المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبارات من تفسير الإمام الرازي بحاجة إلى توضيح



احمد سعيد احمد
18-09-2004, 19:42
قرأت عبارات في تفسير الإمام الرازي، ولم أفهمها فأرجو من الأستاذ توضيحها:

في تفسيره لقوله تعالى: (رب العالمين) في سورة الفاتحة، قال: "العالمين عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، وهي على ثلاثة أقسام: المتحيزات، والمفارقات، والصفات، أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات، أما البسائط فهي الأفلاك والكواكب والأمهات، وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة، واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم، بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم ...".

وفي تفسيره لقوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)، قال إن لتحصيل الهداية طريقان، أحدهما: طلب المعرفة بالدليل والحجة، وتقريره: "أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية، ومختلفة في الصفات، وهي الألوان والأمكنة والأحوال، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية، وإلا لزم حصول الاستواء، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصِّص وتدبير مدبر، وذلك المخصِّص إن كان جسماً عاد الكلام فيه، وإن لم يكن جسماً فهو المطلوب، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حياً عالماً قادراً بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء، وإن كان حياً عالماً قادراً فهو المطلوب، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق، ومخبر ناطق، بوجود الإله القادر الحكيم العليم، وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعاً غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل، ويمكن أيضاً اتصافه بصفات غير متناهية على البدل، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم".

وبارك الله فيكم

سعيد فودة
18-09-2004, 23:40
الأخ محب الدين الأزهري، أو الأخ هشام بدر أو الأخ محمد حجازي أو الأخ الفاضل جمال الشرباتي، أو غيرهم من الإخوة الأفاضل أرجو الإجابة على هذا السؤال.

أحمد محمود علي
20-09-2004, 09:55
سوف أكتب ما أقدر عليه إن شاء الله تعالى
مع شدة رهبتي من الإقدام إلا أني أعلم أن الشيخ حفظه الله تعالى
له مقصد من وراء ذلك!!

وأطلب الإمهال حتى أكتب التوضيح الذي أستطيعه
وكذا لا بأس بأن يشاركني الإخوة في كتابة ما لديهم حتى تعم الفائدة.

ولكن سننتظر في النهاية أن يتعقبنا الشيخ العلامة ويزيدنا من فوائده المباركة.

هشام محمد بدر
20-09-2004, 11:18
و من أنا حتى أشرح يا شيخنا ؟!!

عمومًا ، انا أفهم الفقرة الثانية :) ، أما الأولى فليت أحد الأحبة يشرحها :confused:

هشام محمد بدر
20-09-2004, 12:35
بسم الله الرحمن الرحيم

بما إني شخص متسرع هَجوم ولوج في كل جحر ، سأخطو داخل عرين الأسد داعيًا ربي ألا أتعثر في حجر أو يأكلني السبع ;)

يقول الإمام فخر الدين الرازي شيخ الإسلام و حجته على كل ملحد و زنديق و كافر في تقريره لطريق بلوغ الهداية بالحجة و البرهان
. . .
أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية، ومختلفة في الصفات، وهي الألوان والأمكنة والأحوال، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية، وإلا لزم حصول الاستواء، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصِّص وتدبير مدبر، وذلك المخصِّص إن كان جسماً عاد الكلام فيه، وإن لم يكن جسماً فهو المطلوب، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حياً عالماً قادراً بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء، وإن كان حياً عالماً قادراً فهو المطلوب، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق، ومخبر ناطق، بوجود الإله القادر الحكيم العليم
. . .

فنقول بعون الله واجب الوجود :

أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية
أي أن كل الأجسام تشترك في خاصية كون كل منها جسمًا ، و هذا ما لا داعي للبرهان عليه ؛ لأنه ثابت بالحس و المشاهدة و من أنكر يلزمه الدليل .

