلة على المنع، لحكم جزماً بأن أدلة المثبتين العقلية أقوى بلا شك من أدلة النافين العقلية، فإن أدلة المحيلين للرؤية مبناها على مجرد مغالطات وقياسات عادية ومصادرات كما اتضح.
فإذا انضمت ظواهر الآيات القرآنية، وصريح الأدلة النبوية على ثبوت الرؤية إلى الأدلة العقلية، صار الرجحان بلا شك في صف المجوزين لا النافين.
ثم ههنا سؤال: إذا ورد ظاهر القرآن بإثبات الرؤية، ودلت صرائح الأحاديث على الرؤية أيضاً، وحكم المخالف بأن المعنى المراد بالرؤية عند الأشاعرة هو التجلي، فَلِمَ لم يقل الخصوم بالجري على ظاهر النقل فيثبتون الرؤية مع بيان معناها الصحيح الجائز في حق الله تعالى، كما فعل السادة الأشاعرة ؟!
فهذا هو خلاصة ما ذكره الشرفي في هذا الكتاب، وهو لم يزد في المعلومات والاستدلال على ما ذكرناه عن المعتزلة.


يتبع .......

سعيد فودة
31-10-2004, 23:34
مناقشة كلام الإباضية في مسألة الرؤية

الإباضية فرقة إسلامية معروفة ، بعضهم نسبها إلى الخوارج وقال إنهم طائفة من طوائف الخوارج، وبعضهم نفى ذلك، وقد رأيت لبعض الإباضية كلاماً ينفي فيه كونهم من فِرَق الخوارج، وعلى كل حال فهم ليس لهم انتشار كبير في البلدان الإسلامية، بل أكثر تواجدهم في سلطنة عمان.
وسوف نعتمد في نقل آرائهم على كتاب نشرته سلطنة عُمان – وزارة التراث القومي والثقافة، وهو كتاب [معالم الدين] تأليف الشيخ عبد العزيز المصعبي، وربما ننقل من غيره ككتاب [مشارق أنوار العقول] بتصحيح الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
إن الإباضية كغيرهم من المخالفين يحصرون معنى الرؤية باتصال الشعاع وانطباع صورة المرئي في الحدقة، كما قال السالمي (1/362): "هذه هي حقيقة الرؤية التي كانت العرب تعرفها من عربيتهم ولا يطلقونها على العلم ونحوه إلا تجوزاً لنكتة مع قرينة" أ.هـ.
وقد علمنا نحن بشيء من التحليل العقلي وملاحظة ظواهر بل نصوص الأدلة النقلية، أن الرؤية ليست على النحو الذي يتصوره هؤلاء، فقد علمنا أن الشروط الحسية من المقابلة والحد والشعاع مجرد شروط عادية، لا يجوز اعتبارها جزءاً من ماهية الرؤية، ولا علة عقلية، وإلا لزم تعجيز الله تعالى عن أن يخلق الإدراك في النفس بلا توسط هذه الشروط، وهذا نقص لا يصح إثباته لله تعالى.
وقد تبين لي أن هذه الفرق المخالفة ظاهرية أيضاً، فليست الظاهرية منسوبة فقط إلى المجسمة، بل إلى كل واحد يتبع منهجهم في فهم النصوص والأدلة، فالظاهرية منهج، وقد كنتُ ذكرتُ هذا في شرحي على الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي، ووجه ظاهريتهم أنهم يكتفون بمجرد إطلاق الرؤية على ما يحصل للإنسان عندما يرى، فيأخذون كل ما يلاحظونه حساً شرطاً عقلياً لا انفكاك منه، بل يعتبرونه علة لا تتخلف، وهكذا كان يفعل المجسمة عندما اكتفوا بمجرد إطلاق بل نسبة اليد والعين والساق إلى الله تعالى، حتى نسبوا لله تعالى الأجزاء والأبعاض والتحيز والجهة والمكان، واعتبروا هذه شروطاً عقلية في كل موجود، وهذه الفرق المخالفة في الرؤية ارتكبوا نفس هذا الأمر، فاكتفوا بمجرد إطلاق الرؤية على ما يحصل للإنسان عند المقابلة والشعاع، فجعلوا هذه شروطاً أو عللاً وأسباباً عقلية كما رأينا ذلك صريحاً في كلام القاضي عبد الجبار، وهذه ظاهرية محضة كما لا يخفى.
بينما نرى السادة الأشاعرة لم يكتفوا بمجرد الإطلاق ليبنوا عليه قواعد عقلية، بل اعتمدوا على التحليل والاستدلال العقلي، ولما رأوا تخلف هذه الشروط في بعض مصاديق الرؤية، قطعوا بأنها ليست شروطاً وأسباباً عقلية، فحكموا عليها بأنها عادية، بل اعتمدوا أيضاً كما قلنا على الأدلة العقلية القطعية الجازمة بأن الله تعالى خالق كل شيء بلا واسطة، وأنه لا يوجد تلازم عقلي بين أي موجودين حادثين، بل التلازم عاديٌّ بخلق الله تعالى بإرادته واختياره.
فبعد هذا التوضيح الدقيق، يتبين لنا أن كل ما يقوله المخالفون مجرد تهويلات وتشنيعات مبنية على مصادرات ومغالطات، لا يتأثر بها إلا ضعيف.
قال الشيخ المصعبي في معالم الدين (2/29): "وهذا المرصد عندنا – يقصد الرؤية – من جملة الممتنعات في حقه تعالى، وذلك أن أصحابنا والأكثرين من علماء الأمة على امتناعها عقلاً ونقلاً، وذهب الأكثر من الأشاعرة إلى جوازها عقلاً ونقلاً" أ.هـ.
أما قوله إنها من الممتنعات في حقه تعالى، فسوف ننقض أُسُسَه وأدلته على ذلك، وهي لا تزيد على ما أوردناه سابقاً، ولكن نكررها هنا زيادة في التأكيد والتوضيح.
وأما قوله إن أكثر علماء الأمة على أن رؤية الله ممتنعة عقلاً ونقلاً، فهذا كلام غير صحيح، ولعله ظنَّ أنه لما كانت المعتزلة والشيعة والإباضية والزيدية ينكرون الرؤية، وكانت الأشاعرة والماتريدية يثبتونها فيلزم من ذلك أن أكثر علماء الأمة ينكرونها !! وليس الأمر كذلك.
فلو حسبنا عدد الماتريدية والأشاعرة في العالم كله، وقارنا هذا العدد بأعداد جميع هذه الفرق، لعرفنا قطعاً أن جميع هذه الفرق لا يتجاوز عُشْرَ عددِ الأشاعرة والماتريدية، ولو حسبنا عدد العلماء من الماتريدية والأشاعرة، وقارناه بأعداد العلماء من كل هذه الفرق مجتمعة، لفاقهم أضعافاً مضاعفة، وهذا لا يستطيع أحد إنكاره.
فلا يصح عند ذلك أن يقول إن جمهور علماء الأمة على إنكار الرؤية عقلاً ونقلاً، بل هذه مجرد مغالطة كما هو واضح، وكم يقترب هذا الأسلوب مع أسلوب المجسمة عندما يدعون أن جمهور علماء الأمة على إثبات الجهة والعلو، والحال أن الواقع هو عكس كلامهم المغلطي.
وبقي تدقيق آخر في كلامه، وذلك بأنه قال إن الأكثر من الأشاعرة على جوازها عقلاً ونقلاً، فهذا القول بهذه الصيغة قد يفهم منه أن بعض الأشاعرة لم يقولوا بجوازها عقلاً ونقلاً، بل قالوا بامتناعها عقلاً ونقلاً، وهذا باطل.
والصحيح هو كما يلي: إن جميع الأشاعرة قالوا بجوازها نقلاً، ولم يخالف في هذا أحدٌ نعرفه.
وأما عقلاً، فالتجويز الشرعي دليل عند جميع الأشاعرة على الجواز العقلي بلا شك ولا ريب، فلا يتصور ممن قال بالجواز شرعاً أن يقول بالامتناع عقلاً، ولكن الذي حصل هو الاختلاف على بعض الأدلة العقلية وهو دليل الوجود، هل هو قاطع بتجويز الرؤية أم لا، هذا الذي قال بعضهم بأنه قاطع وبعضهم نفى ذلك، وجمهور المحققين على عدم قطعيته، ولكن من جهة أخرى، فكلهم يقولون إنه لا يوجد دليل يمنع الرؤية، ولا يُسَلَّم للخصوم دليل، بل كل دليل فيرد عليه منع أو نقض، وكذلك يقال: العقل إذا خُلِّيَ ونفسه لم يحكم بامتناع الرؤية لأول النظر، بل يتوقف منعه لها على دليل، فهو حاكم بالجواز بالمعنى الأعم، ومع انضمام الأدلة النقلية يترجح الجواز وجوباً، وهذا مسلك صحيح وسديد.
إذن ها هي أول عبارة مما قاله المصعبي فيها خلل ظاهر، وقد صرح السالمي في المشارق بما لوح إليه المصعبي ههنا، فقال في (2/363): "وعلى هذا جمهور الأشاعرة" أ.هـ.
وذلك لما ذكر الرؤية بالبصر وأشار إلى قول اللقاني في الجوهرة، وهو يريد بذلك أن يوهم أن الأشاعرة يقولون بالرؤية المعتادة بالبصر، وهو غلط عليهم.
ثم ذكر المصعبي الحكم فيمن أثبت الرؤية، فقال (2/29): "وقال أصحابنا: مَن قال إنه يُرى في الدنيا فقد أشرك، ومَن قال إنه يُرى في الآخرة فقد نافق" أ.هـ.
إذن هذا هو حكم من أثبت الرؤية في الدنيا وفي الآخرة، فهو مشرك على الأول ومنافق على الثاني، وقد كنا رأينا المعتزلة أسهل من هؤلاء في الحكم على مثبتي الرؤية، وقد نصَّ السالمي أيضاً على هذا الحكم في المشارق، فقال (2/392):
"
ومَنْ يَدِنْ بها يكفر النعم
فاحكم له والشرك إن بجسمِ

(قوله: ومن يدن بها ..إلخ) أي ومَنْ يعتقدها ديناً فهذا حكمه، وكذلك أيضاً مَن يعتقد بثبوتها على سبيل الاجتهاد حيث لم يُخَطِّ مخالفه فيها، فإنها ليست من المسائل الاجتهادية، وإنما قيد المصنف هذا الحكم بالدائن بها؛ لأنه لا يوجد قائلٌ بها إلا وهو يخطئ من خالفه فيها" أ.هـ.
وكفر النعم هو النفاق الظاهري.
وهكذا نرى تشدد المخالفين وتعصبهم في الأحكام، فالمخالف منافق، والحديث الوارد من الإسرائيليات وهكذا، وهم يحكمون بهذه الأحكام على جمهور الأمة، فشابهوا المجسمة الوهابية والسلفية (أي المنتسبين إلى السلف وهم منهم براء) في هذا المسلك أيضاً، ولذلك نرى بعض المعاصرين ممن مال بالقول إلى هؤلاء يحكم على الأشاعرة بالنفاق ويخص بهذا الوصف الإمام الأشعري !! ثم تراهم بعد ذلك يتجرأون ويقولون إننا نريد التقريب بين المذاهب الإسلامية، ولا يحكم هؤلاء بأي حكم مثل هذه الأحكام على من كفَّر كثيراً من الصحابة واتهمهم بخيانة النبي عليه الصلاة والسلام وتغيير الإسلام وغير ذلك، بل تراه يتلطف معهم ويحرض عليهم من الزعل والغضب وسبحان مقلب الأحوال والآراء.

يتبع........

سعيد فودة
06-11-2004, 09:23
ومما يدل على أن هؤلاء الإباضية ينسبون الرؤية الحسيّة إلى جمهور الأشاعرة ما قاله المصعبي بعد ذلك (2/29): "واستدل كلٌّ على ما ادعاه بالعقل والنقل، وسيتضح لك إن شاء الله ضعف مدعاهم من الجواز بالعقل والنقل، ومن ثم وافق بعض المحققين منهم الجمهور في الامتناع كالفخر والغزالي وغيرهما، وهؤلاء من أعاظم أئمتهم" أ.هـ، ثم قال: "وقال الأكثرون منهم: يرى بعين الرأس" أ.هـ.
فهو ينسب إلى جمهور الأشاعرة أنهم يقولون بالرؤية الحسية لله تعالى، وهذا كذب عليهم، فقد تبين لنا أنه خلاف بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة، وقد وضحنا ذلك أكثر من مرة، ولاحظ أيها القارئ الكريم أن هذا أسلوب آخر يتبعه الإباضية وغيرهم، ويشاركون فيه المجسمة في هجومهم على الأشاعرة، فكأن هؤلاء لا يستطيعون الردّ على الأشاعرة إلا بنحو هذه الأساليب الملتوية التي لا تقوم على دليل ولا مستند.
وهذه الأساليب الباطلة التي يتبعها هؤلاء تدل طالب الحق على صواب رأي الأشاعرة؛ لأنهم في الحقيقة في غاية الإنصاف لخصومهم لا يغالطونهم ولا يلصقون بهم ما لا يقولون به، وذلك لأن نصرة الحق لا تتوقف على الاستعانة بالباطل، ولكن نصرة الباطل لا تتم إلا بالباطل، وسوف ترى مصداقَ هذا كله بعينيك وتعلمه بعقلك ونفسك.
وهؤلاء المخالفون للأشاعرة يتوهمون أوهاماً ثم يبنون عليها، فهم توهموا أولاً أن الرؤية التي يقول بها جمهور الأشاعرة هي الرؤية الحسية المقتضية للحد والجهة، ثم توهموا بعد ذلك أن الإمام الرازي والغزالي يخالفون جمهور الأشاعرة عندما وضَّحوا حقيقة الرؤية التي يثبتها هؤلاء، وغيرهم من الأشاعرة.
وليت شعري، هل هذا المؤلف للكتاب لم يطَّلع على كتاب الغزالي والإمام الرازي؟ أم أنه نقل عن غيره ممن توهموا أنهم يخالفون المتقدمين من الأشاعرة !!
وإذا كان اطلع على كتبهما، ألم يقرأ هو وغيره ممن صرَّح بهذا الزعم، ألم يقرأ قول الغزالي مثلاً في [الاقتصاد] بعدما وضّح معنى الرؤية الذي يزعم هذا الشيخ المؤلف الإباضي أنه يخالف فيه جماهير الأشاعرة، قال الإمام الغزالي ص66 في مبحث الرؤية: "فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية علم أن العقل لا يحيله، بل يوجبه، وأن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها" أ.هـ، فقد نسب الإمام الغزالي إذن المعنى الذي وضحه للرؤية إلى أهل الحق جميعاً، ولم يقل هذا عبارة عن رأيه الخاص الذي تفرد به وتميز به عن غيره، لا، ولا قال إن هذا خلاف رأي الأشعري ولا خلاف رأي مَن تقدمه من الأشاعرة، فهل كان الشيخ السبحاني والسالمي والشيخ المصعبي وغيرهم ممن ادعى هذا الأمر أعلم بالغزالي من الأشاعرة أنفسهم؟ أم كانوا أعلم بالغزالي من نفسه؟ أم أعلم برأي الأشعري من الغزالي نفسه؟ لا والله ليسوا بشيء من ذلك، بل غايتهم صدق الوصف الذي وصفهم به الإمام الغزالي نفسه، كما ذكرناه عنه.
ولكن، وإن كان المصعبي صاحب معالم الدين، قد وقع في الغلط الذي ذكرناه، إلا أنه أصاب من جهة ثانية عندما قال في (2/30) بعد ما نقل رأي الغزالي في الرؤية: "وفي جميع ما ذكره كما ترى نفيٌ للرؤية المعتادة بل استحالتها، وتصريح بأن ذلك ازدياد علم لا إحساس بالعين، وما ذكر كما قال الشماخي لا ينكره نافي الرؤية إلا أنه يسميه رؤية، بل علماً يقينياً، والخلاف كما قال لفظي" أ.هـ. وهذا كلام عجيب في الحقيقة، فهو يقول بأن كلام الغزالي نفيٌ للرؤية المعتادة يقصد الحسية المستلزمة للصورة والحدّ والجهة، فنقول له: ومَن - أيها الشيخ الإمام المحقق! – لم ينفِ ذلك من الأشاعرة، وهل تحسب أن الغزالي والرازي هما فقط من نفاها، إن هذا الظن إن كان فيك فهذا قدح واللهِ في اطلاعك على آراء المخالفين، بل هو يقدح في إنصافك؛ لأن من الإنصاف الاطلاع على ما هو مشهورٌ على الأقل، نعم لو كانت كتب الغزالي والرازي وغيرهما من الأشاعرة خفية نادرة، لعذرناك، ولكنها كثيرة عديدة منتشرة، فلا عذرَ.
وأما ما نقله عن البدر الشماخي، فهو حسن على وجه الإجمال، ولكن هناك من الإباضية مَنْ لم يُرْضِه كلام الشماخي، ولم يَقْنَع بما قنع به الشماخي وهو من كبارهم، وذلك مثل السالمي صاحب مشارق أنوار العقول، فقد قال (2/363): "ثم إنا لا نقنع من الفخر الرازي والغزالي بما قالاه في تأويل الرؤية بالعلم؛ لأن حقيقة ذاته لا تُعلم، وإنما تعلم صفاته فقط، وذلك أنه لا بدّ للشيء المعلوم من أن تتصور في ذهن العالم به، وحقيقة ذاته تعالى لا تتصور" أ.هـ.
هذا أول كلام السالمي في هذا المحل، وسوف نورد بقيته تباعاً بعد الردِّ على هذا القسم، فنقول: عدم قناعتك بما قاله الرازي والغزالي ووافقا فيه سائر الأشاعرة لا يضيرنا ولا يؤثر في الأمور فيجعلنا نتشكك في صحة ما قالاه ولا في صحة كلام الأشعري نفسه في هذه المسألة.
وأما تعليله عدمَ قناعته بقوله: "لأن حقيقة ذاته تعالى لا تعلم، وإنما تعلم صفاته فقط" أ.هـ، فهو دليل على ضعفه وتسرّعه في الحكم، فهو ينسب إلى الغزالي والرازي أنهما يقولان بأن الرؤية كاشفة عن حقيقة الذات، والحقيقة أن كلاً من الغزالي والرازي كلامهما صريح بأن حقيقة الذات الإلهية لا يمكننا العلم بها، وأننا لا نعلم سوى أحكام عنها وعن الصفات، وصرَّحا أيضاً بأن الرؤية لا تستلزم الكشف عن الحقيقة، بل كل ما يلزمها إنما هو زيادة علم عمّا كنا نعلمه بالنظر والعقل والنقل، وهذا غير محال في نفسه ولا بالنسبة لنا، بل الحكم بإمكانه العقلي واضح لا يحتمل النزاع أصلاً.
وقوله: "حقيقة الذات لا تعلم"، إن أراد لا تعلم مطلقاً، فهو كلام باطل قطعاً، لأن الله تعالى عالم بحقيقة ذاته، وإن أراد نحن لا نعلمها، فهذا لا يخالفه فيه الرازي والغزالي كما قلنا، ولذلك فلا يصح أن يُظهِر هذا الأمر على أنهما يخالفانه فيه.
وأما قوله: "وإنما تعلم صفاته فقط"، إن أراد إننا نعلم حقيقة صفاته، فهو كلام باطل قطعاً، لأننا كما لا نعلم ذات الله تعالى في حقيقتها، فكذلك لا نعلم صفات الله تعالى في حقيقتها، وإنما الذي نعلمه مجرد أحكام ثابتة للذات وللصفات.
وأما قوله: (وذلك أنه ..إلخ)، فدليل على ضعفه وعدم دقته، وها هنا وقع في خلط بين قول المناطقة العلم الصورة الحاصلة في النفس أو العقل، وبين كون المعلوم له صورة أي شكل معين ذو هيئة وأوضاع ونسب بين أجزائه، فيوجد فرق كبير بين هذا وذاك، ولكن هذا الشيخ خلط بين الأمرين، فاعتقد أن حصول الصورة الإدراكية يستلزم كون المدرَك له صورة، ويوجد فرق بين الأمرين.
فالصورة الإدراكية هي عبارة عن الإدراك الحاصل في العقل أو النفس، من حيث النظر إلى ذاته، وهذه الصورة الإدراكية من حيث هي موجودة وحاصلة في العقل، تكشف عن المعلوم أو ينكشف بها المعلوم على ما هو عليه، سواءً كان له صورة أم لم يكن، فلا يشترط للإدراك من حصول صورة للمدرَك في نفسه.
فعندما نقول: نحن علمنا أن اجتماع النقيضين باطل، تكون صورة إدراكية قد حصلت في عقلنا، ولكن هذه الصورة تكشف عن شيء لا صورة له في نفسه، بل المنكشف بها مجرد حكم ونسبة لا تتصف بالصورة والكيفية التي هي الهيئة ذات الوضع أصلاً.
وقد جهل بعض المتسلقة إلى هذه العلوم الشريفة هذا الفرق الدقيق، فاعترضوا علينا بنفس الاعتراض عندما قلنا: الرؤية هي عبارة عن الصورة الإدراكية الحاصلة في النفس، فقالوا: يلزمك إذن كون الله له صورة إذا قلت برؤيته!! وهذا إلزام دالٌّ على جهل كبيركما لا يخفى على العالم، فلا يلتفت إليه ولا يشتغل بالجواب عنه إلا ببيان الفرق بينهما كما قلنا، فإن أصرَّ على زعمه فهو معاندٌ حاقدٌ لا يريد البحث والنظر، بل يريد مجرد المهاترات والمشاغبات، ومَن كان كذلك فلا نشتغل نحن بالكلام معه، لأن هذا ينزل من مقام العلماء.
ثم قال السالمي (2/363): "فإن قيل: إن بعض الأصحاب قد فسَّر الرؤية في الحديث بالعلم، وقد قنع البدر الشماخي من الفخر والغزالي بما قالاه، حيث قال: والخلاف حينئذٍ لفظي. قلنا: أراد ذلك البعض بالعلم بالله زيادة العلم بصفاته، حيث انكشف لهم من أمور الآخرة ما يعدهم بها، وكما قيل: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى هذا المعنى حمل البدر كلام الفخر والغزالي حُسْنَ ظنٍّ بهم، لكن إشارتهم دالَّةٌ على إرادة العلم بحقيقة ذاته لا بصفاته فقط" أ.هـ.
فأول ما نقوله في الرد على كلامه هذا: أَرْبِع على نفسك بعض الشيء أيها الشيخ السالمي!!
فليست المسألةُ مسألةَ عَطْوَة أو حلاً لإشكال بين متقاتلين حتى تقنع أو لا تقنع أنت أو غيرك، بل المسألةُ أساساً مسألةُ علمٍ ونظر وبحث.
وليعلم السالمي أن عدم قناعته بكلام الغزالي والرازي قَدْحٌ في الشماخي لأنه قنع!! منهما بذلك، ولكن مسألة القناعة أصلاً بهذا المعنى ليست مطروحة هنا، بل المسألة مسألة قواعد علمية وكلام مستقيم سوي.
وبعد ذلك، نقول:
حَمَلَ السالمي قول بعض أصحابه من الإباضية عندما قالوا: المقصود بالرؤية في الحديث الوارد إنما هو العلم، وفهم من هذا العلم فقط أي زيادة استدلالات وزيادة طمأنينة للقلب، فإن كان هذا هو المعنى الذي يريدونه، فنحن نخالفهم فيه، بل الرازي والغزالي يخالفانهم فيه أيضاً، ولعله يحمل الرؤية على هذا المعنى فقط؛ لأنه يعتقد أنه يعلم جميع صفات الله تعالى، ويتعقل كمالاته كلها؟! ولكنه إذا كان يعتقد ذلك، فهو اعتقاد باطل، وهذا عين القول بأن العلم بالحقيقة حاصل، ولكنه نفى ذلك كما رأينا، إذن يتبين لنا أن كلامه فيه تناقض من بعض الجهات.
والحق كما يلي: أننا لا نعرف عن الله تعالى إلا بعض الأحكام، ولكن نقول أيضاً إن كمالات الله تعالى لا يحيط بها أحد، ولذلك فلا يستحيل عقلاً أن يعلمنا الله علماً ضرورياً ما غاب عنا، وهذا هو خلاصة معنى الرؤية، وسوف نورد لك كلام الغزالي رحمه الله تعالى يبين هذا المعنى ويناقض كلام السالمي الإباضي الذي يدعي أنه يفهم حقيقة كلام الغزالي، وسوف يتبين لك أن الغزالي مع هذا لا يقول مطلقاً بأننا بالرؤية نعلم حقيقة الذات كما زعم السالمي، فلم يقنعه!! ما قاله الغزالي والرازي.
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الاقتصاد ص64: "... فلنبحث عن الحقيقة (أي حقيقة الرؤية) ما هي، ولا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال ومزيد كشف بالإضافة إلى التخيل، فإنا نرى الصديق مثلاً ثم نغمض العين، فتكون صورة الصديق حاضرة في دماغنا على سبيل التخيل والتصور، ولكنا لو فتحنا البصر أدركنا تفرقته، ولا ترجع تلك التفرقة إلى إدراك صورة أخرى مخالفة لما كانت في الخيال، بل الصورة المبصرة مطابقة للمتخيلة من غير فرق، وليس بينهما افتراق، إلا أن هذه الحالة الثانية كالاستكمال لحالة التخيل، وكالكشف لها، فتحدث فيها صورة الصديق عند فتح البصر حدوثاً أوضح وأتمّ وأكمل من الصورة الجارية في الخيال، والحادثة في البصر بعينها، تطابق الصورة الحادثة في الخيال.
فإذن التخيل نوع إدراك على رتبة، ووراءه رتبة أخرى هي أتمّ منه في الوضوح والكشف، بل هي كالتكميل له، فنُسَمِّي هذا الاستكمال بالإضافة إلى الخيال رؤية وإبصاراً.
وكذا من الأشياء ما نعلمه ولا نتخيله، وهو ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وكل ما لا صورة له، أي لا لون له ولا قدر، مثل القدرة والعلم والعشق والإبصار والخيال، فإن هذه أمور لا نعلمها ولا نتخيلها، والعلم بها نوع إدراك، فلننظر: هل يحيل العقل أن يكون لهذا الإدراك مزيد استكمال نسبته إليه نسبة الإبصار إلى التخيل؟
فإن كان ذلك ممكناً سمَّينا ذلك الكشف والاستكمال بالإضافة إلى العلم رؤية كما سمَّيناه بالإضافة إلى التخيل رؤية ..
ومعلوم أن تقدير هذا الاستكمال في الاستيضاح والاستكشاف غير محال في الموجودات المعلومة التي ليست متخيلة كالعلم والقدرة وغيرهما، وكذا في ذات الله سبحانه وصفاته، بل نكاد ندرك ضرورة من الطبع أنه يتقاضى طلب مزيد استيضاح في ذات الله وصفاته وفي ذوات هذه المعاني المعلومة كلها.
فنحن نقول: إن ذلك غير محال، فإنه لا محيل له، بل العقل دليل على إمكانه، بل على استدعاء الطبع له، إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم، والنفس في شغل البدن وكدورة صفاته، فهو بسببه محجوب عنه.
وكما لا يبعد أن يكون الجفن أو الستر أو سوادٌ ما في العين سبباً بحكم اطراد العادة لامتناع الإبصار للمتخيلات، فلا يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الأشغال بحكم اطراد العادة مانعاً من إبصار المعلومات.
فإذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور، وزكيت القلوب بالشراب الطهور، وصفيت بأنواع التصفية والتنقية، لم يمتنع أن تستعدّ بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات الله سبحانه أو في سائر المعلومات، يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل، فيعبر عن ذلك بلقاء الله تعالى ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات، فلا مشاحة فيها بعد إيضاح المعاني.
وإذا كان ذلك ممكناً، بأن خلقت هذه الحالة في العين كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه في العين غير مستحيل، كما أن خلقها في القلب غير مستحيل، فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه، وأن الشرع قد شَهِد له، فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عد درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها" أ.هـ.
ها هو كلام الإمام الغزالي نقلناه لنبيّن للقارئ أن هذا السالمي الإباضي لم يتمعّنْ كفاية في مدلولات معاني كلام حجة الإسلام، وقد تبيّن بوضوح أن الإمام الغزالي لا يزعم أن الرؤية تكشف عن حقيقة الذات الإلهية، بل يصرح بخلاف ذلك، وكل ما يقوله أن الله تعالى يمكن أن يخلق فينا زيادة علمٍ تتجلى به لنا بعض كمالاته، كما يتجلى لنا الشيء زيادة تجلٍّ حين نراه بعد العلم به، وهذه المسألة بهذا القدر قريبة من البداهة، ومنكرها معاندٌ كما قال، وذلك كله من دون إثبات صورة لله تعالى ولا تخيل له ولا حدّ ولا مقابلة ولا جهة ..إلخ.
وأنا لا يخطر في بالي مطلقاً أن كلام الغزالي يحتاج إلى شرح، فأستغرب جداً عندما أرى بعض المشايخ المقَدَّمين في فرقهم وعند أتباعهم يغلطون في إدراكه وفهمه.
وبعد ذلك نقول: لا داعي لأن يتكلف السالمي لأن يضغط على نفسه ويحسن الظن بالغزالي والرازي، وكأن كلامهما في ذاته باطل ومتناقض، ولكنه إحساناً للظن بهم يقول ما يقول، أو أنه يعتقد أن ما قاله البدر الشماخي مبني على إحسان الظن فقط، وليس مبنياً على معاني كلام الرازي والغزالي نفسيهما، وهذا الظن من السالمي قادح في حكم الشماخي واتهام له بأن كلامه غير مبني على قواعد علمية، بل على مجرد إحسان الظن، ولا مدخلية لإحسان الظن في هذه المسائل العلمية الأصلية، والحق أن في كلام السالمي إشارات كثيرة تزعج طلاب الحق يذكرها تلويحاً، ويا ليته كان فيها من المصيبين ! فنقرّ له ونحترم رأيه، بل هو في جميعها غير مصيب، والله الموفق.

