المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل هذا كلام لوالد الجويني



جمال حسني الشرباتي
17-09-2004, 08:33
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سي‍ّدنا محمد

الحمد لله الذي كان ولا مكان, ولا إنس ولا جان, ولا طائر ولا حيوان. المنفرد بوحدانيّته في قدم أزليّته, والدائم في فردانيّته في قدس صمدانيّته, ليس له سميّ ولا وزير, ولا شبيه ولا نظير, المتفرّد بالخلق والتّصوير, المتصرّف بالمشيئة والتّقدير, ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) له الرفعة والعلاء, والحمد والثناء, والعلو والإستواء, لا تحصره الأجسام ولا تصوّره الأوهام, ولا تقلّه الحوادث ولا الأجرام, ولا تحيط به العقول ولا الأفهام, له الأسماء الحسنى, الشرف الأتمّ الأسنى, والدوام الذي لا يبيد ولا يفنى, نَصِِفـُه بما وصف به نفسه من الصفات التي توجب عظمته وقدسه, مما أنزله في كتابه, وبيـّنه رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابه, ونؤمن بأنّه الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم, السميع البصير, العليم القدير, الرحمن الرحيم, الملك القدوس العظيم, لطيف خبير, قريب مجيب, متكلّم شاء مريد, فعّال لما يريد, يقبض ويـبسط, ويرضى ويغضب, ويحب ويبغض, ويكره ويضحك, ويأمر وينهى, ذو الوجه الكريم, والسمع السميع, والبصر البصير, والكلام المبين, اليدين والقبضتين, والقدرة والسلطان, العظمة والإمتنان, لم يزل كذلك ولا يزال, استوى على عرشه فبان(1) من خلقه, لا يخفى عليه منهم خافية, علمه بهم محيط, وبصره يهم نافذ, وهو في ذاته وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته, ولا يمثل بشيء من جوارح مبتدعاته, هي صفات لائقة بجلاله وعظمته لا تتخيّل كيفيتها الظنون, ولا تراها في الدنيا العيون. بل نؤمن بحقائقها وثبوتها واتصاف الرّب تعلى بها, وننفي عنها تأويل المتأوّلين, وتعطيل الجاحدين, وتمثيل المشبّهين, تبارك الله أحسن الخالقين.

فبهذا الربّ نؤمن, وإياه نعبد, وله نصلـّي ونسجد, فمن قصد بعبادته إلى إله ليست له هذه الصفات, فإنّما يعبد غير الله, وليس معبوده ذلك بإله, فكفرانه لا غفرانه.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدا ً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله اصطفاه لرسالته واختاره لبريّته, وأنزله عليه كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أكرم الآل وأفضل العبيد.

وبعد فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والرفاء, لما تعين عليّ من محبّتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله عزّ وجلّ, فإن المرء لا يكمل إيمانه حتّى يحب لأخيه ما يحبّه لنفسه. وفي الصحيح عن جرير بن عبدالله البجلي قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والنّصح لكل مسلم(2) . وعن تميم الداري أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ( الدّين النصيحة) ثلاثا(3) . أعرّفهم, أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده, أنني كنت برهة من الدّهر متحيّرا ً في ثلاث مسائل: مسألة الصفات, ومسألة الفوقية, ومسألة الحرف والصّوت في القرآن المجيد. وكنت متحيّرا ً في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها,

أو إمرارها والوقوف فيها, أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. فأجد النّصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ناطقة ً منبّئة بحقائق هذه الصفات, وكذلك في إثبات العلوّ والفوقيّة, وكذلك في الحرف والصّوت. ثم أجد المتأخرين من المتكلّمين في كتبهم منهم من يؤول الإستواء بالقهر والإستيلاء, ويؤول النزول بنزول الأمر, ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين, ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم, وأمثال ذلك. ثمّ أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائما ً بالذّات بلا حرف ولا صوت, ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.

وممن ذهب إلى هذه الأقوال وبعضها قوم لهم في صدري منزلة ً, مثل طائفة من فقهاء الأشعريّة الشافعيّين لأنّي على مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه عرفت فرائض ديني وأحكامه. فـأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجِلّة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التّام لفضلهم وعلمهم. ثمّ إنّني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئنّ قلبي إليها, وأجد الكدر والظلمة منها, وأجد ضيق الصّدر وعدم انشراحه مقرونا ُ بها, فكنت كالمتحيّر المضطرب في تحيّره, المتململ من قلبه في تقلّبه وتغيّره.

وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والإستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه, ومع ذلك فإذا طالعت النّصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أجدها نصوصا ً تشير إلى حقائق هذه المعاني, وأجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرّح بها مخبراً عن ربّه واصفا ً له بها,وأعلم بالإضطرار أنه صلى الله عليه وسلم كان يحضر في مجلسه الشريف, العالم والجاهل, والذكيّ والبليد, والأعرابيّ والجافي, فمّ لا أجد شيئا ً يعقب تلك النّصوص التي كان يصف ربّه بها, لا نصّا ً, ولا ظاهرا ً مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلّمين, مثل تأويلهم الإستواء بالاستيلاء. ونزول الأمر للنزول وغير ذلك, ولم أجد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربّه من الفوقيّة اليدين وغيرهها, ولم ينقل عنه مقالة تدلّ على أنّ لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل فوقيّة المرئيّة(1) ويد النّعمة والقدرة وغير ذلك. وأجد الله عزّ وجلّ يقول: (لرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(طـه:5)(يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(النحل:50) (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)(فاطر: الآية 10)
(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ(16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)(الملك: 16 ــ 17)(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَبِّكَ)ْ (النحل: من الآية102) (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً)(غافر: من الآية37) وقوله تعالى : (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ(3)تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)(المعارج:4) الآية.

ثم أجد الرسول صلى الله عليه وسلم لمّا أراد الله تعالى أن يخصّه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتّى كان قاب قوسين أو أدنى ثمّ قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للجارية: ( أين الله ) ؟ فقالت : في السماء, فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه كيلا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه, بل أقرّها وقال: ( أعتقها فإنّها مؤمنة)(2) وفي حديث جبير بن مطعم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنّ الله فوقَ عرشه فوق سماواته, وسماواته فوق أرضه)


____ التوقيع ___

جمال حسني الشرباتي
17-09-2004, 08:34
وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبّة(1). وقوله صلى الله عليه وسلم: ( الرّاحمون يرحمهم الرحمن, ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السّماء)(2). أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.

وعن معاوية بن الحكم السّلمي قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها قال: ( ادعها ) فدعوتها. قال: فقال: لها ( أين الله ) ؟ قالت: في السماء قال: ( من أنا ) ؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أعتقها فإنّها مؤمنة) رواه مسلم ومالك في موطئه.

وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من اشتكى منكم شيئا ً أو اشتكى أخِ ٌُ لهو فليقل : ربّنا الذي في السّماء تـقدّس اسمك, أرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء, اغفر لنا حوبنا وخطايانا, أنت ربّ الطيّبين, أنزل رحمة ً من رحمتك, وشفاء ً من شفائك على هذا الوجع فيبرأ)(3) أخرجه أبو داود.

وعن أبي سعيد الخدريّ قال: بعث عليّ من اليمن بذهبية في أديم مقروظ(4) لم تحصل من ترابها(5) فقسّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة: زيد الخير, والأقرع بن حابس, وعيينة بن حصن, وعلقمة بن علاثـة أو عامر بن الطفيل, شكّ عمارة, فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم(6) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء, يأتيني خبر السّماء صباحا ً ومساء ً)(7) أخرجه البخاري ومسلم.

وعن أبن أبي ذئب محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الميت تحضره الملائكة, فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطّيّبة, كانت في الجسد الطّيّب, اخرجي حميدة ً وأبشري برَوح ٍ وريحان وربّ غير غضبان. فلا يزال يُقال لها ذلك حتى تخرج, ثمّ يعرج بها إلى السماء فيُستفتح لها فيقال: من هذا فيقول: فلان. فيقولون: مرحبا ً بالنّفس الطّيّبة كانت في الجسد الطّيّب ادخلي حميدة ً وأبشري بروح وريحان وربّ غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتّى تنتهي إلى السماء التي فيها الله عزّ وجلّ)(8) الحديث.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو
امرأته إلى فراشه, فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتّى يرضى عنها)(9).
أخرجه البخاري ومسلم.