ومختلفة في الصفات، وهي الألوان والأمكنة والأحوال
أي أن وجه الاختلاف بين هذه الأجسام هو ما اختص به كل منها من صفات تجعله مختلفًا عن الجسم الاخر في الشكل و اللون بل و المكان أيضًا . فلا يوجد جسمان مشتركان في نفس المكان ، بل يختص كل جسم في الوجود بمكان لا يشاركه فيه غيره .

ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية، وإلا لزم حصول الاستواء
أي أن اتصاف الأجسام بهذه الصفات لا يمكن أن يرجع لكونها أجسامًا ، فهي كلها متساوية في الجسمية . و ماهية الجسمية هي شئ تتصف به كل الأجسام و لا فرق بينها في ماهية الجسمية .
إذن فاتصافها بهذه الصفات يعود لشئ آخر غير الجسمية و إلا كانت الأجسام كلها متساوية في الصفات و متماثلة بلا فرق بين بعضها البعض .

فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصِّص وتدبير مدبر
أي يجب أن يكون العامل الذي خصّ كل جسم بصفاته المميزة له عن غيره خارج الأجسام و ليس عاملاً ذاتيًا فيها .

وذلك المخصِّص إن كان جسماً عاد الكلام فيه، وإن لم يكن جسماً فهو المطلوب
أي أن هذا العامل الذي خصّ كل جسم بصفاته إن كان جسمًا مثل باقي الأجسام ، سألنا من الذي خصه بصفاته التي تميزه عن باقي الأجسام . لذا وجب ألا يكون جسمًا .

ثم ذلك الموجود إن لم يكن حياً عالماً قادراً بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء، وإن كان حياً عالماً قادراً فهو المطلوب
و تأثير الفيض قد قال به الفلاسفة أمثال ابن سينا و الفارابي ، و أقرب شرح له هو الأرض التي تسقى بماء واحد فتخرج أثمار مختلفة في اللون و الطعم . فالمؤثر هنا هو الماء الذي اختلفت استجابة النباتات له فاختلفت الثمار رغم أن الماء واحد .

و هنا يرد الإمام الحجة الفخر على هذا المفهوم بأنه قد تقرر لدينا كون الأجسام متماثلة في ماهية الجسمية و ليست مختلفة كما في المثال أعلاه . فإن كان العامل الذي يخص كل جسم بصفاته يقوم بذلك التخصيص عن طريق الفيض بمؤثر واحد لزم أن تكون النتيجة واحدة و أن تكون جميع الأجسام متماثلة ، و هذا خلاف المشاهدة .

إذن وجب أن يكون المخصص متصفًا بالعلم و القدرة حتى يمنح لكل جسم صفات تميزه عن الآخر حسب علمه و إرادته ، و ليس أنه يرسل مؤثرًا واحدًا تختلف استجابة الأجسام له فيصير هذا الجسم أخضر و هذا أصفر بلا مسوغ إلا ماهية الجسمية التي تتساوى فيها كل الأجسام !!

إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق، ومخبر ناطق، بوجود الإله القادر الحكيم العليم
لا تحتاج لشرح :cool:

يتبع غدًا أو بعد غد إن شاء الله
و يستطيع الأخوة التعليق و التصحيح - إن لزم - دون انتظار بقية كلامي

أحمد محمود علي
22-09-2004, 15:22
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه..
أما بعد.. فهذا الجواب على الشطر الأول على قدر الاستطاعة، وعلى شيخنا الحبيب أبي الفداء التصحيح والتعقيب والإفادة، جعلنا الله وإياه من أهل الحسنى وزيادة!

إجابة الشطر الأول من السؤال:-

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:
" العالمين عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، وهي على ثلاثة أقسام: المتحيزات، والمفارقات، والصفات "
يوضح الإمام هنا المراد بلفظ العالمين فإذا به مرادف للعالم في مدلوله، فالعالم أيضا هو كل موجود سوى الله تعالى..
قال الشريف الجرجاني في تعريفاته:
( العالم لغة: عبارة عما يعلم به الشيء، واصطلاحا: عبارة عن كل ما سوى الله من الموجودات لأنه يعلم به الله من حيث أسماؤه وصفاته.)