يتبع .......

سعيد فودة
20-11-2004, 23:13
مناقشة استدلالات الإباضية على إحالة الرؤية عقلاً

إن ما يتعلق به الإباضية في هذا المطلب لا يزيد على ما تعلق به المعتزلة وغيرهم، ولذلك فإننا سوف ننبه على بعض مواضع من كلامه، حتى لا يتكرر الكلام كثيراً.
والمؤلف على سبيل العموم يتبع المعتزلة في استدلالاته، وهو متوافق مع الشيعة في تفسير كلام الأشعري وغيرهم ممن يسمونهم قدماء الأشاعرة أو المتقدمين، ولا أدري من أين جاؤوا بالقول بأن الإمام الأشعري قائل بالرؤية الحسية المتضمنة للاتصال والمستلزمة للحد والجهة وغير ذلك، والحال أن نسبة هذا القول إلى الإمام الأشعري وهو ينكره وينفيه يبعث على الدهشة والاستغراب من هؤلاء.
وهو في كل كلامه يبني معانيه واستدلاله على أن الرؤية معناها (2/43): "انطباع مثل صورة المدرك في العين وانبعاث الأشعة منها، فتفعل بالمرئي وعلى كل منهما يستلزم الجهة والمقابلة، ويشترط لها مع ذلك عدم القرب والبعد المفرطين، ولا تتصل تلك الأشعة إلا بالأجرام التي لها جهة ومقابلة على ما مرّ غير مرة، والله سبحانه منزّهٌ عن ذلك" أ.هـ.
هذا هو المعنى الذي يحاول المؤلف نفيه عن الله تعالى، ونحن قد علمنا أنه لا يقول بهذا المعنى أحد إلا المجسمة، أما الأشاعرة فهم ينفونه صراحة، ولا يشترطون للرؤية هذه الشروط، ولا يقولون يجب إذا كانت رؤية أن تنطبع صورة للمرئي، فقد يكون المرئي ليس ذا صورة أصلاً، فلا ينطبع في العين، أو لا يحصل في العين إلا صورة إدراكية، تكشف عن المرئي إذا كانت ذا صورة، تكشف عن صورته، وإلا فهي تكشف عن حقيقته أو بعض صفاته. وهذا المعنى لا يستلزم التجسيم ولا يتضمنه كما هو واضح.
وأما رؤية الأعراض والأصوات فإذا كانت موجودة، فقد قلنا إننا لا ندفع رؤيتها ولا نحيلها، بل نقول بإمكانها، غاية الأمر أنها ليست حاصلة لنا إلا بحدود معينة، ولا يستحيل على قدرة الله أن يخلق فينا قدرة على رؤية جميع الأعراض والأشعة والذبذبات الاهتزازية، والقائل باستحالة ذلك عليه الإتيان بالدليل.
ونحن نتعجب من هذا الشيخ المصعبي عندما قال (2/45) وصفاً لكلام الأشاعرة: "وقالوا ولو سلم ذلك كله، فرؤية الله تعالى عن ذلك تكون بدون اتصال، وبلا ارتسام ولا مقابلة ولا جهة ولا كيف، قلنا: هذا ولله الحمد اعتراف بامتناع الرؤية المعهودة، التي هي محل النزاع ورجوع عن القول بها إلى العلم الذي هو محل الاتفاق، ونفيٌ لها كما صار إليه الإمام الفخر كالغزالي، ولله درهما، وقد حدا حدوهما بعض المحققين من الأشاعرة" أ.هـ.
وهذا الكلام كما ترى يكثر المؤلف الشيخ المصعبي من تكراره، وقد بينا أنه لا أساس له من الصحة، وأن ما يتخيله من قول جمهور الأشاعرة بالرؤية الحسية المستلزمة للحد والجهة، فهو مجرد خيال في وهمه، بل جميعهم قاطبة أنكروا هذا المعنى، وبصريح قولهم، ونفيهم ذلك عند الكلام على مسألة الرؤية، لا يقال عليه إنه رجوع عن القول بالرؤية الحسية، إلى العلم، بل هو عبارة عن تحقيق كلامهم، ومتطابق مع ما يصرِّحون به دائماً، ولم تحدث رجعة ولا غيرها، إلا في وهم القائل بالرجوع المزعوم، بناءً على فهمه الغلط لمذهب القوم ..
وأما الفخر الرازي والإمام الغزالي فلم ينفيا الرؤية مطلقاً، بل أثبتاها وإذا قصد أنهما نفيا الرؤية الحسية العادية عن الله تعالى، فهذا النفي لم يختصّ بهما، ولم يتفردا به، بل قال به جميع الأشاعرة بدءاً من الأشعري نفسه حتى آخرهم، لم يخالف منهم أحد في هذا الوصف.
وأما ما زعمه الشيخ المصعبي بعد ذلك (2/45): "ولو جاز أن يرى الله تعالى من غير اتصال لجاز أن يشمَّ ويذاق ويلمس، وقد التزمه البعض منهم لجاجاً وتعصباً، وجاز أن يكون جسماً من غير تأليف، أو به بدون تحيز، وأن يكون له وجه وكف وساعد وقدم من غير صورة أو على صورة الإنسان بغير شكل، وأن يكون طويلاً وعريضاً بلا نهاية أو بها، وقد قال بكل ذلك كثير من المرجئة والأشعرية" أ.هـ.
فهو ينسب إلى كثير من الأشاعرة القول بهذه المتناقضات، وطريقة إلزامه لهم بذلك متناقضة ومغلطية، ونسبة هذه الأقوال إليهم كذبٌ عليهم، وسوف نبيّن ذلك باختصار.
فها هو يقيس الرؤية على الذوق والشم واللمس، ولا وجه للقياس، لأمور: أولاً أننا لم نثبت لفظ الرؤية إلا لوروده، ثم حملناه على معنى معقول وسائغ لغة، ولم نحمله على المعنى الذي يتبادر منه التجسيم إلى الأذهان كما يزعم المصعبي وغيره، وأما اللمس والذوق والشم فهي أولاً لم يرد نسبتها إلى الله تعالى، وأيضاً فهي دالّة على التجسيم صراحة بظاهرها، لأن اللمس معناه يتضمن الحدّ، وكذلك الشم والذوق يستلزم كل منهما الانقسام والحد، وكل هذا باطل في حق الله تعالى، فتبين أنه لا يوجد قياس بين هذا وذاك، وأما الجسم بدون التحيز، فمستحيل عقلاً، لأن التحيز وصف نفسي للجسم، ووجود الماهية بلا ذاتياتها محالٌ، وكذلك الجسم بلا تأليف، وكذلك إثبات الأعضاء بلا صورة، وغيره كل ذلك محال باطل؛ لأنه تناقض داخلي كما مضى.
ولم يقل بهذه الأقوال أحد من الأشاعرة، وهذا معلوم واضح لكل ذي اطلاع، فنسبة هذه الأقوال الباطلة إلى كثير من الأشاعرة غلط كبير عليهم، قريب من الكذب.
وهذا الأسلوب من الإلزام والجدل الذي يستخدمه المصعبي ومثله السالمي ومثلهما السبحاني، لا يليق حقيقة بالعلماء المحققين، خاصة مع انتشار كتب الأشاعرة ووضوح مذهبهم.
وقد قال المصعبي بعد ذلك إن الأشاعرة مضطربون في مسألة الرؤية، وهاك قوله في (2/47): "وبالجملة فاضطراب أقوال الأشاعرة في الرؤية دليل قاطع على عدم إصابة وجه الحق في تنزيه الباري سبحانه" أ.هـ، ثم شرع في بيان وجه الاضطراب، بأن الأشعري قال إن الرؤية تحدث بالبصر وعين الرأس، ونقل عن الباقلاني أن موسى عليه السلام رأى ربه، وقال إن بعضهم منع الرؤية في الدنيا، وبعضهم قال بجوازها في الدنيا والآخرة، وبعضهم منعها مطلقاً دنيا وأخرى.
هكذا بيّن المصعبي اختلاف أقوال الأشاعرة، وكل ما نقله غير صحيح، وسوف نبين ذلك بتفصيل عند بيان أقوال أهل السنة الأشاعرة والماتريدية في هذه المسألة في المباحث التالية، ولكن نقول هنا قولاً مجملاً: لم يضطرب الأشاعرة في هذه المسألة، بل كلهم على قول واحد، وهو أن الرؤية جائزة دنيا وأخرى، وواقعة في الآخرة للمؤمنين، وأن الرؤية تكون بأن يخلق الله تعالى الرؤية إما في العين أو النفس مباشرة، بلا اتصال شعاع ولا مقابلة ولا جهة ولا حد ولا صورة.
وأن الرؤية زيادة تجلٍّ لله تعالى، وهي نعمة عظيمة ينعم الله تعالى بها على المؤمنين.
وليس في هذا اختلاف بينهم.
ولكن الاختلاف حاصل في فهم المخالفين لما يقول به الأشاعرة، ولذلك ينسب إليهم المصعبي وغيره الاضطراب، كما رأينا ذلك عند الشيخ السبحاني من الشيعة الإمامية أيضاً، ورأيناه عند الزيدية، وإنما الاضطراب حاصل في فهم هؤلاء لكلام الأشاعرة وتوضيحات علمائهم، فلذلك توهموا أن الرازي والغزالي يخالفان غيرهم من الأشاعرة، ونحن قد بيّنا أن هذا كله غير صحيح.
والزيادة من الكلام على هذا عَبَثٌ بعد اتضاح المقام.


يتبع...