قال أبو داود حدّثنا محمد بن الصباح, حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سمّا ك عن عبدالله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبدالمطّلب قال: كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمرّت بهم سحابة, فنظر إليها فقال: (ما تسمّون هذه) ؟ قالوا: السّحاب. قال: ( المزن) ؟ قالوا: والمزن. قال: (والعنان) ؟ قالوا: والعنان. قال: (هل تدرون مابُعد ما بين السماء والأرض) ؟ قالوا: لا ندري. قال: ( إن بعد ما بينهما إمّا واحدة وإمّا اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة, ثم السماء فوق ذلك) حتّى عدّ سبع سماوات ( ثم فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء, ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء, ثم الله عز وجل فوق ذلك)(1) . قال الإمام الحافظ عبدالغني في عقيدته لما ذكر حديث الأوعال قال: رواه أبو داود والترمذي, وابن ماجه وقال: حديث الروح رواه أحمد والدارقطني.
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنّ الله كتب كتابا ً قبل أن يخلق الخلق: إنّ رحمتي سبقت غضبي, فهو عنده فوق العرش)(2) أخرجه البخاري ومسلم.

روى محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب بن مالك أن سعد بن معاذ لما حكم في قريظة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لقد حكمت حكما ً, حكم الله به من فوق سبع أرقعة)(3) .

وحديث المعراج عن أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به وساق الحديث إلى أن قال: ( ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم, فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟, قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة, وإنّي قد خبرتُ الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة, فارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمّتك. قال: فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرا ً)
خمس مرات في كل مرة يقول: ( فرجعت إلى موسى ثمّ رجعت إلى ربي)(4) أخرجه البخاري ومسلم.
وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل, وملائكة بالنهار, ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاةِ العصر, ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي)؟(5) متفق عليه.
وعن ابن عمر قال: لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه أبوبكر رضي الله عنه, فأكب عليه وقبّل جبهته وقال: ( بأبي أنت وأمي طبت حيّاً وميتاً). وقال: ( من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)(6)

حدوثنا وتسفّلنا هو فوقنا(1) , فإذا أشرنا إليه تقع الإشارة عليه, كما يليق به لا كما نتوهمه في الفوقية المنسوبة إلى الأجسام, لكننا نعلمها من جهة الإجمال والثبوت لا من جهة التمثيل والتكييف, والله الموفق للصواب.

ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس له إلا جهتا العلو والسفل, ثم اعتقد بينونة(2) خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة أن يكون فوقه, لأن جميع جهات العالم فوق, وليس السفل إلا المركز وهو الوسط.

جمال حسني الشرباتي
17-09-2004, 08:35
*فصل


إذا علمنا هذا واعتقدناه تخلّصنا من شبه التأويل, وعماوة التعطيل, وحماقة التشبيه والتمثيل, وأثبتنا علو ربنا سبحانه وفوقيّته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته. والحق واضح في ذلك والصدور تنشرح له, فإنّ التحريف تأباه العقول الصحيحة, مثل تحريف الإستواء بالإستيلاء وغيره, والوقوف في ذلك جهل وعي(3), مع كون أن الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الأوصاف لنعرفه بها, فوقوفنا عن إثباتها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها, فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك, وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة, فمن وفّقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعلى.