و لما تبين المعنى المقصود من لفظ العالمين شرع في بيان مصاديق هذا المعنى في الخارج، فذكر أن الموجودات الحادثة على ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تكون قائمة بنفسها وإما لا، والثاني الصفات.
والقائمة بنفسها إما أن تكون بحيث يمكن أن يشار إليها إشارة حسية بأنها ههنا أو هناك ؛ وإما لا، الأول المتحيزات والثاني المفارقات (أي المفارقات للحيز فهي لامتحيزات).
واعلم أن الحصر في هذه الأقسام حصر عقلي لا استقرائي، لأن الموجود إما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز أو لا متحيزا ولا حالا في المتحيز.
واعلم أن الصفة تابعة للموصوف فإن كان متحيزا كانت متحيزة بالتبعية، وإلا فلا.

* * *

قوله: " أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات، أما البسائط فهي الأفلاك والكواكب والأمهات، وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة ".
شرع في الكلام على القسم الأول من أقسام الموجودات وهي المتحيزات..
فحصرها في قسمين البسائط والمركبات، وذلك لأن المتحيز إما أن يكون قابلا للقسمة وإما لا، الأول المركب كالجسم، والثاني البسيط كالجوهر الفرد.
والقابلية المقصودة هي القابلية بالقوة لا بالفعل، فإننا ربما وجدنا مركبا لا نستطيع تقسيمه لفقدنا لآلة التقسيم إلا أنه يمكن تقسيمه عقلا وخارجا إذا وجدت الآلة المناسبة.

ولكن الذي يبدو لي أن الإمام لم يقصد هذا التقسيم الحقيقي، بل قصد التقسيم العرفي..
أعني البسيط العرفي والمركب العرفي، وقد عرّف الشريف الجرجاني البسيط العرفي بقوله:
(( هو مالا يكون مركبا من الأجسام المختلفة الطبائع )).

فعلى هذا فإن الإمام قد ذكر البسائط الثابتة في الخارج بالاستقراء والتتبع، فقال هي الأفلاك والكواكب والأمهات. وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة.
ولنا أن نقف هنا قليلا لبيان هذه المذكورات وتوضيحها.
( الأفلاك – الكواكب – الأمهات )------> بسائط.
( المواليد الثلاثة )-------> مركبات.


أما الأفلاك:
فجمع فلك، (وهو جسم كرّي يحيط به سطحان ظاهري وباطني وهما متوازيان مركزهما واحد).

وأما الكواكب:
(فهي أجسام بسيطة مركوزة في الأفلاك كالفص في الخاتم مضيئة بذواتها إلا القمر).

وأما الأمهات:
فهي العناصر التي يتركب منها المواليد الثلاثة، (ويقال لها باعتبار أنها أجزاء المركبات أركان إذ ركن الشيء هو جزؤه، وباعتبار أنها أصول لما يتألف منها اسطقسات وعناصر لأن الاسطقس هو الأصل بلغة اليونان وكذا العنصر بلغة العرب إلا أن إطلاق الاسطقسات عليها باعتبار أن المركبات تتألف منها، وإطلاق العناصر باعتبار أنها تنحل إليها).

واعلم بأن العناصر أربعة وهي : الماء والأرض والهواء والنار.
وهي التي تسمى الاسطقسات (لأنها أصول المركبات التي هي الحيوانات والنباتات والمعادن).

وأما المواليد الثلاثة:
فمن الظاهر أن المقصود بالمواليد الثلاثة المركبات التي هي الحيوانات والنباتات والمعادن.