سعيد فودة
19-12-2004, 12:39
مناقشة قول المجسمة التيمية في مسألة الرؤية
لقد بيّنا قول المجسمة في هذه المسألة أثناء كلامنا مع الفرق السابقة، ولكن سوف ننقل ههنا بعض النصوص التي تدلل أن هذه الفرقة تثبت الرؤية بالجهة والحد والجسمية، وجميع ما يلزم على ذلك من الصورة وغيرها.
إن الرؤية عند هؤلاء المجسمة هي عبارة عن حصول الصورة في العين بواسطة مقابلة المرئي، وهذا المعنى عام عندهم، فيجب أن يكون المرئي مقابلاً للرائي، لا يفرّقون بين الله تعالى وبين المخلوقات، وهذا هو الفرق الكبير بين قولهم وقول الأشاعرة كما وضحناه.
فالله تعالى لو لم يكن في جهة لاستحالت رؤيته، هكذا يقولون، وبذلك يصرحون، فالله تعالى في جهة وله حدود ويقابل في المكان مكانَ وجود المخلوقات ..إلى آخر ما يقال في هذا الصدد.
وقد كنا ذكرنا أن معنى الرؤية عند المعتزلة، هو عين معنى الرؤية عند المجسمة، إلا أن المعتزلة نفوا رؤيتنا لله تعالى؛ لأن الله ليس جسماً ولا متحيزاً ولا محدوداً ولا يتصل ولا يماس المخلوقات، أما المجسمة فقد أثبتوا الرؤية لأن الله تعالى عندهم جسم ومحدود في جهة من المخلوقات ويماسها ..إلخ.
فالأصل في معنى الرؤية محل اتفاق بين المعتزلة والمجسمة، بل هذا الأصل محل اتفاق بين المجسمة وبين جميع الفرق المخالفة للأشاعرة والماتريدية أهل السنة.
وهذا ينقض ما يتصوره كثيرون من ذوي المعرفة السطحية، من أن هناك اشتراكاً في معنى الرؤية بين المجسمة وبين الأشاعرة، والحقيقة أن الاشتراك والاتفاق حاصل في معنى الرؤية بين المجسمة وبين سائر الفرق إلا الأشاعرة، ونحن قد وضحنا ذلك سابقاً.
من هذه المقدمة التي يتلخص بها ما يمكن أن يقال في هذا الموضع، تتبين لطالب الحق أصول كلية تفتح له أبواباً ومعارف.
والآن فلنذكر بعض النصوص التي يقول بها هؤلاء المجسمة في الرؤية، ليتبين للقراء الكرام حقيقة الفرق بين قولهم وبين قول الأشاعرة، وذلك حتى لا يحصل خلط بعد ذلك بينهما في أذهان طلاب العلم، فيترتب على ذلك اختلاط المسألة عندهم، مما ينتج عنه خطأ عظيم في الأحكام والمواقف.
والحقيقة أن المعتزلة وغيرهم من الفرق المذكورة سابقاً، عندما كانوا يتكلمون عن الرؤية الحسية التي تتضمن المقابلة والمماسة والتحيز والحد، كانوا ينسبون ذلك إلى الأشاعرة، ثم يتوهم بعضهم كالإباضية والشيعة أن المتأخرين من الأشاعرة قد خالفوا المتقدمين، فالمتقدمون عند هؤلاء كانوا يثبتون الرؤية الحسية، والمتأخرون نفوها وقالوا: الرؤية نوع كشف وتجلٍّ.
هكذا كان هؤلاء يتوهمون، ونحن قد أبطلنا هذا الوهم في أبحاثنا السابقة، والآن نقول: الحق أن تلك الفرق كان ينبغي لها أن توجه ردودها التي أشرنا إليها سابقاً إلى فرقة المجسمة، فهم الذين يثبتون الرؤية الحسية على حقيقتها العرفية العادية، أقصد يثبتون الرؤية المشروطة بمحدودية المرئي وكونه في جهة ومكان إلى آخر ذلك مما علم.
ولذلك فإن هؤلاء المجسمة عندما كانوا يضيفون الرؤية إلى العين أو الوجه، فهم يقصدون إثبات جميع اللوازم التي يعتبرها الأشاعرة عادية، يقصد المجسمة إثباتها لله تعالى، ويصرحون بذلك لأنهم يعتقدون أن هذه الأمور ليست مجرد شروط عادية، بل هي شروط عقلية، لا يتصورون حصول الرؤية إلا بها، وهذه هي جهة الاشتراك بينهم وبين المعتزلة كما وضحناه سابقاً.
ولذلك فقد قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ، ص205: "وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله" أ.هـ.
وهو يريد بهذا الكلام إثبات الرؤية الحسية، أي أن الرؤية التي يعتادها الناس مع شروطها في حياتهم المعتادة، هي نفسها التي يثبتونها عندما يقولون برؤية الله تعالى، فهم من هذا الباب مشبهة أيضاً، ومجسمة، وهذا هو محل خلافهم مع الأشاعرة، فإن الأشاعرة أصابوا الحق عندما قالوا: إن الرؤية بحسب المرئي، والله تعالى ليس له حدّ ولا في جهة، ولذلك تكون رؤيته كما هو عليه في نفسه أي بلا حد ولا في جهة، كما نعلمه كذلك، أما هؤلاء المجسمة فقد جعلوا نفس الرؤية دليلاً على إثبات الجهة والحدّ في حق الله تعالى، فشتّان بين المذهبين، وتعساً لمن يسوّي بينهما.
ولذلك وتأكيداً لهذا المعنى الذي قررنا أن المجسمة يقولون به، قال ابن أبي العز الحنفي في ص211: "وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تُعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومَن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابراً لعقله وفي عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، ردّ عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
ولهذا ألزم المعتزلة مَنْ نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة" أ.هـ.
هذا هو لبّ كلامه حول ما يتعلق بمعنى الرؤية ولوازمها وشروطها، ونودُّ قبل التعليق عليه أن نلفت النظر إلى ما يلي:
إن هذا ابن أبي العز الحنفي عندما يقول إن العلو ثابت لله تعالى، يريد أصالة بلفظ العلو معنى الجهة، ولا يريد العلو في الوجود والحقيقة الذي هو محل اتفاق بين جميع أهل الإسلام، فلا نعلم أحداً يقول إن الإله أنزل مرتبةً من المخلوقات، بل كونه عليا علو حقيقة وقدر وصفات، محل إجماع من كل مؤمن بالله تعالى.
ولذلك، فهو يغالط مجرد مغالطة عندما يستدل بنفس العلو على الجهة، ويغالط عندما يستعمل لفظ العلو هنا، وكان ينبغي أن يستعمل لفظ الجهة؛ لأن معنى الجهة هو الذي فيه خلاف لا العلو المحتمل لعلو القدر والمكانة محل الاتفاق، ولعلو الجهة والحيز والمكان محل الخلاف، وكان ينبغي أن يستعمل الألفاظ المحكمة محل النزاع، ولكن هذه هي عادة هؤلاء المجسمة، بل هي عادة كل المخالفين لأهل الحق ترويجاً لمذهبهم.
ثم نقول: لاحظ أن ابن أبي العز يحكم باستحالة الرؤية بلا جهة، ويعتبر هذا مخالفاً للعقل، وهذا دليل كما أخبرناك على أنهم يتفقون مع المعتزلة في أصل معنى الرؤية، ويخالفون الأشاعرة في ذلك.
وأما استناده إلى سؤال المعتزلة المبني على وجود تناقض بين إثبات الرؤية ونفي الجهة، فلا يضرنا؛ لأنا نقول: هذا الزعم بالتناقض مبني على مصادرة على المطلوب، ومغالطة، فبعض مقدماته وهي أنه لا رؤية إلا بحد وجهة لا يسلمها الخصم، بل يلزمه التناقض، وإنما يلزم التناقض لو كان مسلِّماً بجميع المقدمات التي ينبني عليها بيان التناقض، وليس الأمر كذلك هنا، وقد كنا ذكرنا هذا المعنى في نقاشنا مع الشيعة والمعتزلة، ولكن نرجو أن يكون في تكراره هنا فائدة وتذكير.
وأما تلويح ابن أبي العز أنه في قوله هذا إنما يعتمد على ظاهر الحديث من تشبيه الرؤية بالرؤية، فهو كلام فاسد أيضاً، ومبني على مصادرة ومغالطة.
لأنا أولاً يجب أن نحرر المقصود من الرؤية، هل هي الإدراك أم هي الإدراك مع المقابلة واتصال الشعاع وكون المرئي ذا حدٍّ ومكان، فالمجسمة وغيرهم من الفرق، يقولون بالمعنى الثاني، أما الأشاعرة ومن وافقهم فيقولون بالمعنى الأول، وبناءً على ذلك نفهم نحن الحديث النبوي الشريف على مذهبنا وعلى فهمنا لمعنى الرؤية، فنقول: المقصود بالرؤية زيادة تجلٍّ، والمقصود بالحديث التشبيه بين رؤيتنا للقمر ليلة البدر وبين رؤيتنا لله، من جهة معينة، وهي أنها لا يشوبها شك، ولا يعترضها معترض، بل تكون تجلياً ضرورياً لا يمكن اجتماعه مع الشك والتردد.
وأما المجسمة، فلما قالوا بمعنى الرؤية الذي وضحناه، لزم عندهم أن يكون الله بجهة وله حدّ وفي مكان ..إلخ.
وأما المعتزلة وغيرهم من الفرق، فلما قالوا بمعنى الرؤية الذي قال به المجسمة، وكانوا ينفون كون الله جسماً ومتحيزاً ..إلخ، نفوا أصلَ الرؤية.
فالعاقل يرى أن أعدل المذاهب هو مذهب الأشاعرة الذي أخذ بالثابت من المنقول، ووضحه بما يتوافق مع المعقول، فلم يناقضوا قواعد العقل وأحكامه كالمجسمة، ولا ردُّوا الثابت بالنقل كالمعتزلة وغيرهم.
وبما أن المجسمة ارتكبوا ما ارتكبوا فلا يصح أن يقول ابن أبي العز إن تشبيه الله تعالى بخلقه لا يلزمهم، بل هم قائلون به ومصرحون، وقد صرَّح ابن تيمية كما وضحت في كتاب الكاشف الصغير لزوم التشبيه على مذهبهم، بل صرح بضرورة القول به، ونفى أن تكون الشريعة قد ذمَّت التشبيه!!
والمجسمة من أتباع ابن تيمية لا يترددون في التزام الجهة والحد والحيز، ولذلك ترى ابن أبي العز استعمل كلمة العلو أولاً، ثم استعمل كلمة الجهة بعدها بسطر واحد، ليدل على أن مفهومه من العلو هو الجهة، وهذا اعتراف منه بما قلناه ونسبناه إليهم.
وكذلك ترى ابن عثيمين يصرح بعدم الضرر من التزام الجسمية، أي التزام كون الله جسماً عند إثبات الرؤية بهذا المعنى، وذلك كما في شرح العقيدة الواسطية ص417-418، فقد قال: "أما دليلهم العقلي على امتناع الرؤية، فإنهم يقولون: إنك إذا رأيت الله إذا قلنا بجواز الرؤية، لزم أن يكون جسماً، والأجسام متماثلة، وهذا تكذيب لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء).
فنردّ عليهم بأن نقول لهم: إن كان يلزم من جواز رؤية الله عزّ وجلّ أن يكون جسماً فليكن، لأن لازم قول الله ورسوله حقٌّ، ولكن لا يلزم أن يكون هذا الجسم كالأجسام المخلوقة" أ.هـ.
فها أنت ذا ترى ابن عثيمين لا يتردد في التزام كون الله جسماً، لإثبات الرؤية بشروطها المعتادة، فهذا هو التشبيه حقاً، وهذا هو التجسيم، ولا ينجيه من التجسيم ما قاله بعد ذلك: "وكما أنكم تقولون إن لله ذات لا تشبه الذوات، فنحن نقول: إذا كان يلزم أن يكون جسماً فله جسم لا يشبه الأجسام؛ لأن أجسام المخلوق حادثة بعد أن لم تكن، ومكوّنة من أجزاء لا يقوم بعضها إلا ببعض، لكن الخالق ليس جسماً بهذا المعنى أبداً" أ.هـ.
ومعنى هذا الكلام كما هو واضح، أن الله تعالى جسم، ولكنه يختلف عن غيره من الأجسام من وجوه:
- أن الله جسم قديم، وغيره أجسام حادثة، وهذا المعنى صرَّح به ابن تيمية كما بينته في الكاشف الصغير.
- أن لله صورة ليست مثل صورة غيره.
- وأن أجزاء الجسم غير الله ربما تنفصل عن بعضها البعض، أما الله فلا تنفصل أجزاؤه أبداً، وهذا هو ما صرَّح به ابن تيمية كما بينته في الكاشف الصغير.

فالفارق الرئيسي هو في الحدوث والقدم، أما حقيقة الجسمية فهم لا ينفونها، بل يثبتونها لله تعالى، وبعد هذا البيان فكيف يمكن أن يتجرأ واحدٌ، ويقول: إن مذهب الأشاعرة هو عين مذهب المجسمة، وهذا القائل يدلل على مدى جهله لا غير.
وبهذا المبحث نكون قد انتهينا من مناقشة الفرق المذكورة في المبحث المذكور، وبهذا تكون مذاهب كل فرقة من هذه الفرق قد امتازت عن غيرها، مما يؤهلنا للانتقال إلى المباحث التالية بتوفيق الله تعالى.


يتبع......

سعيد فودة
03-01-2005, 09:09
الإخوة الكرام،
بما أنني انتهيت من هذا القسم وهو المتعلق بمناقشة الفرق الإسلامية في موضوع الرؤية من ناحية استدلالاتهم العقلية.
وقبل الشروع في القسم الثاني، فإذا كان لأحد تساؤل أو سؤال على هذا القسم، فأرجو ألا يتردد في الإعلان عنه والمباشرة فيه ليزداد هذا المبحث وضوحا في أذهان الإخوة القراء والمتابعين.

بارك الله تعالى فيكم، ووفقكم لما فيه الهدى

أحمد محمد نزار
14-02-2005, 05:47
الشيخ سعيد

قلت:
وأما ما قاله نقلاً عن الإمام الرازي من أن دليل العقل على جواز الرؤية يعني دلالة الوجود ضعيفة أي غير قطعية، فهذا قد يسلم، ولا إشكال في التسليم به، لأننا تابعون للأدلة...


لماذا كان دليل جواز الرؤية عقلاً من الوجود ضعيف أو غير قطعي، علماً أنني أذكر أن الغزالي رحمه الله قد ذكرها كقاعدة عامة في الاقتصاد بقوله (كل موجود ذات يجوز أن يرى) وكذلك قرأتها كقاعدة عامة ابتدأها صاحب كتاب عون المريد لشرح جوهرة التوحيد [هل اطعلت على ذلك الشرح شيخنا الفاضل http://www.tattan.net/books/1.jpg ].

فما هو وجه الضعف في هذا الاستدلال ! .

سعيد فودة
14-02-2005, 22:00
وجه الضعف أورده الإمام الرازي في الأربعين وفي المعالم، وذكره أيضا الزبيدي في شرح الإحياء، وذكر بعض الردود عليه لابن التلمساني.
وإيراده كقاعدة عند من ذكرت، لا يستلزم إلا أنهم يقولون به كذلك، فأما أنه كذلك في نفس الأمر فلا. بل قد يقبل النقاش.
والله أعلم.

أحمد محمد نزار
15-02-2005, 09:36
سؤال آخر شيخنا العزيز..

هناك إشكالية يطرحها المجسمة فيقولون هكذا:

بما أنكم تقولون أن الرؤية لاتلزم التجسيم بحجة أنه ليس كمثله شيء كذلك نحن نقول لكم أننا نصف الله تعالى بأن له (قدم) ليس كمثلها شيء أيضاً فلم تتهموننا بالتجسيم!؟

فلم أنتم تقبلون التنزيه بهذه الآية وتسقطونها على الرؤية ولاتقبلون تنزيهنا بهذه الآية للصفات عندما نقول يد ليس كمثلها شيء أيضاً..

وقد طرح أحد المجسمة لي هذا السؤال منذ فترة طويلة وأذكر أنني أجبته كالتالي:

(إن الرؤية ليست من صفات الله عز وجل ولذلك لاتأخذ نفس حكم الصفات وخاصة أن صفات الذات قائمة بذاته تعالى أما رؤيتنا له فليست قائمة في ذاته تعالى، وما تدعيه من قدم ويد هي من صفات ذات لله عز وجل؟ ولذلك بطلت المقارنة لأن مايجري على الصفات لايكون مثلما يجري على الرؤية)

ولكنني وجدت الإمام الغزالي رحمه الله يتكلم في كتاب الإحياء بقوله:


((وذهبت طائفة إلى الاقتصاد وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيه وهم الأشعرية. وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية وأولوا كونه سميعاً بصيراً وأولوا المعراج..))

فالآن أنا في حيرة هل كلام الإمام الغزالي من تقريره قوله أن المعتزلة أولوا من صفات الله عز وجل الرؤية.. أي هل عد الغزالي الرؤية من الصفات هل هذا قصده أم أنه قصد أمرا آخر !؟

سعيد فودة
15-02-2005, 14:39
الأخ أحمد
كون الله تعالى قابلا لأن يُرى، وصف له، وهو ليس يشير إلى أمر زائد عن ذاته، وأما رؤيتنا له فهي بفعل الله تعالى أي بخلقه، وهذا الفعل يكسبنا إدراكا زائدا عما كان لدينا عن الله تعالى.
فإن تكلمنا عن الرؤية بالنظر الثاني فهي فعل من أفعال الله ونعني بها حصول رؤيتنا لله تعالى.
وإذا تكلمنا على الرؤية بالنظر الأول، فهي وصف إضافي تابع لكون الله تعالى موجودا، بغض النظر عما إذا كان علة الرؤية هي الوجود أو أمر آخر.
وكون الله تعالى مرئيا لا يجوز لأحد أن ينكره، لأن الله تعالى يرى ذاته العلية.
ولكن أخبرني أحد تلامذتي أنه ذهب للقاء من يظن نفسه مجتهدا في هذا الزمان، وصار يخالف الأشاعرة وغير الأشاعرة ويخبط خبط عشواء هنا وهناك، يوافق الشيعة مرة أو مرات، ويوافق المعتزلة في أمور، ويوافق الزيدية في أمور، وهو لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل جهته وتوجهه إلى تلقاء ذاته محاولا إبرازها من دون استحقاق لذلك.
أقول أخبرني تلميذنا النجيب العزيز، أنه لما ذهب إلى هذا الشيخ أخبره هذا الشيخ بأن له اعتراضات على تهذيب شرح السنوسية، وهو تهذيبي لبعض شروح هذا المتن الجليل.
فطلب منه تلميذنا أن يعين له مواضع ذلك الاعتراض.
فأخبره أنه يعارض قوله أن الله تعالى يرى نفسه ويرى المخلوقات.
فلما طلب منه تلميذنا وجه وناحية الاعتراض.
قال له: أين الدليل من اكتاب والسنة على أن الله تعالى يرى نفسه؟؟
فتجب تلميذنا النجيب: وقال له إن الله تعالى لما نسب لنفسه أنه يرى الخلق أجمعين، كان الأولى أنه يرى نفسه، فالرؤية في نفسها كمال.
فقال له ذلك الشيخ: لا هذا ليس دليلا مباشرا، أنا أريد نصا واضحا من الكتاب والسنة يقول إن الله تعالى يرى نفسه.
فقال تلميذنا: أراك يا شيخ قد صرت تتبع السلفية الوهابية المجسمة في أساليبهم.
فقال: أنا لا أقول بأن الله تعالى يرى نفسه إلا إذا ورد نص.
فسكت تلميذنا ثم قال: أسألك يا شيخ....
قال نعم
قال: هل يقدر الله تعالى على الخلق أجمعين.
قال نعم .
قال له: أنت تقول بذلك لأنه قد وردت آيات عديدة تنص أن الله تعالى قادر على كل شيء، أليس كذلك..
فأجاب بالموافقة.
فقال له تلميذنا: أسألك الآن: هل يقدر الله تعالى على نفسه بالتصرف فيها.
فقال له على الفور: لا بالطبع.
فقال له تلميذنا: أين النص من الكتاب والسنة الذي اعتمدت عليه في القول بذلك؟؟؟
فبهت وعرف أنه أخطأ بذلك الجواب المتسرع.
ثم قال ذلك الشيخ: لا، بل أقول إن الله يقدر على نفسه!!!
فقال له تلميذنا: هذا تجسيم صريح، وإذا كنت تكفر ابن تيمية كما تقول، فيلزمك تكفير نفسك. وإذا كنت تقول إنه لا يقدر على نفسه، فكذلك قل أنه يرى نفسه....
فسكت قليلا ذلك الشيخ!! وقال: لا بل أقول إنه لا يقدر على نفسه...
فقال له تلميذنا: مالك يا شيخ.....، أراك تجيب لمجرد الهروب من الإلزام، وأراك تقول أمورا لا تعتقدرها لمجرد عدم الاعتراف بخطئك في الاعتراض على ما اعترضت عليه....
فسكت ذلك الشيخ ، فقال له تلميذنا: أرأيت يا شيخ.....، هذه مثل تلك، نحن لما عرفنا أن الله يقدر على جميع المخلوقات، وأن هذا دليل نقص المخلوقات، عرفنا بالعقل أنه لا يقال إنه يقدر على نفسه، للزوم النقص حينذاك. ولما عرفنا أنه يرى المخلوقات، وذلك دليل كماله، عرفنا أنه يرى نفسه ولم نتوقف في القول بذلك على وجود نص صريح يصرح بذلك.
فسكت الشيخ.
وكذلك أقول: لما تمدح الله تعالى نفسه بأنه لا تدركه الأبصار، وعرفنا أن تلك الأبصار التي لا تدركه، أبصار الناس جميعا في الدنيا، عرفنا أنه يرى ذاته.
وعلى كل حال فسوف نجيء إلى الاستدلال على الرؤية في محله.
والله الموفق.

أحمد محمود علي
15-02-2005, 22:01
بوركتم يا شيخ سعيد
وسلمت أيديكم
ونفع الله تعالى بكم المسلمين
وجعلكم سيفا مسلولا على رقاب أعداء الدين
وحشرنا وإياكم في زمرة الشهداء والأنبياء والمرسلين
اللهم آمين!


والله لقد قرت بما كتبتموه أعيننا
وثلجت صدورنا
وتفتحت فينا عيون وآذان للعقل وللبصيرة
فجزاكم الله تعالى خيرا
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بعلومكم في الدنيا والآخرة

والله لقد اشتقنا للقسم الثاني
فمتى تتكرمون به علينا أيها الشيخ الجليل ؟
ندعوا الله تعالى لكم بالعون والتوفيق وبلوغ المقاصد.