*فصل


والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أولوا الإستواء بالإستيلاء, والنزول بنزول الأمر, واليدين بالنعمتين والقدرتين, هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى إلا بما يليق بالمخلوقين, فما فهموا عن الله استواء يليق به, ولا نزولاً يليق به, ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطّلوا ما صف الله تعالى نفسه به, ونذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة, والسمع, والبصر, والعلم, والقدرة, والإرادة, والكلام لله, ونحن قطعا ً لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا, وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضا ً تقوم بجوارحنا, فكما أنهم يقولون
جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل الوقوف, وهذا مراد الله منا في ذلك, لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو كتاب الله والسنة, فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل, وحرفنا هذه وأولناها, كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض, وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله.
: حياته ليست بعرض, وعلمه كذلك, وبصره كذلك, في صفات كما تليق به لا كما تليق بنا. كذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيّفة, وعلمه معلوم وليس مكيّفا ً, وكذلك سمعه وبصره معلومان ليس جميع ذلك أعراضا ً بل هو كما يليق به.
ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله, ففوقيّته معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيّفان, كذلك فوقيّته معلومة ثابتة غير مكيّفة كما يليق به,
واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيّف بحكة أو انتقال يليق بالمخلوق, بل كما يليق بعظمته, وجلالة صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معقولة من حيث التكييف والتحديد, فيكون المؤمن بها مبصرا ً من وجه أعمى من وجه, مبصرا ً من حيث الإثبات والوجود, أعمى من حيث التكييف والتحديد(1) , وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به وبين نفي التحريف والتّشبيه والوقوف, وذلك هو مراد الرّب تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها, ونؤمن بحقائقها ونفي عنه التشبيه, ولا نعطّلها بالتحريف والتأويل, ولا فرق بين الإستواء والسمع ولا بين النزول والبصر, الكل ورد في النّص.
فإن قالوا لنا: في الإستواء شبهتم, نقول لهم: في السمع شبّهتم ووصفتم ربكم بالعرض, فإن قالوا لا عرض, بل كما يليق به, قلنا في الإستواء والفوقيّة: لا حصر بل كما يليق به. فجميع ما يلزمونا به في الإستواء, والنزول, واليد, الوجه, القدم, والضحك, والتّعجّب من التّشبيه, نلزمهم به في الحياة, والسمع, والبصر, والعلم. فكما لا يجعلونها هم أعراضا ً, كذلك نحن لا نجعلها جوارح, ولا ما يوصف به المخلوق, وليس من الإنصاف أن يفهموا في الإستواء, والنزول, والوجه, واليد, صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل و التحريف.
فإن فهموا في هذه الصفات ذلك, فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع(2) صفات المخلوقين من الأعراض, فما يلزمونا في تلك الصفات من التّشبيه والجسميّة, نلزمهم به في هذه الصفات من العرضيّة, وما ينزّهوا ربّهم به في هذه الصفات السّبع, وينفون عنه عوارض الجسم فيها, فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء, ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك, ونفى عن