قوله: "وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة، واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة ".
الذي يظهر لي أيضا أنه قصد بالجسم هنا المركب العرفي، الذي فيه تأليف من أجزاء مختلفة الطبائع.
ولم يقصد بالجسم المركب الحقيقي الذي يصدق على ما يكون مؤلفا من أجزاء متفقة الطبائع.
وهنا يوضح لنا الإمام أن حصر المركبات في المواليد الثلاثة هو حصر استقرائي، يجيز العقل وجود أفراد أخرى غير المعروفه، إلا أنها لم تقع في حيز الوجدان بالنسبة لنا، ولكن عدم الوجدان لا يقتضي عدم الوجود، فالحصر المذكور ظني لا يفيد القطع (وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له) فربما وجد فيها مركبات غير المواليد الثلاثة ولم يحصل لنا العلم بها، (و) قد (ثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات) ومنها إيجاد مركبات أخرى غير المواليد الثلاثة (فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم، بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم) أفيعجزه بعد كل هذا أن يوجد مخلوقات ومركبات غير التي نعرفها ؟! سبحانه وتعالى وتنزه عن كل عجز ونقص، فهو الله الواحد الأحد واجب الوجود الفرد الصمد، القادر المقتدر الذي لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن إرادته شيء، فليس يحدث في كونه إلا ما أراد، سبحانه وتعالى نعبده ونحمده ونطمع في رضاه، كان ولا مكان ولا زمان ولا أفلاك ولا كواكب ولا عناصر ولا مركبات...

{ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }..

أحمد محمود علي
22-09-2004, 16:13
رسم توضيحي للتفريق بين الأفلاك والكواكب..

احمد سعيد احمد
23-09-2004, 13:11
الاخوة هشام ومحب الدين بارك الله فيكم على اجايتكم ونفع بكم وزادكم علماً، ونحن بانتظار الاستاذ للتعليق على ما تفضلتم به.
وجزاكم الله خيراً.

جمال حسني الشرباتي
23-09-2004, 18:50
أحمد

لقد طلب منهم الشيخ اجابة فاجتهدوا واجابوا


ثم اراك لا تأبه لاجابتهم وتطلب اجابة الشيخ


وأنا لا ارى غضاضة في ذلك


ولكن الاثنان أجابا بعد بحث ونظر


وكان يمكن لك ان تناقش الاجابتين


لا ان تعاملهما وكأن شيئا لم يكن

احمد سعيد احمد
23-09-2004, 20:14
الاخ جمال ..
السلام عليكم

من قال لك بأني لا آبه لإجابة الأخين الفاضلين، فأنا شكرتهما ولم أتجاهل ما بذلاه من جهد، ولم اعاملهما وكأن شيئاً لم يكن، ولكن كما قلتَ أنتَ فإن الأمر اجتهاد، والاجتهاد يحتاج لمن يقيمه ويقومه، وقد فتح الأخان المجال للتصحيح والتقويم برحابة صدر وبكل تواضع علمي، فلا تتضايق انت:D.

ولا تنس اني وجهت السؤال ابتداءً للأستاذ؛ وذلك لرغبتي بإجابة منه شخصياً. .