أحمد محمد نزار
08-03-2005, 05:30
شيخنا العزيز،،

يقول السبحاني في كتابه (رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل) مايلي:
الرؤية في منطق العلم والعقل

إنّ الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقّق إلاّ إذا كان الشيء مقابلاً أو حالاًّ في المقابل من غير فرق بين تفسيرها حسبَ رأي القدماء أو حسب العلم الحديث، فإنّ القدماء كانوا يفسّرون الرؤية على النحو التالي:

خروج الشعاع من العين وسقوطه على الاشياء ثمّ انعكاسه عن الاشياء ورجوعه إلى العين لكي تتحقّق الرؤية. ولكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير وقال: إنّها صدور الاشعة من الاشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكيّة العين فتُحقّق الرؤية.
وعلى كلّ تقدير فالضرورة قاضية على أنّ الابصار بالعين متوقّف على حصول المقابلة بين العين والمرئي أو حكم المقابلة، كما في رؤية الصور في المرآة.
وهذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة، فإذا كانت ماهيّة الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحقّقها فيما اذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.

من الواضح أنه يركز على المقابلة بدخول الشعاع للعين و هو الذي اعترف بأن النظرية التي أبطلت نظرية القدماء من حيث أن الضوء يخرج من المرئي لا من الرائي وهو يشير إلى كلام ابن الهيثم الذي يعد أول من أبطل كلام القدماء في نظريته للضوء، ولكنه صادر على النظرية فأخذ ببعضها وأهمل البعض الآخر فقال بالمقابلة علماً أن ابن الهيثم أكد في نظريته أن الشعاع يمكن أن يأتي من جهة مستقيمة أو من عدة جهات (أن الضوء ينبعث في خط مستقيم وفي كل الاتجاهات) فإذا احتمل كل الجهات فأين المقابلة إذاً؟!

المقابلة سميت مقابلة من الإقبال على الشيء أي قابله فإن أتاه من خلفه أو يمينه لم يعد مقابلاً ويؤكد هذا رؤيته صلى الله عليه وسلم للصحابة في الصلاة وهم خلفه فأين الشعاع هنا المستقيم الذي تمسك به السبحاني وأهمل باقي النظرية وأين المقابلة؟!!! وإن أتاه من عدة جهات أيضاً انتفت المقابلة لأن ابن الهيثم يقول ( أن الأجسام هي التي تبعث ضوءها الخاص أو المنعكس في كل اتجاه).

وأيضاً إن تصورنا أن إنسان غرق في النور من كل الجهات ولم يعد يرى سوى النور فتكون المقابلة عندئذ منفية وهذا ما أعتقده تفسير لرؤية الله عز وجل في المنام والذي لم يعد يرى إلا النور فقط، أي لم يعد يرى أي شيء سوى النور فأنى للجهة التحقق والجهة لاتتحق إلا بمقارنة شيء مع شيء آخر، فإن انتفت المشاهدة لغير النور انتفت مقتضيات المقابلة أو الجهة.


فمارأيك شيخنا الكريم في هذا الكلام.

سعيد فودة
09-03-2005, 13:23
الأخ أحمد
شرط المقابلة عقلا لحصول الرؤية باطل كما بينته، وقد صرح بذلك علماؤنا.
والرؤية ليست إلا إدراكا يخلقه الله تعالى في نفس المدرِك، يترتب عليها زيادة علم بالله تعالى، ولا يتوقف خلق الله تعالى لهذه الرؤية(أي الإدراك) على مقابلة.
أما الطريقة التي تقترحها أنت: فلا أوافق عليها لأن الإنسان إذا كان غارقا في النور، فنعم، يكون النور الذي وراءه غير مقابل له (بتسليم ما ذكرته أنت من أن الشيء يكون مقابلا إذا كان تجاه الوجه أي القبل)، ولكنه في جهة منه أي يكون خلفه، ولكن النور الذي أمامه يكون مقابلا له وفي جهة منه، لأن النور الذي خلفه ليس عين النور الذي أمامه لاختلاف جهة كل منهما.
ويكفي لكون الشيء في جهة منك صحة فرض خط منك إليه، ولو في اتجاه واحد، وحتى لو كان محيطا منك، فهو في جهة لك(وهذا إشارة إلى مناقشتك لمثال السماء المحيطة) غاية الأمر أن الجهات يقسمها العلماء تقسيما إضافيا إلى قسمين
الأول: جهة حيوانية وهي الجهات الست، وسميت حيوانية لأن الحيوان يتحرك بإرادته نحو أي جهة منها.
الثاني: جهات طبيعية: وهي تتصور باعتبار كرة محيطة بك، فلها ناحيتان فقط الأولى باتجاه السطح، والثانية باتجاه المركز، وما كان باتجاه السطح يسمى الفوق والعلو، وما كان باتجاه المركز يسمى سفلا وتحت. وسميت طبيعية لأن الأجسام الثقيلة إذا تركت وشأنها تسقط إلى تحت باتجاه المركز، والأجسام الخفيفة إذا تركت وشأنها ترتفع إلى أعلى، وحركتهما إلى هذين الاتجاهين ليس بالإرادة كما هو واضح.
والله الموفق.

أحمد محمد نزار
10-03-2005, 07:22
شكراً جزيلاً شيخنا الفاضل على جوابك الجميل علماً أنني كنت أنتظر الجواب في شأن السماء في موضعه هذا
http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&threadid=1739 لأنه بقي بعض التساؤلات التي يراد فيها تفصيل وجواب بعد إذنك سيدي.

سيدي الشيخ سعيد أنا موافق بالكلية على نفي المقابلة وأنها ليست ركناً..إلخ وتحملني قليلاً فالصبر جميل وبالله المستعان فقولك (لكن النور الذي أمامه يكون مقابلاً له وفي جهة منه لأن النور الذي خلفه ليس عين النور الذي أمامه لاختلاف جهة كل منهما)

وسؤالي هنا على هذه الحيثية التي طرحتها أنني أدعي أن النور الذي خلفه هو عين النور الذي أمامه وذلك لأننا نتكلم عن جسم بسيط لامركب من أجزاء فلو كنا في سيارة مثلاً لتأكدنا أن الزجاج الأمامي غير الخلفي ولذلك من السهل تحديد جهتهما، أما إذا كان الزجاج وحدة واحدة على شكل كرة فنعرف أن الكرة كتلة واحدة بسيطة من مادة واحدة هي الزجاج غير مختلطة مثلاً بحديد في طرف دون طرف يصلح معه حصول المفارقة والمقارنة.

وأنا لاأدعي أن الزجاج مثلاً ليس نفسه مركباً من ذرات لأن المقارنة مع كلية المادة لا مع ذراتها، فأتكلم عن مادة واحدة بشكل كروي وعندها النقطة التي حددناها على أنها جهة أمام لو أدرنا الكرة لصارت نفسها جهة خلف تماماً فأصبحت الجهة هنا أمر نسبي لا أمر مخصوص فالبناء أمامنا مثلاً عندما نخصص مكاننا بالنسبة إله فإن تحركنا وصرنا وراءه بطل كونه أمامنا لبطلان التخصيص .. وهذا موافق للقاعدة المنطقية التي ذكرتها (إن استحال التخصيص استحال الوجود)

أي إن قلنا لشخص ما حدد لنا جهة سيارة تسير بسرعة حول بيت مربع الشكل مثلاً (أي أخبرنا عن وجود جهة ما للسيارة من ذلك البيت) لعجز ذلك الشخص أن يخصص لنا جهة تلك السيارة من ذلك البيت لأن تحديده لجهة تلك السيارة من ذلك البيت يحتاج لأن يخصص ويحدد مكان وإحداثية ثابتة من ذلك البيت أي يحتاج للتخصيص فإن استحال تخصيصه لإحداثية ما استحال معه وجود جهة.

أما قولك (ويكفي لكون الشيء في جهة منك صحة فرض خط منك إليه، ولو في اتجاه واحد، وحتى لو كان محيطا منك، فهو في جهة لك)

فالخط الذي يخرج مني إليه يكون في جهة لو حصل التخصيص كما قدمت فإن استحال التخصيص استحال وجود الجهة لأن نفس هذا الخط الذي اعتبرت نهايته تلك النقطة في جهة أمام يكون بتحريك الكرة في جهة خلف ثم يمين ثم يسار ....أي لاتخصيص فلا جهة فالأمر يبقى نسبياً ولو كان الأمر كذلك فهل تنكر سيدي سعيد أن أي خط ممتد من طرفين متقابلين للكرة الأرضية يصح أن يكون قطباً؟ّ!! ونحن نعي أن القطب الشمالي والجنوبي وهميان لاحقيقة لهما إلا نظرياً لسهولة التقسيم والدراسة فهما في جهات نسبية مهما أدرتهما في أي نقطة من الأرض يصلح أن يتجدد عندنا عدد لانهائي من الأقطاب.

أما قولك سيدي (وحتى لو كان محيطاً منك فهو في جهة لك)

لم أقتنع بصحته (مع اعتصاري ألماً على تجرأي ومخاطبتكم لأن أين أنا منكم مثل الثرى والثريا ولذك مع أكمل الأدب أتكلم معكم سيدي الفاضل) فمفهوم الجهة مفهوم محدد مستقل ثابت فالفوق هو فوق فلما صار تحتاً لم يعد فوقاً والتحت تحت فلما صار فوقاً لم يعد تحتاً وبهذا نستنتج أنه لافوق ولا تحت حقيقة بل هو أمر نسبي لأنه إما [فوق أو تحت] أما نفس النقطة تكون فوق وتحت فهذا جمع بين النقيضين والجمع بين النقيضين محال إذ الفوق نقيض التحت لايجتمعان بآن واحد كالسواد والبياض.

ولهذا شيخنا الفاضل لا أظن أن الإمام الغزالي الذي دافع دفاعاً مستميتاً على نفي المكانية والجهة عن الله عز وجل حينما قال ((القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات)) يكون قد ناقض كل مسيرة حياته التي لانعرف يوماً أنه نسب الجهة لله عز وجل فإن لم يكن تفسيري لكلامه هذا صحيح وهو أن عبارة (جميع الجهات) نفت التخصيص للجهة وعندما انتفى التخصيص استحال وجود جهة وهذا ما أخبرت الأخ جمال عنه حينما تسرع وخطأ ذلك الإمام الفذّ عندما ذكرت له قوله وكان ردي هو:

أما قول الغزالي (( القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات))
قوله صحيحاً على ما قدمته لك من أن مجموع الجهات لاتعطي مفهوم الجهة استقلالاً بل تعطي مفهوم مغاير تماماً.. فالإمام الغزالي لاينافي القاعدة البديهية التي قدمت .. فمعنى قول القائل أن (وجود الله في كل مكان) لايعني أن الله في مكان ولايعني أنه بمكان محدود؟ بل المقصود في ((كل مكان)) نفي المكان والمقصود في ((كل الجهات)) نفي الجهات لأن المعتمد ههنا في الاستدلال هو استحالة اجتماع المتناقضات بآن واحد؟
وعليه، فأن يكون شيء في جميع الجهات لايعني أنه في جهة لانتفاء الاختصاص بل يعني أنه ليس في جهة مخصوصة وهذا نفي للجهة وللتخصيص لا إثبات لها..
وإلا لكان الغزالي الذي ينفي الجهة عن الله عز وجل يثبتها بقوله هو في جميع الجهات؟ وهذا مستبعد جداً أن يتناقض الغزالي في موضع هو في معرض نفيه للجهة واستحالتها عن الله عز وجل؟!

أما تقسيم العلماء فبعد الاحترام الكبير لهم وتذللي العظيم لجلالهم ولك سيدي سعيد ولكن بقي عندي إشكال في ما قدمت من تقسيم وهو:

1- إن الأجسام الثقيلة إذا تركت وشأنها تسقط إلى تحت باتجاه المركز وإذا كانت خفيفة ترتفع إلى أعلى هو كلام فهمت منه أنه لالتحديد مطلق الجهة بل يتعلق بالجاذبية ويدل على هذا أن من حصر الجهات في فوق وتحت وفقاً لخفة أو ثقل الوزن لقلنا له أين ذهبت جهة اليمين واليسار والقدام والوراء؟

2- فإن قيل هذا ماعنينا به بجهات طبيعية حركتها لاإرادية لانتفاء الحيوانية عنها، قلنا أن ذلك الجسم الذي هو باتجاه السطح يلزم أنه مهما علا أو انخفض أنه أيضاً على يمينه وعلى يساره وجود له من تلك الكرة، فإن كان أيضاً على يمينه وعلى يساره كرة فيكون تحجير مفهوم الجهة في جهتين هنا كلام خاص والخاص لايلزم ماتحقق به التححق في العام، أما العام الذي يتضمن الجهات الست فكل ماتحقق فيه قابل التحقق على مادونه من الخاص المتمثل بالجهتان الفوق والتحت.. وعليه فلا حجة على مفهوم الجهة هنا بالمعنى الخاص لأنه لايسري على عموم الجهات.

3- فإن كان القصد يتعلق بنفي إرادة الجسم أي بتأثير مؤثر خارج عنه مما جعله يعلو أو ينخفض فهذا لايغير من حقيقة أن له يمين وشمال وأمام وخلف فعندئذ نستنتج أن المقصود من أعلى وأسفل بنفي الإرادة عن الجسم أن مناط تغير جهته محصورة في الخاص الذي هو الأعلى والأسفل ليس إلا ولايلزم التتغير في اليمنة واليسرة أو الوراء والأمام.

4- لو أن رجل الفضاء وزنه على الأرض 70 كغ مثلاً هو ليس إن صار في الفضاء نقص وزنه الفعلي بل انعدام الجاذبية هي التي جعلتنا نقول بانعدام وزنه مجازاً فإذا الجاذبية هي عامل خارجي وهذا العامل يلعب دور المخصص في الإنسان الذي إن وقف أمام بناء فصار بجهة أمام منه فلو أزلنا ذلك العامل الذي هو المخصص كما في القاعدة المذكورة وهو الجاذبية لارتفع ذلك الرجل وأصبح فوق البناء لا لأن وزنه الحقيقي انعدم بل لزوال المخصص وهكذا نقول أنه إن أزيل المخصص أزيل وجود جهة حقيقية أي المخصص الذي هو الجاذبية جعلته في جهة أمام وعندما زال المخصص صار في جهة فوق فنرى أن مفهوم الجهة هنا أمر نسبي يحتاج لمخصص كي نقرره.

5- أما بالنسبة للكرة التي عبرنا عنها بالسطح والمركز فالذي سميناه سطحاً وقلنا أنه فوق لو استدارت أو استدار الذي بداخلها لتغير السطح وتغيرت معه الجهة وصارت تلك النقطة التي هي التحت فوقاً وبالعكس فمن ادعى أن تلك النقطة (التي فرضنا أنها على السطح) والتي كانت فوق بعدما انقلب الشخص الذي بداخلها ظلت فوق لما صدقه أحد لأنها فعلياً صارت تحت ويستحيل جمع النقيضين الفوق الذي هو فوق صار نفسه هو تحت كمن قال أن البياض هو نفسه السواد والسواد هو نفسه البياض فأشبه قول القائل الفوق هو نفسه التحت علماً أن الناظر يدري بطلان هذا.

وأختم بقول الإمام الغزالي رضي الله عنه في تهافت الفلاسفة:
((الجهة التي تقدرها فوقك من أجزاء السماء نهاراً هو بعينه تحت الأرض ليلاً وما هو تحت الأرض يعود إلى فوق الأرض في الدور))

ثم عقب بقوله

((واصطلحنا على أن نسمي الجهة التي تلي الدقيق فوقاً إلى حيث ينتهي والجانب الآخر تحتاً لم يظهر بهذا اختلاف ذاتي في أجزاء العالم بل هي أسامي مختلفة قيامها بهيئة هذه الخشبة حتى لو عكس وضعها انعكس الاسم والعالم لم يتبدل. فالفوق والتحت نسبة محضة إليك ... ))

سعيد فودة
13-03-2005, 11:13
أخ أحمد،
كل الجهات كما هو معلوم اعتبارية، وهي نسبة بين متحيزين منقسمين، ولو وهما، وبناء عليه ما كان لك فوقا إذا انقلبت رأسا على عقب يصير تحتا، لأنك تسمي الفوق بملاحظة جهته من رأسك، والكرة التي تفترضها جسما واحدا هي في الحقيقة مركبة ويجوز انقسامها وهما، ولذلك فكل نقطة على سطحها هي في جهة، والجهات الطبيعية والحيوانية هي أيضا قسمة اعتبارية بملاحظة سبب الحركة وهو إما الخلقة التي خلق الله تعالى عليها الكون، ويمكن تسميتها بالجاذبية، أو إرادة الحيوان التي بها يمكن أن يتحرك إلى كل الجهات.
وهذا الكلام واضح لا داعي لمعارضته.
وأما قول الغزالي إن الله تعالى واجب من كل الجهات، فلا يريد الجهات التي نتكلم عليها هنا، بل الاعتبارات والصفات كما تقول يجب له القدرة، ويجب له الوجود، ويجب له العلم وهكذا، والجهات هنا المقصود منها جهات النظر، وليس الجهات الحسية المأخوذة بملاحظة المتحيزات.
وفقك الله تعالى

وائل سالم الحسني
13-03-2005, 14:02
السلام عليكم,
بارك الله فيك ايها الشيخ الفاضل, وهذه وصلة تشرح ما تعنيه بالضبط, وهي من موقع العالم هارون يحيى, اضعها هنا للاستفادة:


http://www.harunyahya.com/download/download.php?id=20770

أحمد محمد نزار
14-03-2005, 05:27
شيخنا الفاضل،،

نحن متفقون إذاً على أن الجهة بالنسبة للكرة ليست بجهة حقيقية يعني كما قدمت بقولك "ولو وهماً" كما قسموا الكرة الأرضية لخطوط وأقطاب فهو من حيثية الوهم جائز أما الحقيقة فليس للكرة ذلك التقسيم.

ولذلك كلامنا في مدار الحقيقة لا الوهم، فالقابع في القطب الشمالي يجوز له من حيث اعتباراته أن يقول أن السماء فوقه ولكن هل قوله حقيقة أم وهم؟!

فإن قلنا وهم فلا حجة في الوهم لأنه يبقى في إطار الوهم؟ وخلاف المعتقد يمكن وضعه في الوهم تقديراً وفرضاً لكنه يبقى خلاف المعتقد، وإن كان حقيقة فالحقيقة تحكمها القوانين العقلية يرفض اجتماع النقيضين.

الفوق ظرف مكان، والمكان مخصص حقيقي لا وهمي، وهذا ما لم ترد علي بشأنه سيدي وهو "التخصيص" فإن استحال تخصيصنا لجهة الفوق استحال وجود شيء يسمى فوق حقيقة إذا الفوق أمر كما قلت شيخنا الفاضل أمر اعتباري نسبي بالنسبة لكرة السماء أي أمر وهمي لا حقيقي والوهم في سبيل الفرض والتقدير جائز لافي تقريرنا للعقائد .

وعليه أرجوا منكم رد واضح على هذه القاعدة "إن استحال التخصيص استحال الوجود"

وتشديدي على أن الكلام عن نسبة حقيقة لا وهمية لأنه قد يفلت المجسم بقوله "ننسب لله جهة ليست كالجهات" ويقول "هو في جهة اعتبارية ولو وهماً" ويقول "جهة لاعلى الحقيقة" وقد رد الإمام الغزالي على هذا الكلام بأنه إن كنتم تتكلمون عن جهة لانعرفها فكيف نعارض مالا نعرفه؟!!

إذا إن كنا نتحدث عن جهة تنتج عن تقسيم وهمي فكيف نعارض الجهة الوهمية فنحن عرفنا الحقيقة أما الوهم ماعرفناه ولو عرفناه ماسميناه وهماً؟

أما كلام الإمام الغزالي ففي الحقيقة أنني ظننت ما تفضلت به بداية الأمر أي ظننت أنه قصد (من جميع الجهات) يعني (من جميع النواحي والصفات)..

ولكن لو راجعنا قليلاً النص بكامله وهو

((إن سائر الجهات متساوية بالاضافة إلى المقابل للجهة، فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه، ويكون الاختصاص فيه معنى زائداً على ذاته وما يتطرق الجواز إليه استحال قدمه بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات. فإن قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات...))


فتأمل شيخنا الفاضل في العبارة كاملة الكلام فيها على الجهة التي نتكلم عنها.

ومثله قرره الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في نقاشه مع الملحدين حينما سألوه:

قالوا: في اي جهة يتجة ربك
قال: لو احضرتم مصباح في مكان مظلم في اي اتجاة يتجة النور
قالوا في كل مكان
قال :اذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السموات والارض

ألا يفهم من قوله في كل مكان (يعني لامكان) أي لامكان مخصوص إذا المكان منفي، فلا جهة مخصوصة أي لاجهة.