جمال حسني الشرباتي
17-09-2004, 08:36
*فصل


وإذا ظهر هذا وبان انجلت الثلاث مسائل بأسرها وهي: مسألة الصفات من النزول واليد والوجه وأمثالها, ومسألة العلو فقد قيل فيها ما فتحه الله تعالى, وأما مسألة الصفات فتساق مساق مسألة العلو ولا نفهم منها ما نفهم من صفات المخلوقين, بل يوصف الرّب تعالى بها كما يليق بجلاله وعظمته, فينزل كما يليق بجلاله وبعظمته, ويداه كما يليق بجلاله وعظمته, ووجهه الكريم كما يليق بجلاله وعظمته, فكيف ننكر الوجه الكريم ونحرّف وقد قال صلى الله عليه وسلم في دعائه: ( أسألك لذّة النظر إلى وجهك)(1) وإذا ثبتت صفة الوجه بهذا الحديث وبغيره من الآيات والنصوص, فكذلك صفة اليدين والضحك والتعجّب, ولا يفهم من جميع ذلك إلا ما يليق بالله عز وجلّ وبعظمته, لا ما يليق بالمخلوقات من الأعضاء والجوارح, تعالى الله عن ذلك علوّا ً كبيرا ً. وإذا ثبت هذا الحكم في الوجه فكذلك في اليدين والقبضتين والقدم, والضحك, والتّعجب, كل ذلك كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته, فيحصل بذلك إثبات ما وصف الله تعالى نفسه به في كتابه, وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ويحصل أيضا ً نفي التّشبيه والتكييف في صفاته, ويحصل أيضا ً بذلك عدم الوقوف بإثبات الصفات وحقائقها على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته, لا على ما نعقله نحن من صفات المخلوقين. وأما مسالة الحرف والصّوت فتساق هذا المساق, فإن الله تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد وبجميع حروفه فقال تعالى: ( ألم) وقال: ( ألمص) وقال: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)(قّ:1) وكذلك جاء في الحديث
: ( فينادي يوم القيامة بصوتٍ يسمعه من بعد كما يسمعه من قرُب)(2) وفي الحديث
: ( لا أقول ألم حرف ولكن ألفٌ حرف, ولامٌ حرف, وميمٌ حرف)(3) . فهؤلاء ما فهموا من كلام الله تعالى إلا ما فهموه من كلام المخلوقين فقالوا: إن قلنا بالحروف فإن ذلك يؤدي إلى القول
بالجوارح واللهوات(4) وكذلك إذا قلنا بالصوت أدّى ذلك إلى الحلق والحنجرة, عملوا في هذا من التخبّط كما عملوا فيما تقدّم من الصفات. والتحقيق هو أن الله تعالى قد تكلّم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته, فإنّه قادر, والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا إلى لهوات, وكذلك له صوت كما يليق به يُسمَع, ولا يفتقر ذلك الصوت المقدّس إلى الحلق والحنجرة, كلام الله تعالى كما يليق به, ولا ننفي الحرف الصوت عن كلامه سبحانه لافتقارهما منا إلى الجوارح واللهوات فإنهما من جناب الحقّ تعالى لا يفتقران إلى ذلك(5) , وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان هب من التّعسّف والتكلّف بقوله هذا عبارة عن ذلك. فإن قيل: فهذا الذي يقرأه القارئ هو عين قراءة الله تعالى وعين تكلّمه هو؟ قلنا: لا بل القارئ يؤدّي كلام الله تعالى, والكلام إنّما ينسب إلى من قاله مبتديا ً, لا إلى من قاله مؤدّيا ً مبلّغا ً, ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق, وفي القرآن لا يتميّز اللفظ المؤدى عن الكلام المؤدّى عنه ولهذا منع السلف عن قول: لفظي بالقرآن مخلوق, لأنه لا يتميّز, كما منعوا عن قول: لفظي بالقرآن غير مخلوق, فإن لفظ العبد في غير التّلاوة مخلوق, وفي التلاوة مسكوت عنه كيلا يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن وما أمر السلف بالسّكوت عنه يجب السّكوت عنه والله الموفق.
.


*فصل


العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء, عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية, وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه, صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه, ومن لا يعرف ربّه بأنّه فوق سماواته على عرشه, فإنّه يبقى ضائعا ً لا يعرف وجهة معبوده(1) .
لكن لو عرفه بسمعه وبصره وقِدمِه, وتلك بلا هذا معرفة ناقصة, بخلاف من عرف أنه إلهه الذي يعبده فوق الأشياء, فإذا دخل في الصلاة وكبّر توجّه قلبه إلى جهة العرش, منزّها ً ربّه عن الحصر, مفردا ً له كما أفرده في قِدمِه وأزليّته إلا بها, لأنا محدثون, والمحدث لا بدّ له في إشارته إلى جهة فتقع تلك الإشارة إلى ربّه كما يليق بعظمته, لا كما يتوهّمه هو من نفسه. ويعتقد أنه في علوّه قريب من خلقه, هو معهم بعلمه وسمعه وبصره, وإحاطته وقدرته ومشيئته, وذاته فوق الأشياء فوق العرش. ومتى سعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجّه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان, وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه, فانشرح لذلك صدره, وقوي إيمانه, ونزّه ربّّه عن صفات خلقه من الحصر والحلول, وذاق حينذاك شيئا ً من أذواق السابقين المقرّبين, بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده, وتكون الجارية راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: في السماء, عرفته بأنه على السماء فإنّ في تأتي بمعنى على, كقوله تعالى: (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض)(المائدة:26) أي على الأرض, وقوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل)(طـه: 71) أي على جذوع النخل. فمن تكون الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده, فإنّه لا يزال مظلم القلب لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان, ومن أنكر هذا القول فليؤمن به وليجرّب ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه, مبصرا ُ من وجه أعمى من وجه كما سبق, مبصرا من جهة الإثبات والوجود والتحقيق, أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف, فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى, ووجد نوره وبركته عاجلا ً ,آجلا ً (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)(فاطر: 14) والله سبحانه الموفق والمعين