جمال حسني الشرباتي
23-09-2004, 20:42
اذن عليك من البداية


ان تحدد ان السؤال للشيخ سعيد فقط

محمد صادق الحجازي
24-09-2004, 01:21
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى
وبعد :
فلقد وفى الأخوة بتوضيح المقال إلا أنني أحببت أن أؤكد على ما قالا وأنقل من كلام الرازي ما يؤيد ذلك مع بعض الملاحظات و أنتظر في ذلك نظر المشايخ الفضلاء .
أقول :
قال الامام الرازي في الأربعين في أصول الدين (1\15) : ( المقدمة الأولى في حقيقة العالم
قال المتكلمون : العالم كل موجود سوى الله تعالى والموجود على قسمين الذي تكون حقيقته من حيث هي هي غير قابلة للعدم البتة وهو الواجب الوجود وهو الله وأما الذي تكون حقيقته من حيث هي هي قابلة للعدم فهو المسمى بممكن الوجود لذاته وهو بحسب القسمة العقلية على ثلاثة أقسام : المتحيز والحال في المتحيز والذي لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز .
أما القسم الأول وهو المتحيز فاعلم أن المراد منه ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية بأنه هنا أو هناك وهو إما أن يكون قابلا للقسمة وأما أن لا يكون الأول الجسم والثاني الجوهر الفرد .
والقسم الثاني وهو الذي يكون حالاً في المتحيز فذلك الحال يسمى بالعرض ثم هو قسمان أحدهما الذي يمكن قيامه بغير الحي ( كالأكوان ) والثاني الذي لا يمكن قيامه بغير الحي .
وأما القسم الثالث فهو الشيء الذي لا يكون متحيزا ولا قائماً بالمتحيز وجمهور الفلاسفة على إثباته وجمهور المتكلمين على إنكاره .) بتصرف واختصار
ومن هنا نرى الإمام يقسم الموجود الممكن إلى ثلاثة أقسام وهي المتحيزات والأعراض وهي التي عبر عنها في تفسيره بالصفات ثم القسم الثالث هو المفارقات وهي التي لا تكون متحيزة ولا حالة في المتحيز كالعقول والنفوس المجردة على رأي الفلاسفة وأنكرها المتكلمون لعدم ما يدل عليها في الوجود .
ثم بدأ يقسم المتحيز وهو الجسم ( لا الجوهر الفرد ) إلى قسمين : البسائط والمركبات
والبسيط له أربعة اصطلاحات انبنت على المعرفة العلمية السائدة آنذاك :
1ـ ما جزؤه المقداري بحسب الحقيقة مساو لكله في الحد و الاسم كالماء فإن كل جزء مقدر منه يساوي في حقيقته لأي نسبة منه .
2ـ ما جزؤه المقداري بحسب الحس مساو له في الحد والاسم فيشمل الأعضاء المتشابهة كاللحم والعظم .
3ـ الذي لا يتركب بحسب الحقيقة من أجسام مختلفة الطبائع , فيشمل العناصر الأربعة والفلك
4ـ ما لا يتركب بحسب الحس من أجسام مختلفة الطبائع فيتناول الكل مما يمكن تقسيمه وما لا يمكن . ( انظر شرح المواقف الموقف الرابع المرصد الأول الفصل الثاني مقدمة في تركيبة الجسم ( 7\70 )
والذي قصده الإمام هو التعريف الثالث وهو الذي وقع النزاع فيه كما ذكر السيد في شرحه على المواقف ( 7\6) ثم إنه ادخل في البسيط مع العناصر الأفلاك ولا يتأتى دخولها على غير هذا التعريف ومن أراد الزيادة فعليه بالشرح المذكور آنفا والله أعلم
ثم أشار الإمام إلى انقسام الجسم البسيط إلى قسمين فلكي وعنصري والفلكي هو الأفلاك والكواكب والعنصري هو العناصر الأربعة الماء والهواء والنار والتراب والتي ساد عند الحكماء منذ عهد الفيلسوف أمبيدوكلس (483-430 ق.م.) أنها أصل الكون .
وقد عرف الاستاذ محب الدين هذه المصطلحات تعريفا وافيا ومنه تعلم أنهم وبحسب إمكانيات الرؤية الحاصلة لهم قد قسموا السماء إلى أفلاك وكواكب أما الأفلاك فهي عندهم تسعة وتسمى بالأفلاك الكلية وأما ما يكون في ضمنها من أفلاك جزئية فهي أربعة وعشرون فلكاً وأما الكواكب فهي مركوزة في الأفلاك تابعة لها في الحركة . وهو تصور بسيط عن التوابع والكويكبات لعدم وجود ما يساعد على تمييزها .
وأما المركبات فتشمل المواليد الثلاثة قال الامام الرازي عند تفسير قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } : ( ثم يضم إليها آثار حكم الله تعالى في تخليق الأمهات والمولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات وأصناف أقسامها وأحوالها ـ علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقل ... )
وقال العلامة الكفوي في حاشيته على المولى عصام ( صـ109) : ( المواليد أي الحيوان والنبات والمعادن )
وهذه عندهم مركبة من العناصر الأربعة السابقة بمعنى أنه بالتحليل أو التركيب من هذه الاربعة تنتج هذه الثلاثة المركبات وهذا الزعم قد رده بعض المتكلمين كما أشار إلى ذلك عضد الملة والدين في مواقفه .