سعيد فودة
17-03-2005, 10:52
أخ أحمد،
أنا أقدر لك همتك وعزمك ومتابعتك....ولكن
ما زلت أرجو منك أن تعيد التأمل فيما قلته لك سابقا.
وأما كلام الغزالي: فلا تنس أن الغزالي يتكلم بالتدريج في كتاب الاقتصاد، فهو أولا أثبت صانعا للعالم، ثم أثبت أنه قديم باق وأنه ليس جوهرا وليس جسما، ثم شرع في البحث في هل هو في جهة أو ليس في جهة.
فلما أثبت أن نفس الجهة تستلزم التخصيص وهذا يستلزم الإمكان والافتقار، فيلم من ذلك أنه يستحيل أن يكون في جهة ولا في سائر الجهات. لأن أصل التحيز محال في حقه.
ثم قال إن واجب الوجود واجب من جميع الجهات، ومفهوم الجهات في هذا النص لا يجوز أن تفهم منه الجهة بمعنى التحيز في أين معين، بل هذا الفهم غلط، لأنه أثبت أن أصل التحيز محال، فكيف يندرج هذا المعنى في كلامه ويحكم عليه بالوجوب.
واعلم أخي أن ما ذكرته لك من معنى عبارته هذه هو الحق لا غير.
والله الموفق.

أحمد محمد نزار
17-03-2005, 11:13
جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل
وأعتذر على الإلحاح فأنا أسلم لكم ما تفضلتم به من كلام الإمام الغزالي رحمه الله.

بقيت هذ النقاط سيدي الكريم:


الرسالة الأصلية كتبت بواسطة أحمد محمد نزار
شيخنا الفاضل،،

الفوق ظرف مكان، والمكان مخصص حقيقي لا وهمي، وهذا ما لم ترد علي بشأنه سيدي وهو "التخصيص" فإن استحال تخصيصنا لجهة الفوق استحال وجود شيء يسمى فوق حقيقة إذا الفوق أمر كما قلت شيخنا الفاضل أمر اعتباري نسبي بالنسبة لكرة السماء أي أمر وهمي لا حقيقي والوهم في سبيل الفرض والتقدير جائز لافي تقريرنا للعقائد .

وعليه أرجوا منكم رد واضح على هذه القاعدة "إن استحال التخصيص استحال الوجود"

وتشديدي على أن الكلام عن نسبة حقيقة لا وهمية لأنه قد يفلت المجسم بقوله "ننسب لله جهة ليست كالجهات" ويقول "هو في جهة اعتبارية ولو وهماً" ويقول "جهة لاعلى الحقيقة" وقد رد الإمام الغزالي على هذا الكلام بأنه إن كنتم تتكلمون عن جهة لانعرفها فكيف نعارض مالا نعرفه؟!!

ومثله قرره الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في نقاشه مع الملحدين حينما سألوه:

قالوا: في اي جهة يتجة ربك
قال: لو احضرتم مصباح في مكان مظلم في اي اتجاة يتجة النور
قالوا في كل مكان
قال :اذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السموات والارض

ألا يفهم من قوله في كل مكان (يعني لامكان) أي لامكان مخصوص إذا المكان منفي، فلا جهة مخصوصة أي لاجهة.

فإن ارتأيت سيدي سعيد أن نتوقف ههنا فلك ما تحب لأنني أحسست أن عدم ذكرك لباقي النقاط لأنني ربما أثقلت عليكم وألححت كثيراً وربما كان هذا مصدر إزعاج لكم ..

وأخيراً أشكركم على هذا التقدير فشرف هذا لنا منكم سيدي فجزاكم الله عنا خير الجزاء وأثابكم خير المثوبة.

سعيد فودة
18-03-2005, 16:33
الأخ أحمد
عندما نطلق على الجهة أنها اعتبارية أو إضافية أو نسبية، لا يعني كلامنا هذا أنها وهمية. بل يعني فقط أنها ليست أكثر من نسبة متحيز إلى متحيز باعتبار بعد من الأبعاد. فلا يوجد في الخارج وجودا حقيقيا إلا المتحيزان، ثم كون واحد منهما في بعد في نسبة من الآخر، ولو كان ملاصقا له، كما لا يخفى.
وأما الحيز فهو وصف نفسي للجسم، فإنك لا تستطيع أن تعرف الجسم ما لم تفهم الحيز.
وأما كلام أبي حنيفة فأرجو أن تنتبه إلى أنه يتكلم عن نور الله تعالى وليس عن ذات الله تعالى، وهذا تعبير مجازي. أرجو أن تحاول إيراد الخبر من مظانه المعتبرة لنتأكد من الألفاظ قبل أن نتكلم عليه إن أحببت. وإلا فكلامه الذي أوردته قد يستدل به على انتفاء المكان أصلا في حق الله تعالى، لا على كونه في كل مكان، وعلى انتفاء كونه في جهة أصلا فلا يقال في جهة ولا في جميع الجهات.

والله الموفق

أيمن غسان أحمد
21-03-2005, 18:11
سؤال للأستاذ سعيد :

هل صحيح بأن مجاهد رحمه الله , قال بنفي رؤية المؤمنين لله عز و جل ؟

أيمن غسان أحمد
27-03-2005, 12:45
هل الأستاذ سعيد حلف يمينا مغلظة على أن لا يعلق على أي سؤال أكتبه ؟

على كل قد يكون العذر مني , بأنني خرجت في بعض أسئلتي عن مجال الاختصاص , أو تطرقت لأقوال العلماء بدلا من السؤال في نفس الأدلة .

لذلك سيكون سؤالي في هذا الموضوع حول الأدلة بشكل مباشر , راجيا من الله أن يلهم الأستاذ سعيد بأن يتواضع لمقامنا العلمي المتدني , و أن يأخذنا على قد عقلنا و علمنا .

السؤال : بما أن الأشاعرة نفوا كون التلازم بين الأسباب و الأثار , تلازم عقلي , بل وصفوه بأنه تلازم عادة , فهل يصح القول بأن الله يربط حقيقة رؤيا المؤمنين له سبحانه و تعالى , بكيفية أخرى لا تستلزم الجهة و التحيز , مع الاعتقاد بأن هذه الكيفية ليست لحاجة , و لكن لأن الله متصف بالحكمة , فهو يربط بين الأسباب و الأثار لما اتصف من الحكمة ؟ .

سعيد فودة
09-04-2005, 09:29
الأخ الفاضل أيمن،
أنا قد توجهت نحوك الآن، ولكن سوف أجيبك باختصار لضيق الوقت معتمدا على جهدك في التفصيل والبحث. فأرجو أن تساعدني.
ولم أكن قد أقسمت يمينا لا مغلظة ولا مخففة تتعلق بك، بل كل شيء له وقته المناسب وأرجو أن يكون هذا هو الوقت.

أما عن الرؤية، فإن رؤية الله تعالى في الآخرة وإن كنا سنأتي إليها قريبا إن شاء الله تعالى، فإنها عبارة عن إدراك يخلقه الله تعالى مباشرة في العبد ويكون هذا إنعاما من الله تعالى على عباده.
وأرجو أن تزيد في توضيح مدخلية ربط الأسباب بالنتائج في هذه المسألة هنا وما الداعي إلى افتراض ما افترضته.

أيمن غسان أحمد
09-04-2005, 13:39
الأستاذ سعيد بارك الله فيك ....

الفرض الذي فرضته سببه هو :
عندما يتناقش أحدنا مع وهابي في مسألة الرؤيا , فإنه يقول أنا لا أثبت الكيفية لله , و إنما أثبت كيفية الرؤيا , و يقولون أشياء غير مفهومة مثل جهة العدم .
فالسؤال هل إثبات الوهابية لكيفية الرؤيا يؤدي حتما إلى إثبات الكيفية لله ؟ أم أن إثباته هذا يرد لأنه يوهم التشبيه ؟ أم أنه تشبيه قطعا ؟

على كل , سوف أطرح ما فهتمه من موضوع الرؤيا عند الأشاعرة و أرجو تصحيح ما يمكن أن يكون غير سليم .

الرؤيا هي قوة في الإبصار يخلقها الله مباشرة في العبد, دون أن تكون عل سبيل الإحاطة , و لا يشترط لها أن يكون الله متحيزا في مكان أو في جهة أو له حد , لأن الكيفية المعهودة للرؤيا هي شروط عادة و ليست شروط عقل , فيرى العبد الله عز و جل على ما يليق به سبحانه .

و الذي فهمته أن عامة أهل السنة و الجماعة تلقوا النصوص المثبتة للرؤيا بالقبول على تفسيق من يردها لاعتبار أنها آحاد , و لكنني استغربت عندما ادعى الشيخ حسن السقاف أن هناك من ائمة أهل السنة من نفى رؤيا المؤمنين لله عز و جل يوم القيامة كمجاهد فما قولكم ؟

أحمد محمد نزار
10-04-2005, 06:08
الأخ أيمن،

بعد إذن شيخنا الفاضل سعيد ولانتكلم بحضرته ولكنه مشغول كما يظهر هلا أخبرتنا قول مجاهد مع المصدر المنقول منه لأن هناك من نفى الرؤية للرسول صلى الله عليه وسلم أثناء الإسراء والمعراج وهناك من أثبت وهناك من توقف في هذه المسألة وهي مسألة تختلف عن موضوع إثبات الرؤية للمؤمنين بالآخرة التي أخذت نصوصها التواتر .. لأن المدعو حسن السقاف لايلتفت إليه أبداً كما هو معروف وتلقيبك إياه بالشيخ أوافقك عليه إن كان قصدك شيخ للمعتزلة والإباضية والشيعة... أما إن قصدت شيخ من مشايخ السنة فهذا يحتاج لمن قصد تلقيبه بهذا اللقب لغسل كغسل الجنابة!.

أما الوهابية فيرّكّبون مصطلح يناقض نفسه (جهة) + (عدمية) انظر (جهة) تدل على الوجود و (عدمية) تدل على عدم الوجود، لأن العدم نقيض الوجود فهم كمن يقول "موجود ليس بموجود"؟! هذا هو عين كلامهم تخبط وتناقض وكل محاولاتهم ليثبتوا ما علق في أذهانهم من التجسيم لأنهم جهوية فيثبتون الجهة مع أي موضوع آخر يتعلق بالله عز وجل ولهذا لارؤية عندهم بغير جهة ولاوجود لرب عندهم بغير جهة ...إلخ

أما بالنسبة للكيفية فلاضير لأننا نشرح كيفية الرؤية بالنسبة لنا لا بالنسبة لله عز وجل؟ بعبارة أخرى رؤيته تعالى لنا لانكيفها ولانعرف كيفها، أما رؤيتنا نحن له فكيفيتها حسب شرح أهل السنة صحيح عقلاً وشرعاً كما وضح لك الشيخ سعيد ..

إن كان في كلامي خطأ فأنتظر شيخنا الكريم ليصححه لي وسأسر إن أخطأت وصلح لي الشيخ لأنني إن لم أخطأ لن أتعلم

سعيد فودة
10-04-2005, 08:44
الرؤية إن نظر فيها من حيث حيث صفة قائمة بالرائي، فإن كان الرائي ذا كيفية فلا إشكال أن تكون الرؤية لها كيفية.
أما الرؤية بحسب ما تتعلق به وتكشف عنه أو تدل عليه فإنما هي بحسب المرئي.
والناس يطلقون الرؤية ويريدون كلا المعنيين، ومن هنا جاء السؤال من الأخ أيمن.
وكلامك يا أخ أحمد في هذا الباب لا غبار عليه، بالقيود السابقة التي ذكرتها.
أما ما يتعلق بالسقاف، فأنا لا أعرف أنه معتزلي ولا أعرف أنه إباضي، ولا أعرف أنه شيعي، فلا يقال عنه إنه معتزلي ولا إباضي ولا شيعي، كما ذهبت يا أخ أحمد. وكذلك فهو لا ينسب نفسه إلى الأشاعرة كما هو معلوم.
فلا يصح القول بأنه شيخ المعتزلة والإباضية والشيعة، بل إن لكل فرقة من هؤلاء شيخا أو شيوخا، وليس السقاف واحدا منهم.
فأرجو مراعاة الدقة في هذا المجال.

أيمن غسان أحمد
10-04-2005, 08:44
الأخ أحمد :

جاء في تفسير الطبري للآية :" وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا تَنْتَظِر الثَّوَاب مِنْ رَبّهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27629 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عُمَر بْن عُبَيْد , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } قَالَ : تَنْتَظِر مِنْهُ الثَّوَاب *- قَالَ ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } قَالَ : تَنْتَظِر الثَّوَاب مِنْ رَبّهَا . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } قَالَ : تَنْتَظِر الثَّوَاب . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد { إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } قَالَ : تَنْتَظِر الثَّوَاب مِنْ رَبّهَا , لَا يَرَاهُ مِنْ خَلْقه شَيْء . 27630 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد { وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة } قَالَ : نَضِرَة مِنْ النَّعِيم { إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة } قَالَ : تَنْتَظِر رِزْقه وَفَضْله. 27631 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ أُنَاس يَقُولُونَ فِي حَدِيث , " فَيَرَوْنَ رَبّهمْ " فَقُلْت لِمُجَاهِدٍ : إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّهُ يَرَى , قَالَ : يَرَى وَلَا يَرَاهُ شَيْء


و لكن الغريب أن مجاهد رضي الله عنه هو من رواة الحديث التالي :

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْأَشْجَعِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ثُوَيْر , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عُمَر , قَالَ : " إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة لَمَنْ يَنْظُر إِلَى مُلْكه وَسُرُره وَخَدَمه مَسِيرَة أَلْف سَنَة , يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ , وَإِنَّ أَرْفَع أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة لَمَنْ يَنْظُر إِلَى وَجْه اللَّه بُكْرَة وَعَشِيَّة .


و لم أرى غير هذا القول في نفي الرؤيا , لأنني على حد علمي أن السيدة عائشة رضي الله عنها نفت الرؤيا ليلة المعراج , و هذا ثابت لها , أما نفي الرؤيا يوم القيامة فلم أرى سوى هذا القول لمجاهد .


أما بالنسبة للوهابية فلا إشكال لا داعي للخوض معهم , و بالنسبة للشيخ حسن السقاف , أنا أعرف عما تتكلم لكن أحاول أن أظل ضمن أدب الخلاف , و خصوصا أن هذا الموقع محسوب على الأستاذ سعيد , و نحن نريد موقعه أن يكون ارفع شأنا من بقية المواقع .

أحمد محمد نزار
11-04-2005, 07:02
شكراً جزيلاً سيدي سعيد على هذه الملاحظة القيمة بشأن حسن السقاف فسآخذها بعين الاعتبار من الآن فصاعداً فجزاكم الله كل الخير

وبما أن الشيخ سعيد موجود لا أكتب أخي أيمن كمجاوب على ماتسأل ولكني أكتب لأرى رأي الشيخ سعيد حفظه الله


الأمر الأول:
إن قول مجاهد رحمه الله تنتظر الثواب ولايراه من خلقه شيء وقوله يرى ولايراه شيء ..إلخ أي أنهم لايرون ربهم يوم القيام قبل دخولهم الجنة والدليل على هذا الكلام الحديث الآخر الذي قرره مجاهد وظاهره أيضاً النفي حيث قال فيه
"أنها تنتظر من ربها ما أمر لها"
ومعنى (ما أمر لها) أي ما حكم الله لها، من مثل هل ستدخل الجنة حتماً؟ من أي باب حكم الله دخولهم، وفي أي جنة ستكون ...إلخ

فنعرف أنه لو كان قصد مجاهد كلامه على الانتظار في الجنة لما قال (تنتظر من ربها ما أمر لها) لأن بعد دخول الجنة يكون الحساب قد انتهى وانقضى فأي شيء ستنتظر بعده؟!!

والحقيقية هي في الظاهر عند من يجهل تأويلها مخالفة للنص الآخر الذي نقله أيضاً مجاهد ولكن الذي توهم وجود التناقض بين النصين كمن جهل من سأل ابن عباس عن قوله (فلا أنساب بينهم يومئذ ولايتساءلون) وعن قوله (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فأجابه ابن عباس بأنهما مؤتلفتان ففسر قوله (فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولايتساءلون) قال هذه النفخة الأولى إذ لم يبق على وجه الأرض لم يكن بينهم نسب ثم قال إذا أدخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون فتبين أنه لاتعارض ابداً.

الأمر الثاني:

والحديث الآخر الذي قال فيه مجاهد (تنتظر رزقه وفضله) أيضاً قبل دخولها الجنة لأن مجرد الدخول للجنة هو محض رزق وفضل فتكون دخلت في الرزق والفضل ولهذا لما كان الكلام عن المؤمنين فالمؤمن لديه علامات دخوله الجنة ولهذا فانتظاره هنا انتظار شوق لنيل ما وعده الله من الرزق والفضل وهو دخوله الجنة.

الأمر الثالث:

27631 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ أُنَاس يَقُولُونَ فِي حَدِيث , " فَيَرَوْنَ رَبّهمْ " فَقُلْت لِمُجَاهِدٍ : إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّهُ يَرَى , قَالَ : يَرَى وَلَا يَرَاهُ شَيْء

فمعناه: أنه تكذيب لمن ادعى أنه يرى الله قبل دخوله الجنة

الأمر الرابع:

أنك لو نظرت لجميع الأحاديث التي ساقها الإمام الطبري رحمه الله وما رواه مجاهد بظاهر النفي كلها لم يذكر فيها أبداً كلمة (الجنة) بينما لو نظرت للحديث الذي استغربت منه

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْأَشْجَعِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ثُوَيْر , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عُمَر , قَالَ : " إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة لَمَنْ يَنْظُر إِلَى مُلْكه وَسُرُره وَخَدَمه مَسِيرَة أَلْف سَنَة , يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ , وَإِنَّ أَرْفَع أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة لَمَنْ يَنْظُر إِلَى وَجْه اللَّه بُكْرَة وَعَشِيَّة .

فترى أنه يذكر الجنة وأهل الجنة بكل وضوح وهذا يصدق أن النصوص السابقة حتماً محمولة على ماتقدم ذكره.

ومن هذا المنطلق تجد قوة مايذهب إليه أهل السنة والجماعة وتآلف أدلتهم وتعاضدها بينما تجد عند من ضلوا التناقض والتعارض مما لايعد ولايحصى.

أيمن غسان أحمد
11-04-2005, 14:23
مشكور يا أخ أحمد على المجهود , و بارك الله في الأستاذ سعيد , بانتظار سماع التعليق ......

أحمد محمد نزار
21-06-2005, 05:46
لازلنا ننتظر الشيخ سعيد فقد طال الغياب ولم أشأ أن أستحث تعليقه الجميل إلا بعد مضي قرابة شهرين على الانتظار وكان هذا الانتظار بناء على تقديري لظروف الشيخ فأعرف كم يضيق الوقت!

سعيد فودة
12-03-2006, 13:05
الأخ العزيز أحمد،
كلامك قيم، ومفيد، وخلاصة ما أقوله في رأي مجاهد، وغيره مما ينقل عنهم نحو رأيه، أنه إن لم يمكن حمل قولهم على نحو ما قررتَ يا أخي العزيز، فهو قول مردود لا يلتفت إليه، فإنه خلاف قول الرسول الكريم ترون ربكم، وخلاف العديد من الأحاديث الصحيحة، وخلاف ظاهر الآية الكريمة(رب أرني أنظر إليك)القاطعة في جواز الرؤية، وخلاف الآية (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) الدالة على حصول الرؤية للمؤمنين. وخلاف العديد من الأدلة في هذا المقام.
والله تعالى أعلم وأحكم

أحمد محمد نزار
19-06-2006, 11:34
سيدي سعيد،،
نعتقد أن الكلام في الأمور العقلية ههنا قد أخذت حظها فأين همتكم على النصوص..

كنا نناقش منذ مدة إمامي إثنا عشري قال إنه درس في النجف 7 سنين وهو ينفي الرؤية وبعد مغالطاتهم المعتادة وعنادهم بعد إقامة الحجج العقلية والنقلية عليهم وبعد رؤيتنا لعناده الزائد والتهرب المستمر للتملص من الإقرار سألناه هذا السؤال:

قلت له عندي طلب أريد أن أطلبه منك وهو وأنت المسلم المؤمن الصالح أن تدعو الله لي بهذا الدعاء بهذه الصيغة (يا الله يا ياشاب يا أمرد أعط فلان سؤله)
فجاوب:
كيف لا يمكنني أن أطلب من الله أن يعطيك سؤلك بهذه الصيغة لأن الله يتنزه عن مثل هذه الوصف، فلا يجوز أن أطلب من الله شيئاً مستحيلاً.

فجاوبته:
سبحان الله العظيم تنزهون أنفسكم عن أن تطلبوا من الله أمراً مستحيلاً ولاتنزهون موسى النبي الكريم الكليم الرسول من أولي العزم أن يطلب من الله أمراً تقولون عنه مستحيلاً لما قال (رب أرني أنظر إليك)

فجاوب بعد ارتباك واضح:
بل موسى لم يطلب لنفسه، طلب لقومه بدليل وعدد الآيات التي لاعلاقة لها البتة بطلب موسى كما هو معلوم.