جمال حسني الشرباتي
17-09-2004, 08:37
*فصل
في تقريب مسألة الفوقيّة من الأفهام بمعنى
من علم الهيئة لمن عرفه


لا ريب أن أهل هذا العلم حموا بما اقتضته الهندسة, وحكمها صحيح لأنه ببرهان لا يكابر الحسّ فيه, بأن الأرض في جوف العالم العلوي, وأن كرة الأرض في وسط السماء كبطّيخة في جوف بطيخة, والسماء محيطة بها من جميع جوانبها, وأن سفل العالم هو جوف كرة الأرض السابعة, وهم لا يذكرون السابعة, لأن الله تعالى أخبرنا عن ذلك, وهم لا يعرفون ذلك, وهذه القاعدة عندهم هي ضرورية لا يكابر الحسّ فيها أن المركز هو جوف كرة الأرض, وهو منتهى السفل والتحت, وما دونه لا يسمّى تحتاً, بل لا يكون تحتا ً ويكون فوقا ً. بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق, ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق.

وبرهان ذلك لو فرضنا مسافرا ً سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب, وامتد مسافرا ً لمشى على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير, وقطع الكرة مما يراه الناظر أسفل منه, وهو في سفره هذا لم تبرح الأرض تحته والسماء فوقه فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض, هو فوق الأرض بالذات, فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض, من أي جهة فرضتها, من أراد معرفة ذلك فليعلم أن كرة الأرض النصف الأعلى منها ثقله على المركز, والصفّ الأسفل منها ثقله على النصف الأعلى أيضا ً إلى جهة المركز, والنّصف الأسفل هو أيضا ً فوق النصف الأعلى كما أن النّصف الأعلى فوق النّصف الأسفل, ولفظ الأسفل فيه مجاز بحسب ما يتخيّل للنّاظر, وكذلك كرة الماء محيطة بكرة الأرض إلا سدسها, والعمران على ذلك السدس, والماء فوق الأرض كيف كان, وإن منا نرى الأرض مدحيّة على الماء, فإن الماء فوقها, وكذلك كرة الهواء محيطة بكرة الماء وهي فوقها, وإذا كان الأمر كذلك فالسماء التي تحت النصف الأسفل من كرة الأرض هي فوقه لا تحته, لأن السماء على الأرض كيف كانت, فعلوّها على الأرض بالذّات فقط, لا تكون تحت الأرض بوجه من الوجوه, وإذا كان هذا جسم وهو السماء علوها على الأرض بالذّات, فكيف من ليس كمثله شيء وعلوّه على كلّ شيء بالذّات كما قال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)(الأعلى:1) وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ)(النحل: 50) ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب)(فاطر: 10) (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ )(الأنعام: 18) لأن فوقيته سبحانه وعلوّه على كل شيء ذاتيّ له فهو العليّ بالذّات,
والعلوّ صفته اللائقة به, كما أن السفول والرسوب والإنحطاط ذاتيّ للأكوان عن رتبة ربوبيّته وعظمته وعلوّه, والعلوّ والسّفل حدّ ٌ بين الخالق والمخلوق, يتميّز به عنه, هو سبحانه العليّ قلى عرشه يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض هم يعرج الأمر إليه, فيحيي هذا, ويذلّ هذا, وهو الحيّ القيّوم القائم بنفسه, وكلّ ُ شيء قائم به.

فرحم الله عبدا ً وصلت إليه هذا الرّسالة ولم يعالجها بالإنكار, وافتقر إلى ربّه في كشف الحقّ آناء الليل والنّهار, وتأمّل النّصوص في الصّفات, وفكّر بعقله في نزولها وفي المعنى الذي نزلت له, وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات.

ومن فتح الله قلبه عرف أنّه ليس المراد إلا معرفة الرّبّ تعالى بها, والتّوجّه إليه منها, وإثباتها له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته, بلا تأويل, ولا تعطيل, ولا تكييف, ولا تمثيل, ولا جمود, ولا وقوف. وفي ذلك بلاغ لمن تدبّر, وكفاية لمن استبصر إن شاء الله تعالى .

والحمد لله وحده, وصلى الله على من لا نبيّ بعده, وعلى آله وصحبه وسلّم, والله سبحانه أعلم.