ثم قال الإمام : ( واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم، / بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم، ويحصل في كل واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسموات والأرضين والشمس والقمر، ودلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدمات واهية )
وهاهنا مسألتان :
الأولى : قوله (واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة،) الذي يظهر لي أنه عنى بالأقسام الثلاثة قسم المتحيز الفلكي وهو الكواكب والأفلاك والقسم العنصري وهو العناصر الأربعة وقسم المركبات وهو المواليد وإنما قلت ذلك لعدم قيام الدليل على امتناع الكل ولأنه مهد بذلك للقول بجواز أن يخلق الله ألف عالم فيه من الأجرام السفلية والعلوية ولذا ذكر العرش والكرسي والسموات والأرضين والشمس والقمر ثم قال ( ومعلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل ) فكان في ذلك إشارة إلى أنه أراد أقسام الجسم والله أعلم
الثانية : قوله (وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له )
ولا بد من معرفة الخلاء المقصود هنا ففي التعريفات للجرجاني ( 1\135) :
( والخلاء الفضاء الموهوم عند المتكلمين أي الفضاء الذي يثبته الوهم ويدركه من الجسم المحيط بجسم آخر كالفضاء المشغول بالماء والهواء في داخل الكوز الموهوم هو الشيء الذي من شأنه أن يحصل فيه الجسم وأن يكون ظرفا له عندهم وبهذا الاعتبار يجعلونه حيزا للجسم وباعتبار فراغه عن شغل الجسم إياه يجعلونه خلاء )
وعرفه الرازي فقال : ( معنى الخلاء هو أن يوجد جسمان لا يتماسا ولا يوجد بينهما ما يماسانه )
ويطلق الخلاء بمعنى عدم الملاء فيكون عدما صرفا كما أشار إليه الآمدي في الأبكار ( 2\396)