فقلنا له: سواء طلب موسى الرؤية لنفسه أم لقومه فالأمر سيان، فأنت نزهت نفسك أن تطلب من الله أمراً ليس لك أيضاً بل هو لي وتبقى مصراً على أن لا تنزه موسى عليه السلام من طلب حتى لو افترضنا وسلمنا أن الطلب كان من قومه؟!!

هذه مداخلة أحثكم فيها شيخنا الفاضل أن تواصلوا إن أعطاكم الله مجالاً.

محمد محمود فرج
19-06-2006, 18:46
السيد احمد نزار أحمد

للخصم أن يقول لك

حين تكلم موسى

فهناك كلام لفظي ........ و كلام نفسي

وأختار أن الكلام النفسي الذي كان مقارنا لهذا المعنى

كان : أريد علما أكبر بك يا آلهي فأعطني إياه

أما الكلام اللفظي فهو: أرني أنظر إليك


فإن قلت لكن الرؤية المقرونة بالنظر لا تعني العلم

فيجيبك : هب أن هذا صحيح

لكن كيف منعت أن يكون موسى أخطأ في التعبير عن كلامه النفسي بكلامه اللفظي

فإن قلت : هو نبي و غير لائق به هذا

قال لك: عصمة النبي في أربعة أمور
1-عصمة تشريع و تبليغ
2- عصمة فتوى
3-عصمة كبائر
4-عصمة صغائر

فبم منعت أن تكون هذه من قبيل الصغائر الصادرة على سبيل السهو لا القصد و أنتم لا تقولون بالعصمة فيها فضلا أن لا دليل عليه

و الذي قاد إليها غلبة الوجد على قلب العاشق إذ قابل معشوقه العظيم

أما جواب الله

فكان جواب أحكم الحاكمين

فاستدرك السهوة اللغوية لنبيه قائلا : لن تراني و دل على امتناعها بحال الجبل

فحقق الامرين

نفى الكلام اللفظي

و اجاب نبيه في طلبه في كلامه النفسي الذي يعلمه الله دونما واسطة

فأعلمه نقلا أن الله لن يرى و زاده دليلا على شدة امتناعها بحال الجبل

الذي أيضا زاد موسى علما بعظمة الله

فكان هذا كما قيل أن طريق معرفة الله بمعرفة أفعاله و ما لا يصح عليه لا بما هو عليه


ماذا تقول بهذا سيد احمد نزار

خصوصا و أن أمين ذياب ولى إلى غير رجعة

و نحن الآن يمكننا تدارس المسألة لنكون فيها على عقيدة متينة لا تزلزلها الشبهات

أحمد محمد نزار
20-06-2006, 10:19
سيدي محمد،
أسعدت بتعقيبك

أولاً: أنا مع عصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر ولا أسوغ لنفسي تجويز إطلاق أن الأنبياء يجوز عليهم فعل الصغائر لأن الصغائر هي مخالفات شرعية للأوامر الإلهية، ولم تسمى صغائر لنفي كونها معصية بل سميت صغائر لتميز عما هو أكبر منها ولا لأمر آخر البتة وعليه لا أسوغ أن أنسب لأي نبي أي صغيرة وخاصة بعد نزول الوحي عليه.

وفاعل الصغائر إما عالم بها أو جاهل بها أو لم يصله نص بحكمها
فإن كان عالم بها وهو نبي فهذا تعمد مخالفة وهذا ممتنع في حقهم
وإن كان جاهل بها فهذا طعن في نبوته لأن النبي لايكون جاهلاً فيما يخالف أمر ربه!!
وإن لم يصله نص بها فلا تلحق بالذنوب لا الصغيرة ولا الكبيرة لأنه لاتكليف إلا بنص.

أما إلحاق الصغيرة بحكم السهو فلا أسلم له لأن المعصية تتعلق بالأفعال وحكم الأفعال تتعلق بدوام التكليف وترتفع بانقطاعه، فإن سهى فحال سهوه يقتضي انتفاء التكليف عندئذٍ، ولهذا عندما رفع عنا ما سهينا عنه لم يعد الفعل -وإن ظهر أنه مخالف للشارع- معصية لاقتران حكم العصيان بوجوب التكليف.

وما ينسب لجواز سهو نبينا الكريم فليس لتعميم الجواز ليصل لارتكابه الصغيرة لأنه لاحكم مع انتفاء التكليف، وهذا الفعل الذي تصور أنه معصية لم يكن قبيحاً لذاته بل قبح لتقبيح الشارع له، فإن رفع الشارع الحكم عن ذلك الفعل في حالة السهو –وإن حصل- فيدل على أن الشارع لم يعده قبيحاً حال السهو.

لا أدري إن كنت مصيباً في هذا الكلام ولكن هذا ما يبدو لي

ثانياً: بالنسبة لغلبة الوجد فصحيح أن موسى عليه السلام طلبها شوقاً ولكن لايجوز مع هذا لنبي أن يطلب محال، بل إن وقوع النبي في حال وجد يؤول به للمحظور مناف أصلاً للعصمة، فالأنبياء أشد تمكيناً لاستقبال الواردات الجلالية، ولهذا نقل غشيان الرسول الكريم لضمة جبريل ومكن نبينا من خرق مالم يمكن جبريل من خرقه ولم ينقل في المعراج رغم شدة الوجد واستقبال الحال الجلالي إلا أنه مكن أشد التمكين ونقل لنا فرض الصلاة.. أي أنه ثبت عن الأنبياء في الوجد ما هو موافق وليس ما هو مخالف... ، ولهذا قد يقع ممن دون النبي كالولي لفظاً قد يخالف ظاهره الشرع نتيجة وطأة الوارد لأنه غير معصوم كقوله أنا ربك وأنت عبدي، والولي الكامل المحفوظ المشهور أنه لم يقع في محذور كحجل سيدنا جعفر، أما المعصوم فلا دليل ولا شاهد على وقوعه وإلا مافائدة العصمة إذا لم يمكنه الله من اجتناب المعاصي في مثل هذه الحالات؟؟

بالنسبة لإجابة الرب عز وعلا
فالنتائج التي رتب الخصم مقدماته عليها لم تتطابق معه ما قدمه
أولاً: إن نفي الرؤية عندها متفقين مع الخصم عليه ولهذا لا اعتراض منا على أن لن تراني هو جواب لموسى عليه السلام بنفي الرؤية ولكن خلافنا معهم أن هذا النفي واقع في الدنيا ولايقتضيه نفيها في الآخرة، فنحن نوافق على مطلق النفي للرؤية ولانوافق على النفي المطلق لها لأنه لادليل على النفي المطلق بل الدليل على ثبوتها واقع ومخصص لهذه الآية بآية وجوه يومئذ ناضر إلى ربها ناظرة.

ثانياً: لو سلمنا تنزلاً أن الرؤية امتنعت للجبل –على دعوى الخصم- وبهذا زاد علم موسى بعظمة الله عن طريق ذلك الفعل، فنجاوبه بأننا عندما قلنا أن الرؤية نوع علم (والراجح عند أهل السنة هي إدراك مخصوص) وما العلم الذي زاد كما ادعى الخصم عند موسى هو علمه بعظمة الله، ونحن نقول أنه هذا عبث لأن عظمة الله عز وجل معلومة لدى موسى من قبل وكفى بنزول الوحي عليه وما أيده بمعجزات أن تغمر موسى بعلم يقيني بعظمة الله، وسبحان الله إن كان علي رضي الله عنه يقول (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا) فإذا كان من هو دون النبي منزلة يعلم عظمة قدرة الله بحديث لايختلج نفسه أي شك بهذا ونجوز أن يكون نبي قد مده الله بخوارق تدل على نفاذ وعموم القدرة ثم يلجأ لطلب مزيد من العلم على هذه الحيثية فهذا تفسير بعيد جداً.

ثالثاً: إن سياق الآية يدل على تجلي الله للجبل والنتيجة هي الاندكاك ولو كان المقصود إعلام موسى بعلم عظمة قدرته تعالى لكان من العبث أن يتجلى للجبل فلا وجه تلازم بين إثبات عظمة القدرة والتجلي بل كان اكتفى بعدم ذكر التجلي وبجعل الجبل يندك بغير تجلي وهذا ممكن في قدرته تعالى والنصوص تثبت عظمة القدرة بدون تجليات الحق فثبت أن المناسبة في ذكر التجلي لأمر آخر وهو الرؤية.

رابعاً: إن اندكاك الجبل هو تعليم لموسى بأنه لاطاقة له على تجلي الحق وأعطاه الدليل باندكاك الجبل إثر تجلي الحق له وهذا دليل على إثبات الرؤية لا على إحالتها؟ فلو كانت مستحيلة فما وجه اندكاك الجبل إذاً.؟!

خامساً: إن النص أتى بالرؤية وصرفه عما هو عليه مصادرة على المطلوب، ولما أجازوا زيادة علم فيجب أن يسلموا لنا إذا. فإن تجوزيهم لزيادة علم من جهة إظهار عظمة القدرة ونفيهم زيادة علم من جهة النظر إلى الله هو تحكم منهم، بل هو خروج عن النص فالعلم هنا مقترن بالرؤية فيجب فهم النص بهذا السياق لا بسياق نوع علم آخر كالعلم بعظمة الله!!

محمد محمود فرج
21-06-2006, 17:59
الاخ أحمد نزار


إذن فاقبل من الخصم ما قلته لك

و هو أن تكون المخالفة ليست طلب الرؤية المحالة بنظر الخصم

و إنما التعبير عن العلم بتعبير الرؤية المحالة

و يبررها غلبة الوجد على قلب موسى عليه السلام ..........

فلا يكون وجه للاحتجاج بالأمر على اثبات الرؤية

-------

قولك :



أولاً: إن نفي الرؤية عندها متفقين مع الخصم عليه ولهذا لا اعتراض منا على أن لن تراني هو جواب لموسى عليه السلام بنفي الرؤية ولكن خلافنا معهم أن هذا النفي واقع في الدنيا ولايقتضيه نفيها في الآخرة، فنحن نوافق على مطلق النفي للرؤية ولانوافق على النفي المطلق لها لأنه لادليل على النفي المطلق بل الدليل على ثبوتها واقع ومخصص لهذه الآية بآية وجوه يومئذ ناضر إلى ربها ناظرة.



كلامك سليم

----

قلت:



ثانياً: لو سلمنا تنزلاً أن الرؤية امتنعت للجبل –على دعوى الخصم- وبهذا زاد علم موسى بعظمة الله عن طريق ذلك الفعل، فنجاوبه بأننا عندما قلنا أن الرؤية نوع علم (والراجح عند أهل السنة هي إدراك مخصوص) وما العلم الذي زاد كما ادعى الخصم عند موسى هو علمه بعظمة الله، ونحن نقول أنه هذا عبث لأن عظمة الله عز وجل معلومة لدى موسى من قبل وكفى بنزول الوحي عليه وما أيده بمعجزات أن تغمر موسى بعلم يقيني بعظمة الله،


للخصم أن يقول لا أسلم

فكل ما علمه قبل ذلك هو آيات لعظمة الله

لكنها ليست كل الحكاية

-----

و بعد ما هو قصدك بالتجلي

كمفهوم واضح في الآيات

----------

ما العلاقة بين وجه اندكاك الجبل و اثبات الرؤية

لم افهمها؟

-------

و بقي واحدة لما بعد

أحمد محمد نزار
24-06-2006, 07:41
"التعبير عن العلم بتعبير الرؤية المحالة" هو خطأ في الخطاب مع الله عز وعلاً ولو جوزنا هذا على الأنبياء لصار للكفار حجة على عدم قبول الرسالات فإنه سيقولون أننا كيف سنثق بنبي يخطأ في خطابه مع ربه أفلا يخطأ في إيصال خطاب ربه إلينا؟!!! وهذا كما هو ظاهر طعن ظاهر في العصمة.

ولهذا قد يشعر الكافر لو استشعر من بعض النصوص على أنها "زلة" من النبي مع المخلوقات بأنها قد تدل على بشريته ويمكن أن يهضم مثل هذا،،، ولكن إن ظهر له أن النبي يخطأ في خطابه مع الله فهذا سيصده تماماً ، ألا ترى معي أنه لو زل شرطي مع الرعية قد لايفقد هيبة مدده من الملك أما لو عرف الرعية أن الشرطي يتجرأ على الملك ويخاطبه بمالايليق بجلاله فكيف سينظرون إليه بعدئذٍ ؟!!!

والتعبير عن العلم بالرؤية المحالة ممتنع من وجوه:

1- هذا التعبير محال على نبي وجائز لغيره في أي حال، وقد وضحنا أن دور العصمة من باب أولى أن تتوظف في مثل هذه المواقف كتوظيف العصمة ليوسف أمام امرأة العزيز وسأفيضك استدلالاً على مقارنة الحال وتحقق العصمة.

2- الوجد هو تفسير اجتهادي وليس ملزماً والقول بالشوق أولى وأوضح في هذا المقام، فعندما كلمه الله ورأى الأنس اشتاق لنهل أكثر من المحبوب فطلب الرؤية، ومعرفة موسى بالله معرفة تامة فعندما تيقن من جواز التكليم بدليل أنه كلمه عرف عدم امتناع الرؤية بلاكيف .. ولهذا يظهر بطلان ادعاء من ادعى أن موسى طلبها لقومه لأن حال القوم في الطلب في آيات أخر حال تعنت واستكبار من كافر أما حال موسى فحال مشتاق مؤمن وصياغة الطلب في الآيات تدل على هذا الكلام.

3- فإن سلمنا حصول وجد لانسلم وقوعه في الخطأ ودليلنا كما قدمنا وذلك أن الوجد الذي يقصد به الخصم هو "تحرر العقل من وعيه المحدود" وسبب تحرر العقل من وعيه يفسر بغلبة العواطف والمشاعر على العقل، وهذا لو صح تحققه عند المعصوم لصح تحققه عند يوسف عليه السلام فالهمّ تعبير عن الغريزة الفطرية في ذلك الموقف الذي تجمح فيه النفس فتهيج المشاعر ولهذا يغيب عندها العقل عن وعيه فيحصل الخطأ. وما حصل أن يوسف لم يخطأ فدل على أن العصمة لم تدع لحال الوجد أن يأخذ بالمعصوم للخطأ وإلا فما فائدة العصمة إن لم تكن عند مثل هذه المواقف!!!

ووجه الاستدلال أنه إذا منعت العصمة النبي من ارتكاب خطأ مع مخلوق أفلا تكون من باب أولى أن تكون مع الخالق؟!!
طبعاً لأنه قد يتساهل في ما قد يظن من المعصوم زلة في التعامل مع المخلوق، ولكن ياليت شعري كيف يستاهل بزلل يقع في المعصوم في حق الذات العلية!!!

4- أما أن يقول الخصم أن كل ما علمه من قبل هي آيات وهي ليست نهاية الحكاية فكلام مردود إذ أن الخصم نفي الكلام وادعى خروج الصوت من الشجرة ولم يقل الخصم أن الله كلم موسى عبر الشجرة لأن موسى يريد أن يرى عظمة قدرة الله!! ويبطل أيضاً قول الخصم بأن الكلام لم يطلبه موسى أصالة ولكن الرؤية طلبها وهذا يبين أن موسى عليه السلام لم يكن يطلب من الله أن يريه عظمة قدرته أو سلسلة من الآيات كما ادعى الخصم.

أما العلاقة بين اندكاك الجبل وثبوت الرؤية كالآتي:
1- لقد حصل للجبل شيء من رؤيته تعالى وهذا ما عبر عنه بالتجلي، ولهذا اندك الجبل
2- اندكاك الجبل يعني حصول رؤية له وتبيان لعدم إعطاء الله عز وجل طاقة للمخلوق تكفي أن يراه في الدنيا وهذه كانت الرسالة من الله لموسى أي لن تراني في الدنيا لأنني لم أقدرك على رؤيتي الآن فانظر إلى الجبل الذي سيتم له تجلي الحق فقد اندك نتيجة التجلي وكما هو معلوم أن الرؤية للمؤمن هي ارتقاء ولذة فأي لذة ستتحصل إن كانت النتيجة هي فناء المخلوق وهلاكه.
3- قد يقول قائل ألا يستطيع الله أن يمكن موسى أو المخلوق فلم حصرتم الأمر في الآخرة وقدرة الله هي هي دنيا وآخرة، قلنا له يمكن عقلاً ولم نمعنه عقلاً في الدنيا لكن وصلنا من طريق السمع عدم حصوله في الدنياه فرضينا بما أراداه الله ولايسأل عن شيء ولانتدخل في حكمة الله من تأجيل الرؤية للآخرة للمؤمنين مع أن من الحكم الكثر والظاهر من هذا .

أما مفهوم التجلي
فالتجلي مشتق من الجلاء والجلاء من الجليّ والجليّ هو الواضح ولهوايتي في الخط هناك نوع من الثلث يسمى الثلث الجليّ لشدة بروزه ووضوحه، والتجلي من تجلى أي فعل التجلي وما أفهمه من كل هذا أن أبصارنا عليها حجب كثيفة كونتها المعاصي تخف الحجب وترق وتدق بالطاعات، وكل درجة من درجات رقة الحجاب تسمى تجلياً ولهذا ليس بالضرورة أن يكون التجلي برفع كل الحجاب بين المؤمن وربه بل ربما حصل للجبل شيء من رفع الحجاب فهام.

لا أدري هذا ما أفهمه من التجلي فصوبني إن أخطأ جزاك الله خيراً

محمد محمود فرج
24-06-2006, 19:40
"التعبير عن العلم بتعبير الرؤية المحالة" هو خطأ في الخطاب مع الله عز وعلاً ولو جوزنا هذا على الأنبياء لصار للكفار حجة على عدم قبول الرسالات فإنه سيقولون أننا كيف سنثق بنبي يخطأ في خطابه مع ربه أفلا يخطأ في إيصال خطاب ربه إلينا؟!!! وهذا كما هو ظاهر طعن ظاهر في العصمة.


يمكن للخصم أن يقول لك

أن المقصود من العصمة إنما هو عصمة التبليغ و التشريع

و هي التي يقوم عليها الدليل

و أن هذا الكلام ...... الذي جرى من موسى ليس تبليغا و لا تشريعا

فإن قال الكاقر: لكن تجويز الخطأ البسيط على الأنبياء في غير مقام التبليغ و التشريع مستلزم لتجويزه في مقام التبليغ و التشريع

نرد عليهم قائلين: لا نسلم و لم تدلوا أنتم على وجه التلازم

بل نختار أن المفارقة بين الحالين

حاصلة بفعل الله العاصم لأنبيائه وقت الحاجة اي وقت التبليغ و التشريع و ما دون ذلك فلا نعلم أيعصمهم أم لا ....

-------------

قلت :




ولهذا قد يشعر الكافر لو استشعر من بعض النصوص على أنها "زلة" من النبي مع المخلوقات بأنها قد تدل على بشريته ويمكن أن يهضم مثل هذا،،، ولكن إن ظهر له أن النبي يخطأ في خطابه مع الله فهذا سيصده تماماً ، ألا ترى معي أنه لو زل شرطي مع الرعية قد لايفقد هيبة مدده من الملك أما لو عرف الرعية أن الشرطي يتجرأ على الملك ويخاطبه بمالايليق بجلاله فكيف سينظرون إليه بعدئذٍ ؟!!!



و أقول : يعذرونه لهول المقام عليه


ألا ترى أن طالب العلم مثلا : قد يصول و يجول أمام العامة أو أمام طلبة العلم مثله

لكنه لو رجع لاستاذه فقد يخطىء فيما كان لا يتصور فيه خطأ

و هو معذور لمقام الأستاذ

فكيف في من هو في مقام الله

و كيف و الغلط ليس أكثر من غلط لفظي .......... و المرء في قلبه على الاجلال و التنزيه سائر
-------------

و الاستدلال بحال يوسف -ع-........ يرد عليه ........بأن لا يسلم التلازم
و أيضا

فالفرق بين المقام بين يدي امرأة .....و الشهوة.............و بين المقام بين يدي الله ............كبير جدا


و أيضا غلبة الوجد في حال موسى ...........لم تؤده إلا إلى ارتكاب غلطة لغوية

بينما ما تستدعيه من قصة يوسف ..........فهو أنه لم يرتكب كبيرة

و الفرق واضح

فمثلا يقترب المثالين

لو جئت بموقف لمعصوم لم يرتكب برغم الموقف صغيرة

و تقارنه بموسى-ع-

أما أن تقارن من لم يرتكب كبيرة بمن ارتكب صغيرة فلا

-----------

بقية كلامك أراه جيدا كما هو السابق أيضا

فأعطني فرصة لفهمه التعليق عليه


تحياتي

أحمد محمد نزار
25-06-2006, 06:14
يمكن للخصم أن يقول لك
أن المقصود من العصمة إنما هو عصمة التبليغ و التشريع و هي التي يقوم عليها الدليل
و أن هذا الكلام ...... الذي جرى من موسى ليس تبليغا و لا تشريعا فإن قال الكاقر: لكن تجويز الخطأ البسيط على الأنبياء في غير مقام التبليغ و التشريع مستلزم لتجويزه في مقام التبليغ و التشريع نرد عليهم قائلين: لا نسلم و لم تدلوا أنتم على وجه التلازم بل نختار أن المفارقة بين الحالين حاصلة بفعل الله العاصم لأنبيائه وقت الحاجة اي وقت التبليغ و التشريع و ما دون ذلك فلا نعلم أيعصمهم أم لا ....