انتهت الرسالة بحمد الله

جمال حسني الشرباتي
17-09-2004, 08:38
الذي يظهر لي ان الرسالة سليمة وان كان من نشرها وهابي حاقد

فما هو توجيهكم حولها؟

محمد صادق الحجازي
18-09-2004, 02:52
وبعد
فإن الإمام أبا محمد عبدالله بن يوسف الجويني أحد أعلام الأمة وقد قال فيه أحد كبار أئمة الأشاعرة الإمام أبوسعيد عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري : ( كان أئمتنا في عصره والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة إنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان إلا هو ) تبيين كذب المفتري (1 \258)
ومما يتقدم هذا الأمر أن نقول إن مسائل العقائد أرفع من أن تتقيد برجوع فلان او علان وكما قال مالك أفكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا له ديننا . فلا يعرف الحق بالرجال ولكن يعرف الرجال بالحق ومع ذلك فينبغي أن نبذل الجهد في تبرئة ساحة الأئمة مما يفترى عليهم لعلمنا بصدقهم وصحة معتقدهم المستفيض عنهم .
وقد نظرت في هذه العقيدة المنقولة وبحثت عنها طويلاً في كتب التراجم فلم أجد لها ذكرا بل كل من ترجم له وذكر مؤلفاته لم يذكر هذه العقيدة وعموما تلخص فكري عنها كالتالي :
1ـ الإمام أبو محمد ممن استفاض الخبر بنسبته إلى مذهب أهل السنة من الأشاعرة ويدل على ذلك أن كل تلاميذه وشيوخه منهم بل ويدل على ذلك كلامه المنصوص في كتبه وإليك بعض النصوص التي يطعن بها في نحور المشبهة فقد قال هذا الإمام في مقدمة كتابه التبصرة باب الإيمان ( صـ183) : ( أن يعتقد حدوث العالم وقدم محدثة وأنه ليس كمثله شيء وتحقيقه أنه لا يتصور في الوهم وما دونه يقبل هذه الصفة والنهاية منفية عنه وليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وانتفت عنه الكيفية والكمية والأينية واللمية وأنه حي قادر مريد سميع بصير متكلم له حياة وقدرة وعلم وإرادة وسمع وبصر وكلام لم يزل ولا يزال بهذه الصفات لا يشبه شيء منها شيئا من المخلوقات ......وأنه قائم بنفسه مستغن عن مكان يقله وعن جسم يحله ليس له تحت فيكون تحته ما يسنده ولا فوق فيكون فوقه ما يمسكه ولا جانب يعضده أو يزاحمه ثم الاعتقاد بجواز الرؤية مع نفي الأوصاف المحدثة عنه ....ثم سرد باقي العقيدة حتى قال فإن استمرت هذه العقيدة على هذه الشرائط واستقرت عليها بحيث لا يتشكك بالتشكيك ولا يرتاب بجدال أهل الإلحاد فقد سبق إليه الإيمان بحذافيره .....قال وربما يتلو أيآية أو يقرع سمعك خبر فيستولي على خاطرك عدوك كمثل آيات الصفات والاستواء على العرش واليد والعين وحديث النزول وما أشبه ذلك فمتى أشكل عليك لفظ شرعي في صفات الذات فاصرف ذلك اللفظ إلى الفعل مثاله قوله تعالى وهو معكم الآية وقوله { وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } يحتمل والله أعلم من حيث العلم لا من حيث الذات ومن أثبت له مكانا مخصوصاً أو جعل العرش له قراراً قيل له كيف يكون العرش له قرار من حيث المكان وهو على العرش يعلم ما على الأرض { أينما كنتم } و { أقرب إليكم من حبل الوريد } فإن استعمل بأن يحمل قوله { وهو معكم } على صفات الفعل فكذلك يحمل الاستواء والنزول على صفات الفعل وإن اختير الإعراض عن تأويل قوله تعالى { وهو معكم } فليعرض عن تأويل الاستواء وحديث النزول ونظائرهما فإن من السلف الصالحين من اختار في هذه الظواهر ترك الكلام عليها مع الايمان بها وذلك طريقة حسنة اهـ ثم ذكر بعد ذلك أن المسألة راجعة إلى الوقف في قوله تعالى { وما يعلم تأويله ألا الله والراسخون في العلم } وكتاب التبصرة مما اشتهر نسبته إلى إبي محمد وذكره من ترجم له وذكر نتاجه كما ذكره النووي في مجموعه في أكثر من موضع . فهذا هو المشهور عنه فمن جادل بغير ذلك طالبناه باثبات خلافه بما يوازيه ويدانيه في القوة لا برسالة لا يدرى من نسبها إليه مع كثرة الوضع من المجسمة .