وعليه فإن الخلاء في عبارة الإمام يقصد به البعد الموهوم الممتد في الجهات الصالح لأن يشغله جسم ثالث لكنه الآن خال عن الشاغل ويكون داخل العالم مفروض قطعا لوجود الأجسام وخارجه مفروض وهما أي على تقدير وجودها ولكنه في حقيقته عدم محض وهذا رأي الحكماء أيضاً إلا أنهم أبوا تسمية ذلك بعداً أو خلاء ولهذا أشار السيد في شرحه على المواقف أن الخلاف في الخلاء خارج العالم في التسمية فقط .
وبهذا يتضح أن قول الإمام إن الخلاء لا نهاية له أي أن ذلك التقدير الحاصل ليس له نهاية إذ يمكن أن يقدر الوهم خلاءات كثيرة غير متناهية مع فرض وجود أجسام مختلفة غير متناهية . والله أعلم
وأما مسألة وجود عالم غير هذا العالم فقد جوزها المتكلمون وإليه الإشارة في قوله تعالى { أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } وفي قوله تعالى {ويخلق ما لا تعلمون} وقال الفلاسفة لا عالم غير هذا العالم ومما استندوا عليه امتناع الخلاء قالوا لو كان وراء كرة العالم كرة أخرى لكان بينهما خلاء وهو ممتنع أو ملاء وهو محال إذ يؤدي إلى وجود أحياز طبيعية للعنصر الواحد وانظر لإبطال هذه الشبهة شرح المواقف ( 7\250) وأبكار الأفكار (2\359
ملاحظات :
1ـ ما تقدم عن الإمام من تقسيمات هو راجع إلى الحصيلة المعرفية عن الكون والناتج عن تفكر وتأمل بحسب الإمكان ومعطيات ذلك الزمان ولعل بعض المعاصرين ينسبون هؤلاء الجهابذة للسطحية والجهل وينسون أو يتناسون أن هذه العلوم المعرفية الحاصلة اليوم بنيت على تلك المعارف السابقة فإن المعروف أن المعرقة التجريبية مسارها تراكمي أي بناء الآتي على ما سبق من تجارب والفرق العظيم بين علماء الإسلام وهؤلاء المعاصرين أن اؤلئك كان لهم قصب السبق في صنع هذه الحضارة المعرفية التي يرتع فيها أبناء اليوم فهذا ابن سينا والرازي والفارابي وابن الهيثم وابن حيان وغيرهم كثير كانت كتبهم ومقالاتهم وتجاربهم تدرس في مدارس الغرب بعد أن تنكب لها العالم الإسلامي وإذا كان الرازي قد ذكر أشهر ما وصل إليه العلم في عصره وشارك هو وغيره من أبناء الأمة في تحقيقه فذلك فخر له وإنما العيب على من بلغ العلم في عصره هذا المدى وليس له فيه بعير ولا قطمير. كما أن حال الامام الرازي وغيره من فطاحلة العلم يصيح في علماء اليوم ليسيروا على نهجهم ويقيموا الدلائل العقلية والنقلية المبنية على العمق المعرفي الحاصل اليوم فرحم الله علماء الأمة ما أعظمهم وأخدمهم لدينهم والله أعلم
2ـ قد أثبت العلم الحديث بالمراصد المتطورة أن الفضاء الخارجي مليء بالأجرام السماوية مجموعة في مجرات هائلة لا يعرف لها عد وأن هناك نجوم وكواكب بالملايين وأن بعض النجوم أكبر من الشمس أضعاف المرات وأن كرتنا الأرضية بالنسبة للمجرة كبيضة وأن هذا الكون في اتساع وأن هناك نجوم تولد وأخرى تموت فسبحان الخالق العظيم وتعالى عن قول المشبهين والملحدين .
3ـ قد تقدم قول العلماء فيما هو خارج العالم من خلاء وأما ابن تيمية فمعبوده خارج العالم ومحيط به ولو وقع حبل خارج الكون والذي يتصوره كروي لوقع على معبوده وعليه فلا أدري هل يجوز أن يخلق الله عالم أخر وأين سيكون في معبوده أم خارجه ؟!!!!! فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا .

أحمد محمود علي
24-09-2004, 14:29
سامحك الله يا أخي الفاضل ..!

ولماذا تأخرت يا أخي حتى تكلم مثلي في هذه الأمور ؟
ولكن أرجو أن تلتمسوا لي العذر في تسرعي، فلقد كان الدافع لي على كتابة الجواب شيئين:
1- طلب الشيخ العلامة حفظه الله تعالى والذي تأخرنا جميعا في تلبيته فخشيت أن يكون في ذلك إساءة للأدب مع الشيخ أن ينادينا بالأسماء ولا يلبيه أحد منا، وحاشا لله أن نفعل ذلك مع شيخنا الحبيب.

2- ثم إني اعتبرت الأمر تدريبا وتمرينا من الشيخ للطلاب -وأعتقد قطعا أنه في الحقيقة كذلك- فتجرأت، وصراحة قد استفدت واطلعت على مسائل لم أكن مطلعا عليها.. فجزى الله تعالى عني الشيخ كل خير.

ولكني أيضا عاتب عليك أيها الفاضل، فإنك لو كتبت الجواب أولا لأرحت القرّاء مما سوّدتُ به هذه الصفحة الناصعة المشرقة، ولوفرت عليهم أن ينخدعوا بأمثالي كما انخدعت أنت فسميتني أستاذا في حين أنني أقل من ذلك بكثير، فلو تفحصت كل مشاركاتي لوجدتها لا تخلو من أخطاء ومواضع عديدة للنقد، فوالله لا أقول هذا تواضعا بل إنني مكاني الحقيقي في صف القرّاء والمستفسرين لا أكثر.