جزيت خيراً،،
لو سلمنا لخصومنا دعواهم لفهمنا أنهم يريدون تقسيم أحوال النبي إلى قسمين لا ثالث لهما: الأول أحوال سفلية تتعلق بالأمور الدنيوية المحضة والثاني أحوال علوية ذات تعلقات إلهية، وعليه نسألهم من قال لكم أن ما يدور بين النبي وربه من وحي وخطاب وكلام وتواصل يلحق بالمطالب السفلية!! بل هي أحوال علوية ذات تعلقات إلهية.

ولما كان خطاب موسى لربه ليس شأنا دنيوياً صرفاً (مع تحفظي التام لهذا التعبير إذ أن النبي لايرى التعامل مع العالم إلا أنه تعامل مع مصوره تعالى فهو في فناء مستمر عما سوى الله، لأن العالّمْ سمي عالَماً لأنه يُعلم به الله، وإن كان النبي دائم الحضرة والشهود مع هذا المعنى فهو معصوم التوجه عما سوى الله.. وشاهده "كان رسول الله تنام عينه ولاينام قلبه وكان يذكر الله في كل أحيانه "هذه حال استغراقية متحتمة إذ يستحيل الغفلة عن الله عليهم") على كل حال آسف على الاستطراد وأعود فأقول أنه حتى على فهم الخصم بذاك الانفصال فنقول أن خطاب موسى لربه هو من المطالب العلوية وبما أنه كذلك فهذا جزء من التبليغ والتشريع.

ذلك لأنه من أن العصمة محصورة بالتبليغ والتشريع لما استطاع أن ينفك في هذه المسألة عما ألزم به نفسه؛ لأن التبليغ والتشريع إما قول أو عمل أو تقرير، فيتحصل إذاً أن النبي معصوم قولاً وعملاً وتقريراً. والنبي أسوة في تقريره وفعله وقوله، ولم يوجد تقيد لتلك الحالة فلم يعد أي مبرر لهروب الخصم من هذا الإلزام.




و أقول : يعذرونه لهول المقام عليه ألا ترى أن طالب العلم مثلا : قد يصول و يجول أمام العامة أو أمام طلبة العلم مثله
لكنه لو رجع لاستاذه فقد يخطىء فيما كان لا يتصور فيه خطأ و هو معذور لمقام الأستاذ فكيف في من هو في مقام الله
و كيف و الغلط ليس أكثر من غلط لفظي .......... و المرء في قلبه على الاجلال و التنزيه سائر


إذا قررنا سابقاً أن حاله حال شوق ولايستدعي الشوق الوقوع في خطأ لفظي وبهذا التقرير يحل الإشكال، وحتى هول المقام الموصوف بالوجد قررنا أنه لايمكن أن يغيب عقل النبي عن الحقائق فربما يتعب جسدياً ويرى عليه أثر الإعياء لكن لايفقده صوابه أبداً، على غرار تقرير أهل السنة أن سحر النبي لم يغيب عقله أبداً، وكذلك تقريررنا أن داوود عليه السلام مع شدة مرضه لم يغيب عقله ولم يصل لحالة نفور كما صورتها الإسرائليات الكاذبة.

فإذا كان ذلك كذلك فلا خطأ أبداً مع الله، بل الخطأ اللفظي قد يؤدي للكفر كما هو معلوم فكيف نجوزه على الأنبياء!!! وإن قلنا لم يكفر من قال أنا ربك وأنت عبدي قلنا أن وجد ذلك ليس وجد نبي لانتفاء عصمته وهذا الفرق.

وإننا نحيل الخطأ على النبي وإن قيل أنه لفظي ليس مقصود، لأنه مشرع تحسب عليه أنفاسه الصاعدة والنازلة ولم نشهد لأي نبي خطأ عزي للفظ أبداً فلم نجوز أن يكون هذا واقع على رسول من أولي العزم؟!!


و الاستدلال بحال يوسف -ع-........ يرد عليه ........بأن لا يسلم التلازم و أيضا
فالفرق بين المقام بين يدي امرأة .....و الشهوة.............و بين المقام بين يدي الله ............كبير جدا
و أيضا غلبة الوجد في حال موسى ...........لم تؤده إلا إلى ارتكاب غلطة لغوية بينما ما تستدعيه من قصة يوسف ..........فهو أنه لم يرتكب كبيرة
و الفرق واضح
فمثلا يقترب المثالين لو جئت بموقف لمعصوم لم يرتكب برغم الموقف صغيرة و تقارنه بموسى-ع-
أما أن تقارن من لم يرتكب كبيرة بمن ارتكب صغيرة فلا


كان استدلالي من جهة (من باب أولى) اي إن عصم النبي عن الخطأ بين بشر وبشر فهو من باب أولى أن يعصم بين بشر ورب.

ولا يوجد صغيرة في حق الله بل هي أكبر الكبائر، ألا ترى أنه أكبر الكبائر الإشراك بالله ثم تلتها الزنا والقتل وغيرها.. لأن أكبر الكبائر ما يتعلق بالذات الإلهية والتي لايغفر الخطأ بها (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) أما ما دون المساس بالذات الإلهية فهينة مقارنة بالخطأ في النسبة لحضرة الرب مالايليق بجلاله..

والغلطة اللغوية مع الله ليست هينة إذ أننا نتعامل أصالة مع الله باللفة والألفاظ فنحن نقدس وننزه الله بلفظ (سبحان الله) وبقولنا (ليس كمثله شيء) فالمشكلة أن الألفاظ تدل على المعاني ولهذا لنا الظاهر في الحكم على المؤمن بما يصدر منه من ألفاظ، ولهذا لايسوغ أن يحكم على موسى بغير اللفظ الظاهر منه وخاصة إن قلنا أن الذي يتعقب أقوال النبي هم كفار، فعلى حد تبرير الخصم للخطأ بأنه لفظي فهو ربما يقبل من وجهة نظر مبرر مؤمن يحسن الظن بنبي آمن به وأما من وجهة نظر كافر فإنه يترقب أي شيء يلفظه النبي ليدعم إنكاره وتشكيكه بنبوته.. هذا وجه الاستدلال والله أعلم وأحكم أسأل الله أن يهدينا لأحسن الاعتقاد

بارك الله فيك أخي تابع

محمد محمود فرج
25-06-2006, 19:45
سيد أحمد نزار

اعذرني لأنني لا أجيب على كل كلامك

لكن أعدك أن أفعل

----

و اقول

أعتقد أنك وقعت في مغالطة

و هي التالي

النبي معصوم تبليغا و تشريعا == معصوم قولا و عملا و تقريرا

"والنبي أسوة في تقريره وفعله وقوله، ولم يوجد تقيد لتلك الحالة فلم يعد أي مبرر لهروب الخصم من هذا الإلزام."اه

فحاصله......إن الخطاب مع الله إما قول أو عمل او تقرير.......و النبي معصوم فيهما ......فينتج أن النبي معصوم في الخطاب مع الله

لكن المغالطة

أنه لا بد أن تقيد الأمر

النبي معصوم تبليغا و تشريعا = معصوم (قولا و عملا و تقريرا ) في حالة التبليغ و التشريع

لا في كل الحالات

و عليه

فلا يلزم الخصم أن يقدم لك المقيد لتلك الحالة........لأنك لم تدل على أن العصمة في جميع الحالات لتلزمه بالدليل على اخراج حالة الخطاب مع النبي


و عليه

فيتهرب من الزامك و يقول

ما زال قولي صحيحا

لا يلزمني أن يكون الله معصوما في الصغائر مع الله----------فلا يتم الاستدلال

تحياتي

و إن شاء الله سأكمل قريبا

لكن لنتفق على هذه المسألة

أحمد محمد نزار
26-06-2006, 09:03
ماذا تقصد بكل الحالات ؟؟
بل النبي معصوم في كل الحالات لأن كل حال له يقول أنا مشرع مبلغ عن ربي..

فكل قول يصدر من المعصوم سواء كان المخاطب هو الله أو المخاطب هو المخلوق فهو جزء من التبليغ والتشريع.

قولي بأن من يقول بأن العصمة محصورة بالتبليغ والتشريع والقول (أي قول الرسول) هو جزء من التبليغ والتشريع فأنا أقصد بالقول هو مطلق قول الرسول هو محض تشريع إلا ما قيده الرسول بقيد، ولهذا قال الله تعالى (إن هوإلا وحي يوحى) فكأن الرسول بكله هو وحي ويوحي للناس بكل أحواله..
فلذلك رأينا الصحابة تأسوا بكل فعل وقول وعمل لرسول الله إلا ما قيده لهم فذاك ابتسم بعد ركوب الدابة وذكر الدعاء تأسيه بقوله وفعله، وآخر دعا بأدعية سمعها منه صلى الله عليه وسلم أثناء صلاته فقال بقوله، ألا ترى معي أن من تأسى بالنبي فخاطب الله بما خاطب النبي ربه به لم يكن ليفعل هذا لو لم يعلم أن ذلك القول صدر من معصوم عصمه الله حتى في خطابه لربه!!.

ولو جاز أن يرتكب النبي خطأً لدى خطابه مع ربه لنهى النبي أن يأخذ الناس عنه ما كان من مناجاة وكلام بينه وبين ربه!!!

وحاصل الأمر:
أنني أعتقد أن أي نبي في كل فعل وقول وتقرير له هو مشرع ومبلغ على الإطلاق إلا إن جاء نص منه بالنهي عن الأخذ منه..

أحمد محمد نزار
22-07-2006, 07:27
قال الشيخ سعيد في بحوث في علم الكلام في تحديد حقيقة الرؤية

فالرؤية حقيقة هي أمر ما يخلقه الله تعالى في النفس يحصل به الانكشاف للواقع

وفي إحدى نقاشاتنا مع الإمامية في غرفة أهل السنة مع أجل الناس علماً لدى غرفة الغدير والمسمى بالقدس قد تم إلزامه بجواز الرؤية بل تم إلزامهم بالحد كما حددناه معهم وكان الإلزام بالاستدراج كالآتي:

قلنا لهم سؤال:

هل يجوز عقلاً أن يتحصل لبشر علم لدنيّ يقذفه الله في قلب الإنسان مباشرة دون الحاجة لقراءة وكتابة ومدارسة أم لا؟
وهل نسمي شخص ما عالم بمجرد كونه لديه كتب ومراجع علمية أم أننا نطلق على العالم أنه عالماً إذا وجدنا منه نتيجة العلم، ولهذا نجد أن الإمامية يعتقدون بالعلم اللدني (كما قالوا بأن زينت وكل أئمتهم حصلوا على ذلك العلم اللدني) وأنه جائز عقلاً حصول علم لدى إنسان بدون ضرورة عقلية لحصول انفعالات عادية كالقراءة والكتابة والمدارسة والتأمل و...

فأجاب:
طبعاً لا خلاف عند الإمامية بتحقق العلم اللدني وبأنه علم يقذفه الله مباشرة في صدر الرجل الصالح ولامناص من تجوز العقل لحصوله
ثم قال: نعم حقيقة العلم بناء على هذا لايتوقف على القراءة والكتابة ...إلخ.


وجاوبناه بأنك قد ألزمت نفسك وأقررت بالحد الذي حددناه لمفهوم الرؤية كالتالي:

إذا جاز لبشر في هذه الدنيا (والتي فيها قدرات الإنسان محدودة جداً) أن يخلق الله له علم في نفسه مباشرة بدون أية مقدمات وأسباب عادية فمن باب أولى أن نجوز أن يخلق الله للبشر في الجنة (والتي تكون فيها قدرات الإنسان مختلفة وعلى مستوى عال) رؤية في نفس المؤمن مباشرة بدون اشتراط مقابلة وجهة وقرب وبعد وضوء..إلخ

وكما أقررتم بأن حقيقة العلم هي ماينتج في نفس الإنسان وليس مقدماته بالضرورة فكذلك حقيقة الرؤية هي الناتج الإداركي في نفس المؤمن في الجنة بدون المقدمات المشروطة لحصولها.

وقد تحصل الإلزام

محمد محمود فرج
19-09-2006, 08:55
أخ أحمد نزار قولك صحيح ..............فيما يتعلق بعصمة الرسول


و يزيده صحة أن جواب الله كان بنفي الرؤية لا العلم و حمله على العلم أو شيء من هذا القبيل خلاف الظاهر


و أصلا القول بأن سيدنا موسى طلب العلم بالله .......هو طلب لنفس المعنى الذي يثبته أهل السنة ......... فالتزامه هو التزام بصحة قول أهل السنة .................

فعلى الحالين قول أهل السنة صحيح .........

احمد حميد حمد الله
11-02-2007, 17:16
انا اميل مع كثير من العلماء بي الخلاف مع المعتزله على ان الخلاف لفظي وهو ان المعتزله ينكرون الرؤيه لانها تستلزم الجسميه والتحيز واهل السنه الاشاعره يثبتونها ويقولون بي عدم التحيز فالعله عند المعتزله كونه حيز والاشاعره تنفي التحيز ولكن الخلاف الشديد مع المجسمه فهل من حل ؟

أحمد محمد نزار
22-03-2007, 11:37
الأخ أحمد

إن إصرار أهل السنة على تنزيه الله عز وعلا متزامناً مع كلامهم على الرؤية ليس بالشيء الجديد ولهذا ماتفسيرك إنكار المعتزلة الدائم رغم اطلاعهم وسماعهم وجهة نظر أهل السنة لذلك.. وماتفسيرك لأفراخ المعتزلة "الروافض" الذي لايزالون يصرون على اتهام أهل السنة وخلط الأوراق بينهم وبين المجسمة!!

أنا لا أظن أن هؤلاء (سواء المعتزلة أو أفراخهم ومن سار على نهجهم) جاهلين بما يقولونه أهل السنة لأنهم لو كانوا جاهلين فنحن نعلمهم وقد علمناهم ولم يبق إلا أنهم بعدما تعلموا أنهم يصرون ..

فإما أن يكون الذين لايزالون يهجمون على الأشاعرة جاهلين أو متعلمين والتحقيق أن من يسمي نفسه عالماً ويرد على أهل السنة الأحرى إن لم يطلع على كلام أهل السنة في المسألة أن لايسمي نفسه عالماً فإن سمى نفسه جاهلاً عذرناه ..

أما المجسمة فمشكلتنا معهم ربما واضحة لأنهم غلظاء وشدة غلظتهم توضح مسلكهم أما غيرهم فهم يجيدون المراوغة والتلاعب بالألفاظ وكلا ضال هداهم الله لسواء السبيل

شفاء محمد حسن
24-04-2009, 02:18
سيدي الشيخ سعيد هل تكملة هذا البحث القيم قد ضمن في كتاب من كتبكم فنسعى لتحصيله، أم ننتظر أن تضعوه هنا..؟

ولي سؤال خارج عن موضوع الرؤية، كنت أريد أن أسأل عنه من قبل فرأيت ما يناسبه هنا:


السلام عليكم,
بارك الله فيك ايها الشيخ الفاضل, وهذه وصلة تشرح ما تعنيه بالضبط, وهي من موقع العالم هارون يحيى, اضعها هنا للاستفادة:
http://www.harunyahya.com/download/download.php?id=20770

كثيرا ما سمعت عن هذا العالم من عامة الناس، لكن لم أعرف شيئا عن فكره من قبل، فتعجبت كثيرا الآن من قوله بمذهب الفيلسوف بركلي بأسلوب رائع..!

وسؤالي هو: هل ثمة فروق بين مذهب بركلي ومذهب السفسطائية العندية، أم أنه لا يوجد فرق بينهما، فيمكن أن نصنفهم معا؟

سامي علي صالح
12-05-2009, 08:43
اخواني الكرام ما رأيكم بكلام ابن تيمية هذا هل يصح لإلزام المعتزلة؟ ( الملون باللون الأحمر )

منهاج السنة النبوية - (2 / 348)
فيقال لهذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة قولك ليس في جهة وكل ما ليس في جهة لا يرى فهو لا يرى وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم فيقولون لو رئى للزم كذا واللازم منتف فينتفى الملزوم
والجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة بمنع إحدى المقدمتين إما معينة وإما غير معينة فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة أو كلتاهما باطلة وكثيرا ما يكون اللفظ فيهما مجملا يصح باعتبار ويفسد باعتبار وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل ويسميه المنطقيون الحد الأوسط فيصح في مقدمة بمعنى ويصح في الأخرى بمعنى آخر ولكن اللفظ مجمل فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى ولا يكون الأمر كذلك
فإذا أردت به أمرا وجوديا كان التقدير كل ما ليس في شيء موجود لا يرى وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل على أثباتها بل هي باطلة فإن سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر
وإن أردت الجهة أمرا عدميا كانت المقدمة الثانية ممنوعة فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير
وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه الله به وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الإشتباه والتعطيل وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة تبين أن الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه و سلم هو الحق المقبول ...اهـ