وانظر يا أخي كيف يمكنك أن تحطم مشاعر طالب علم صغير بكلمات بسيطة جدا في نظرك ربما تعتبرها مجاملة وتطييب خاطر، فتقول:
" وقد عرف الاستاذ محب الدين هذه المصطلحات تعريفا وافيا ".
لا يا أخي لست أستاذا ولا شيء، ولم أعرّف شيئا، فكل ما كان في كلامي بين قوسين ( ) ليس لي فيه سوى النقل، إلا ثلاثة مواضع منها قولي: المفارقات (أي المفارقات للحيز فهي لامتحيزات).
أما تعريف الفلك والكوكب والأمهات فكل ما كان بين الأقواس فمن كلام الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى في التعريفات.

هذا وأخيرا أشكر لك ما بذلته من جهد في إجابتك وتوضيحك وملاحظاتك الهامة، بارك الله تعالى فيك وأكثر في أهل المنتدى من أمثالك.
وأتمنى أن تتحفنا بعد ذلك بكتابة الموضوعات والمشاركات والمناقشات فأنت على ما أرى أهل لذلك، فلما التأخر عن إفادة إخوانك الطلاب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد صادق الحجازي
26-09-2004, 06:43
الأخ الفاضل والاستاذ المناضل عن عقائد أهل التنزيه و التوحيد .
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

ها نحن نتعلم من حالك كما كنا ولا نزال نتعلم من مقالك فحلاك الله بكل خلق سني ووقاك كل خلق دني .
إعلم سيدي أن العلم الحقيقي هو ما يكسبك خشية من الله تعالى وكم رأينا من اناس أخذوا من العلم بنصيب وافر وما ازدادوا من الله إلا بعدا ومن النار إلا قربا فشمخوا بانف الكبر وفرحوا بما أوتوا فاتى الله بنيانهم من القواعد فاصبحت كالصريم وقانا الله تعالى وإياك من تلك الحال ورزقنا السير على نهج الكمل من الرجال .
وما أبديتَه استاذي الفاضل هو محض تواضع منكم وأدب عزيز نفتقده في طلاب العلم خاصة وغيرهم عامة فاسألُ الله أن يديم عليكم هذه النعمة التي هي فضل الله يؤتيه من يشاء .
واعلم أخي أنني أستفدت منك ممن يشارك في هذا المنتدى المبارك ما لم أستفده من أحد غيرك سوى سيدنا العلامة سعيد وتلميذه العلامة بلال والاستاذ الجلال وجميع مشايخ المنتدى الأصيلين فيه .
واعلم أخي أنني دخيل على هذه العلوم وما كتبت من شيء فإنما أرجو تقويمه من خلال نظر المشايخ الأجلاء ونظر أمثالكم من الطلبة النبهاء .
واخيرا أقول ما قاله العارف بالله الحداد :
هذا الذي تأتينه يا نفس عجب # عقل وعلم ولا نسك ولا أدب
وصف النفاق كما في النص نسمعه #علم اللسان وجهل القلب والسبب
حب المتاع وحب الجاه فانتبهي # من قبل تطوى عليك الصحف والكتب
وتسكنين بقبر لا أنيس به # الأهل والمال لما استودعوا ذهبوا

هشام محمد بدر
22-10-2004, 23:41
أحببت فقط أن أنصح الأخ أحمد سعيد صاحب السؤال بأن يبدا دراسة التفسير من كتاب سهل لطالب العلم المبتدئ مثل تفسير الجلالين .. أما تفسير الإمام الفخر فهو صعب عميق غويص لمن تمرس في كتب أهل العلم ، فما بالك بالمبتدئين ؟

و أوصي نفسي و إياك يا اخي بالإكثار من الصلاة و قيام الليل و قراءة القرآن في هذه الأيام المباركة .

تقبل الله أعمالنا و أعمالكم .