هل سطح العالم فعلاً ليس في جهة؟
وهل لو رآه الرائي لا يكون مقابلاً له؟

لماذا لا يجيب أحد على سؤالي ؟

منصور بن سعيد الحارثي
09-02-2010, 12:15
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه, و نستغفره , و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له, و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } (آل عمران :102)
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (النساء : 1)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } . ( الأحزاب : 70 - 71 )
أما بعد ... فإن أصدق الحديث كتاب الله عزوجل و أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم , و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍوَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ" [ البخارى
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ فَقِيلَ يَارَسُولَ اللَّهِ كَفَارِسَ وَالرُّومِ فَقَالَ وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِك" [البخارى..ك..الاعتصام]
وفي رواية ابى واقد الليثي عند الترمذى – " وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنّ سُنّةّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ"...عند الترمذى ...وعند أحمد.." وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِثْلًا بِمِثْل"
والسُّنَّة: الطريقة، والسَّنن أَيضاً سُبل ومناهج وعادات
جاء في الروايات السابقة : ألفاظ "لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ"..." لَتَرْكَبُنّ سُنّةّ"..." لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ"
..." تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا"...وهذه الألفاظ بمجموعها تدل على المراد شرعا باتباع السَنن بحيث يمكن أن نقرب المعنى فنقول:
أخبر الرسول بما يكون من أمته بعده من اتباع سبل ومناهج وعادات أمم الكفر في الأرض،سواء كانوا متمثلين في أهل الكتاب من اليهود والنصارى , لأنهم كانوا المشهورين بالديانات السماوية , أو في فارس والروم , لكونهم كانوا إذ ذاك أكبر ملوك الأرض وأكثرهم رعية وأوسعهم بلادا , والناس إنما يقلِدون من كان هذا حاله، وليس المراد الحصر , فما هى إلا أمثلة وأسماءوإن تغيرت أو تسمت بأسماء أخر , وهذا يظهر في قوله ( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتيبأخذ القرون قبلها ) والأخذ هو السيرة , يقال أخذ فلان بأخذ فلان أي سار بسيرته , والمعنى تسير بسيرة الأمم قبلها , سواء في دينها , كاليهود والنصارى , أو فيدنياها, كفارس والروم , فحيث قال فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بينالناس وسياسة الرعية، وحيث قيل اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمورالديانات أصولها وفروعها، وهكذا فنحن نشاهد تقليد أجيال الأمة لأمم الكفر في الأرض،فيما هي عليه من أخلاق ذميمة وبدع محدثة وعادات فاسدة، تفوح منها رائحة النتن،وتمرغ أنف الإنسانية في مستنقع من وحل الرذيلة والإثم، وتنذر بشر مستطير , ثم إنهذا الإتباع ليس هامشى أو عرضى بل هو اتباع دقيق لاتفوتهم منه فائتة , عبر عنهالصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى بقوله: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْقَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ"....وفي لفظ " لو دخلوا"..."لدخلتموه"...
وهذا كناية عن شدة الموافقة لهم في عاداتهم، رغم ما فيها من سوء وشر، ومعصية لله تعالى ومخالفةلشرعه. و(جُحر الضَب) ثقبه وحفرته التي يعيش فيها، والضب دويبة تشبه الحرذون تأكلهالعرب، والتشبيه بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، ونتن ريحه وخبثه، وما أروع هذا التشبيه الذيصدق معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم،فوقع ذلك التتبع والإتباع الممقوت من أمةالمسلمين لأمم الكفر البائدة الفاسدة , وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول عن نبيه صلى اللهعليه وسلم "وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى"...والتشبيه بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، ونتن ريحه وخبثه، وما أروع هذاالتشبيه الذي صدق معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم،فوقع ذلك التتبع والإتباعالممقوت من أمة المسلمين لأمم الكفر البائدة الفاسدة , وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول عن نبيه صلى الله عليه وسلم "وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى"...
ولقد جاء في القرآن العظيم ما يبين ذلك حيث قال ربنا :
" كَالَّذِينَ مِنْقَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًافَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ"(69) التوبة.
وقد بينا في المقال السابق عقيدة الخروج من النار ومصدرها ونبين هنا اليوم عقيدة أخرى فيها اتباع لسنن من قبلنا وهي عقيدة رؤية
الله تعالى
(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) النساء 153.
(أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة 108
فالآيات السابقة تبين أصل هذه العقيدة
وسوف نبين فيما يلي الصواب بالأدلة العقلية والنقلية من كتاب الله وسنة نبيه على الصلاة والسلام
أ_ الأدلة العقلية:
إن رؤية الله سبحانه وتعالى من الأشياء التي لا تتصور في العقل إذ أن الله كما في الأزل ولا شيء معه ولم تتبدل ذاته وصفاته بعد الخلق فلا تتصل ذاته بشيء من مخلوقاته كما أنها لا تنفصل عنها لأن كل ذلك من صفات الحوادث. والرؤية تستلزم أشياء لا تكون إلا للمخلوقين مثل:
1-أن يكون المرئي متميزاً -أي متشخص- والله يستحيل عليه التشخيص.
2-أن يكون متكيفاً -أي ذا كيف- أي لون- وذلك محال على الله.
3-أن يكون متبعضاً لأن النظر إما أن يحيط به كله أو بعضه وكل ذلك محال على الله(1).
4-الانحياز في جهة مقابلة للرائي والله لا تحويه الأمكنة.
5-أن لا يكون المرئي في منتهى اللطافة.
6-عدم الحجاب الحائل وهو الجسم الكثيف(2).
7-أن يكون مضيئاً بنفسه أو واقعاً عليه ضوء غيره، وكل ذلك مستحيل على الله( 1 ).
ب- الأدلة النقلية لنفي الرؤية:
1-قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )الأنعام103 فالله امتدح في هذه الآية بعدم إدراك الأبصار له يعني أنه لا يراه أحد فتبين أن عدم رؤيته تعالى بالأبصار صفة ذاتية ملازمة له تعالى.
·واعترض المثبتون للرؤية هذا الاستدلال من خمسة أوجه:
1-إن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية،وبينهما فرق فالإدراك هو الإحاطة بالمدرك من جميع الجوانب وهو مستحيل على الله.
2-إن الآية جاءت لسلب العموم لا لعموم السلب يعني أن معنى الآية ليس كل الأبصار تدرك الله فالآية نفت الكل إذ أثبتت الرؤية للبعض.
3-لو عمت الآية في الأشخاص فإنها لا تعم في الأزمان.
4-إن الآية نفت رؤية الأبصار ولم تنف رؤية المبصرين يعني أنه ربما ينظرون بجارحة غير العين.
5-أن عموم الآية مخصص بأدلة إثبات الرؤية.
ورد الاعتراض الأول:
بأن الإدراك لم يأت بمعنى الإحاطة في المعاجم العربية بل جاء معناه اللحوق والرؤية كما جاء في الصحاح)2) أدركته ببصري أي رأيته.
ورد الاعتراض الثاني بعدة أوجه:
1-لو كان الله امتدح بأنه لا تراه كل العيون فهذا لا يصير مدحاً لأن الشمس لا تراها كل العيون لبعدها عن العوالم الأخرى.
2-لو جاز هذا التأويل لجاز أيضا في غيرها مثل قوله تعالىإن الله لا يحب المعتدين) البقرة الآية 190 لأن كلا الآيتين سيقت للمدح وتضمنت النفي.
3-التعريف في الأبصار بـ(ال) سواء كانت للاستغراق أو الجنس فإنها تدل على عدم الرؤية.
ورد الاعتراض الثالث:
أنه لا أساس له لأن كل واحد يدرك أنه لو سلمنا بذلك لكان من حلف أن لا يزني وزنى في المستقبل لا يكون حانثاَ.
ورد الاعتراض الرابع:
بأن الآية نفت أن تمتد إلى الله طاقة البصر حتى لو قالوا إنهم يرونه برؤوسهم وأجسامهم كلها.
ورد الاعتراض الخامس:
إن الأدلة التي احتجوا بها على الرؤية لا تعني الرؤية كما مر سابقاً. فإن قيل عدم رؤية الله تعالى لا يعد مدحاً لمشاركته غيره فيها في ذلك كالرياح والأرواح.
الجواب: إن الله لا يرى لجلاله وكبريائه وأما المخلوقات فقد أخفاها الله ولو جاز هذا الاعتراض لجاز في قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم) البقرة الآية 255 لأن الأجرام السماوية لا تنام.
·قال ابن تيميه: إن الآية على جواز الرؤية أدلّ على نفيها لأن الله ساقها ممتدحاً ولا يمتدح الله بمعدوم إلا إذا تضمن أمراً وجودياً، مثل تمدحه بعدم السنة والنوم لأنه يريد أن يثبت كمال القيومية، وتمدح بنفي الموت لإثبات كمال الحياة.
الجواب: نجده هنا يريد أن يخضع النصوص لقاعدة مصطنعة من الوهم فلو سلمنا بما يقول: فإن نفي الرؤية متضمن كمال الكبرياء لله كما في حديث أبي موسى الأشعري (جنتان من فضة...).
·قال الفخر الرازي: لو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: (لا تدركه الأبصار) لأنه لا امتداح بما لا تصح رؤيته مثل الروائح.
فيقال للمحتج بذلك: إن كان نفي الشيء دليل على جوازه فماذا تقول في قوله تعالى: (لم يتخذ صاحبة ولا ولداً) سور الجن الآية 3، هل دليل على اتخاذه سبحانه الصاحبة والولد؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والخلاصة: إن الآية دالة دلالة صريحة قاطعة أن الله تعالى لا تراه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وكل الاعتراضات هي ضباب من الوهم يتلاشى بظهور شمس الحق.
2-قوله تعالى لموسى عليه السلام: (لن تراني) الأعراف 143، فإن الله نفى الرؤية نفياً قاطعاً غير مقيد بزمان، فلم يقل له لن تراني في الدنيا، لا تبديل لكلمات الله.
-فلو حصلت الرؤية في أي وقت لكان تكذيباً لهذا الخبر.
-نزول الصاعقة واندكاك الجبل يقطع طمع من يطلب ما يتنافى مع كبرياء الله.
-نزول الصاعقة دليل على أن سؤال الرؤية اقتحام لحمى محجور لرب العالمين، بدليل أنهالم تنزل عليهم الصاعقة حتى على عبادتهم للعجل.
-لو كانت الرؤية نعيم للمؤمنين في الآخرة مثل الجنة لما نزلت بسؤالها الصاعقة، ألا ترى لو سأل أحدٌ ربه أن يدخله الجنة في الدنيا هل ستنزل عليه الصاعقة؟!!.
-مسارعة موسى بالتوبة وتنزيه الله وقوله: (أنا أول المؤمنين) يعني بعدم الرؤية كما روى ذلك ابن جرير عن ابن عباس دليل على عدم جواز الرؤية.
·واعترض المثبتون بأن الله قال(لن تراني) ولم يقل لست بمرئي وهذا دليل على ضعف الرائي لأنه في دار الفناء وليس على استحالة الرؤية.
ورد عليهم أن الجواب على قدر السؤال فإذا انتفت الرؤية عن موسى وهو كليم الله فعن غيره أولى.
·وقال المثبتون إن (لن) تفيد قلب النفي من الحال للاستقبال بدليل قوله تعالى عن اليهود: (ولن يتمنوه أبداً) البقرة 95، مع قوله تعالى(ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) الزخرف 77 قالوا نفى عنهم الموت في الدنيا وأثبته في الآخرة وكذلك نفى الرؤية.
ورد هذا بأنه يختلف باختلاف الأحوال فاليهود مشغوفون بالدنيا مشفقين من الموت أخلدوا إلى الراحة وفي الآخرة يتبدل حالهم. وأما الله تعالى فلا تجري على ذاته الأحوال والرؤية منافية لكبرياء الله كما جاء في الحديث : (..وما بينهم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء) وكبرياء الله أزلية أبدية لا تتبدل.
3-ما جاء في كتاب الله من الإنكار الشديد البالغ للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين دليل قاطع لعدم جواز الرؤية حيث قال الله سبحانه وتعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) النساء 153.
4-تحذير الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه بنوا إسرائيل من سؤال الرؤية حيث قال الله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة 108.فلو كانت الرؤية جائزة لماذا يحذرهم الله من سؤالها.
5-ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).
-فالحديث صريح في عدم رؤيتهم لله لان رداء الكبرياء يحول دون ذلك والكبرياء صفة ذاتية لله تعالى لا تتبدل مثل العلم والقدرة.
·فإن قيل لماذا حملتم النظر في مقام النفي على الرؤية مع حملكم إياه في مقام الإثبات على الانتظار؟ كما في آية القيامة.
الجواب: إن النظر يأتي بمعنى الانتظار وبمعنى الرؤية والقرائن تصرفه لأيهما يفسر.
·وقد تكلف ابن حجر في تفسير هذا الحديث فقال: إن في الحديث حذف تقديره: إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه.
الجواب: فلو تبعنا هذه التأويلات البعيدة لما بقي نص مستقر لأنه يحتمل ا لزيادة لإثبات المنفي ونفي المثبت. وقد قال صاحب المنار: إن في هذا التأويل تكلفاً.
6-ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عن أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل رؤيته لربه (نور أنى أراه).
-فالرسول صلى الله عليه وسلم استبعد حصول الرؤية بقوله (أنى أراه) فإن أني بمعنى كيف، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى.

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
09-02-2010, 12:46
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي منصور،

سنفرغ لك بإذن الله تعالى فانتظر قليلاً.

منصور بن سعيد الحارثي
09-02-2010, 13:00
سلام علكيم ورحمة الله و بركاته


محاضرة كامله لسماحة الشيخ أحمد الخليلي في نفي رؤية الله



http://www.youtube.com/watch?v=eB9wL...eature=related

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
09-02-2010, 14:57
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي منصور،

هلا قرأت هذا الموضوع من أوّله لتجد أنَّ سيدي الشيخ سعيداً قد أجاب عن كلّ ما يورد أصحابك؟!

والسلام عليكم...

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
10-02-2010, 14:09
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي منصور،

أمَّا الاستدلال بقوله تعالى:

"يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم"[النساء:153]

على أنَّ بني إسرائيل مذمومون لأنَّهم طلبوا محالاً هو رؤية الله سبحانه وتعالى فلا يصحّ...

إذ إنَّ سؤال بني إسرائيل سؤال مشكك بوجود الله سبحانه وتعالى فيطلب الإحساس به سبحانه وتعالى لأنَّه لا يصدّق بغير المحسوس...

إذن ذمّ بني إسرائيل إنَّما هو لشكّهم بوجود الله سبحانه وتعالى لأنَّهم لم يحسّوا به...

ولاعتقادهم جسميّته تعالى لطلبهم الرؤية جهرة...

ولاعتقادهم استحقاقهم لرؤيته تعالى.

أمَّا أنَّ طلب بني إسرائيل هذا هو أصل هذه العقيدة فدعواك!

الأدلّة العقليّة التي أوردّتَ:

قلتَ:
إن رؤية الله سبحانه وتعالى من الأشياء التي لا تتصور في العقل إذ أن الله كما في الأزل ولا شيء معه ولم تتبدل ذاته وصفاته بعد الخلق فلا تتصل ذاته بشيء من مخلوقاته كما أنها لا تنفصل عنها لأن كل ذلك من صفات الحوادث.

فهنا مقدّمة مخفيّة هي بأنَّ الرؤية تقتضي تغيّراً في المرئي...

وليس ذلك بصحيح...

إذ لا يلزم ذلك ابتداء!

إذ الرؤية الحادثة حادثة في الرائي لا المرئي...

وهذا في الشاهد حاصل إذ رؤيتي للجدار لا تعني تغيّراً في الجدار.

إلا أن تقول إنَّه باتصال الشعاع فلا يسلّم.


قلتَ:
والرؤية تستلزم أشياء لا تكون إلا للمخلوقين مثل:

1-أن يكون المرئي متميزاً -أي متشخص- والله يستحيل عليه التشخيص.

فأنت تقصد التشخص المكاني ولا ألتزمه!

فأت بالدليل على أنَّه لا رؤية إلا لهذا...

إن قلتَ: الشاهد.

قلتُ: عدم إدراك غير الشاهد لا يعني عدمه.

قلتَ:
2-أن يكون متكيفاً -أي ذا كيف- أي لون- وذلك محال على الله.

هذا مصداق التشخّص فيرجع إلى الأول!

3-أن يكون متبعضاً لأن النظر إما أن يحيط به كله أو بعضه وكل ذلك محال على الله.

هو راجع إلى الأوّل!

لا يلزمني لأنَّ الرؤية كما نقلتَ أنت ليس فيها شيء ممّا تذكر هنا...

فبحسب التعريف الذي نقلتَ أنت لا يلزمني أي قيد تريد!

4-الانحياز في جهة مقابلة للرائي والله لا تحويه الأمكنة.

يرجع إلى الأوّل!

5-أن لا يكون المرئي في منتهى اللطافة.

معناه لزوم الجسمية فيرجع إلى الأوّل!

6-عدم الحجاب الحائل وهو الجسم الكثيف.

هذا يلزم كلّ من يقول بالعلّية بين أجزاء العالم وهو ممنوع عند أهل السنّة والجماعة إذ الله تعالى خالق كلّ شيء.

7-أن يكون مضيئاً بنفسه أو واقعاً عليه ضوء غيره، وكل ذلك مستحيل على الله.

هذا فرع القول بأنَّ الرؤية نتيجة وصول الضوء ولا يسلّم حتى في الشاهد لأنَّ الله سبحانه وتعالى يخلق الصور في الرائي وإن أغلق حدقته.

الخلاصة:

كلّ ما ذكرتَ من (الأدلّة) إنَّما هو بحسب قانون العادة لا بحسب قانون العقل...

فالرؤية هي إدراك مخصوص...

وهذا الإدراك المخصوص أعمّ من أن يكون الواقع في العادة فقط.

بل لي أن أستدل فأقول إنَّ قول الله سبحانه وتعالى: "قد نرى تقلّب وجهك في السماء" نصّ في إثبات رؤيته تعالى لغيره تعالى...

فلم يكن سبحانه وتعالى بحصول الرؤية في مكان ولا جهة ولا يحدث فيه سبحانه وتعالى شيء إذ الرؤية قديمة -كما العلم- ولم يصله تعالى لون...

فيلزمك كلّ ما تلزم أهلَ السنّة به...

يبقى أن تجيب فتقول إنَّ الآية الكريمة تفيد العلم لا الرؤية...

فأجيبك بأنَّك هنا قد تأوّلت الآية وهذا خلاف الأصل...

بل النصّ نصّ على الرؤية لأنَّه لو كانت مؤولة إلى العلم لما كان فائدة من أن يقول تعالى: "نرى" بدلاً من (نعلم).

والأدلّة النقليّة سيكون الكلام عليها بعدُ إن شاء الله تعالى.

والسلام عليكم...

علاء حسام داود
14-02-2010, 15:48
أخي محمد ..

السلام عليكم ..

سؤال لو سمحت ..

هل نرى الله يوم القيامة بنوع كشف في عقولنا أم في عيوننا ؟

وإذا جاز الإثنان فهل ذلك الكشف لبعض ذات الله أم لذاته كلها ؟؟

والسلام عليكم .

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
04-03-2010, 11:29
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي علاء،

أعتذر عن التأخر...

لمَّا كان هذا الكشف قد سمّي رؤية فهو في العين.

أمَّا جهة الكشف فأولاً ليس لله سبحانه وتعالى بعض.

وثانياً نحن نقول إنَّه يجوز زيادة العلم بالله سبحانه وتعالى...

وزيادة العلم به تعالى لا تعني أنَّه تعالى مركّب...

فعلمنا بوجوده تعالى ليس علمنا بأنَّه تعالى عالم...

فبعد هذا يقال إنَّ رؤيته تعالى إدراك له تعالى وزيادة علم به تعالى مع عدم لزوم أن يكون بتلك الرؤية إدراك لحقيقته تعالى...

فأغلب العلماء على استحالة أن يدرك مخلوق حقيقة الخالق سبحانه وتعالى.

والسلام عليكم...

علي عبد اللطيف
04-03-2010, 12:26
أخي محمد ..

السلام عليكم ..

سؤال لو سمحت ..

هل نرى الله يوم القيامة بنوع كشف في عقولنا أم في عيوننا ؟

وإذا جاز الإثنان فهل ذلك الكشف لبعض ذات الله أم لذاته كلها ؟؟

والسلام عليكم .
سؤالك الثاني هذا يدل على خلل في فهمك للحكم العقلي فنرجو التنبه لذلك...أم أنك تسأل على سبيل الاختبار والمدارسة فإن كان فلا بد من قرينة تدل على ذلك وإلا فالأمر يحتاج إلى التنبه....

علاء حسام داود
08-03-2010, 13:59
نعم أخي علي هو على سبيل المدارسة وبينت ذلك مرارا لأخي محمد ...

أخي محمد ربما يرد عليك راد فيقول لك أن كلامك خطأ بدليل أن زيادة المعلومات تكون بالعقل وهي صفة العلم وهي مختلفة عن صفة البصر التي تكون في العين و لأن الرؤية للذات لا للصفات !!! فتأمل جيدا ...

ولهذا سألت هل هي في العين أم في العقل فلما أجبتني أنها تكون بالعين فهي لا بد أنها تتعلق بالذات لا بالصفات فإن الرؤية للذات بالتحديد لا للصفات فالصفات لا ترى ..


وهذا واضح من قوله تعالى :- ( إلى ربها ناظرة ) ...

ومن قول رسول الله عليه السلام :- ( إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذه الشمس ...)

وزيادة العلم بالشمس لا يسمى رؤية للشمس لأنه في العقل لا في العين ولأن العلم صفة غير البصر ؟؟؟

سامي علي صالح
10-08-2010, 17:42
يرى الخليلي ان قوله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) محمول على الانتظار لان اسناد النظر الى الوجوه لا يفيد رؤية العين في لغة العرب والوارد في لغة العرب ان النظر اذا اسند الى الوجه يفيد الانتظار ( وجوه يوم بدر ناظرات الى الرحمن يأتي بالخلاص ) ( وجوه بها ليل الحجاز على النوى إلى ملك كهف الخلائق ناظرة ) وليس هناك شاهد من لغة العرب اضيف فيه النظر الوجه وأفاد رؤية العين . والتعبير بـ رآه وجهي، الوجوه ترى أو غير ذلك لا يعرفه العرب . وقد حاول بعضهم الجواب عنهم لكن عجزوا عن ذكر شاهد من لغة العرب .

علاء حسام داود
11-08-2010, 21:04
أخي سامي ..

ليس المقام مقام انتظار وارهاق لتلك الوجوه ، ولكن المقام مقام فرح وسرور بلقاء الله تبارك وتعالى .. في مقابل تلك الوجوه التي نالها التعب والهلاك من رؤية النار وملائكة العذاب ..

ثم لما كان هناك وجوه محجوبة عن لقاء الله والنظر لوجهه الكريم ( كلا إنهم عن ربهم لمحجوبون ) ، لزم بالمقابل أن تكرم وجوه المؤمنين بالنظر لوجه الله الكريم ..

ثم الحديث الواضح قاطع الدلالة الذي بلغ حد التواتر والمتمثل ببشرى رسول الله للمؤمنين أنهم سيرون الله تعالى كما يرون الشمس ..

ثم طلب الرسول الكريم موسى من الله تعالى رؤيته في الدنيا وهو الأعلم كليم رب العالمين لتكون كرامة له ومعجزة ..

ثم جزم بعض الصحابة الكرام بأن رسول الله عليه السلام قد رأى الله عز وجل في الدنيا فضلا عن الآخرة ..

ثم ما جاء في العقيدة السلفية الخالصة الطحاوية من أن الرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية .. ولا تكون إلا بترك التأويل ولزوم التسليم .

وهذا غيض من فيض يقطع بثبوت الرؤية لوجه الله الكريم .. بارك الله فيك .

والسلام عليكم .

محمد احمد خنفر
26-02-2012, 20:17
عل الشيخ سعيد ، أو أحد المشايخ يفيدنا بالقسم الثاني من الاستدلال ( الأدلة النقلية ) .

خالد أحمد الحارثي
17-09-2013, 17:27
في الحقيقة أود أن اشكر الاستاذ سعيد على سعة صدرة في متابعة هذه المسألة
ولي عودة بمشيئة الله تعالى في التعقيب على بعض ما ذكره شيخنا سعيد حفظه الله