2ـ لو كانت هذه الرسالة مع ما فيها من بشاعة صحيحة النسبة إلى هذا الإمام لطار بها فرحاً أفراخ المشبهة وحبائل اليهود ولتصديها تصيد الملهوف الذهبي في سيره وهو لا يدع شاردة ولا واردة يمكن أن تنال من أئمة الأشاعرة إلا ذكرها ولذكرها قبله ابن القيم في اجتماع الوحوش والذي اولع فيه ببتر وتحريف كلام الأئمة فكيف تغيب عنه هذه الرسالة المصرحة بمكنونات مذهبه الفاسد من مثل هذا الامام الأشعري العالي المنزلة عند القوم . بل أقول لو صح هذا الكلام الفاسد عن أبي محمد لهجره علماء السنة ونقدوه كما نقدوا غيره ممن لحق بأهل التجسيم والحق أحق أن يتبع .
3ـ صح أن آخر ما صنف هذا الأمام كتاب في العقيدة ذكره ابن عساكر ونقل منه جملة قال : ( وذكر الشيخ الإمام ركن الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله في آخر كتاب صنفه وسماه عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي رحمه الله وكافة أهل السنة والجماعة وقال ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب التعيين في الأصول فاما الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ومذهب الشيخ أبي الحسن رحمه الله تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي رضي الله عنه وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي رضي الله عنهم فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه ومن هذا القبيل قوله أن لا صيغة للأمر وتقل وتعز مخالفته أصول الشافعي رضي الله عنه ونصوصه وربما نسب المبتدعون إليه إنه يقول ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخلق في الأزل وتكفير العوام وإيجاب علم الدليل عليهم وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه ولا عجب أن إعترضوا عليه واخترصوا فإنه رحمه الله فاضح القدرية وعامة المبتدعة وكاشف عوراتهم ولا خير فيمن لا يعرف حاسده. ) تبيين كذب المفتري (1\115)
أما هذه الرسالة التي لم نعرف لها خبرا فقد كان اسمها ( رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد وتنزيه الباري عن الحصر والتمثيل والكيفية ) وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية
وانظر إلى الفرق بين الرسالتين فإنه في آخر مصنفاته نقل عقائد أصحاب الامام الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة ودافع فيه عن أبي الحسن الأشعري مما نسبه إليه المبتدعة ممن أثار الفتنة المعروفة التي ذكرها السبكي في طبقاته بينما يشير في تلك الرسالة المزعومة أن الشافعية من أصحاب الشافعي ومن مشايخه في واد مظلم عن معرفة الحق وهذا دال على كذب نسبة تلك الرسالة مع عدم معرفتنا بالناسب أصلاً .
4ـ لو تأمل كل منصف هذه الرسالة لوجد فيها أمرين الأول أن اسلوبها يختلف عن عبارات الإمام السابقة الذكر بل وعن رسالته في العقيدة وذلك واضح في عدم قدرته على سرد مذاهب أهل السنة بل انظر إلى قوله في الحرف والصوت فقالوا: إن قلنا بالحروف فإن ذلك يؤدي إلى القول الجوارح واللهوات(4) وكذلك إذا قلنا بالصوت أدّى ذلك إلى الحلق والحنجرة ) فجعل دليلهما واحدا وكذلك لم يتعرض لمذهب أهل التفويض وقد تعرض له في التبصرة وقال عنه إنه طريق حسنة ثم لم ادر من الذي يتحدث عنهم ويقول (, فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء,) فهل نسبه أحد إلى التشبيه وذلك مما يقتضي شهرت ذلك عنه ومناضلته عن هذا المعتقد حتى صار مشهور النسبة إليه .
الأمر الثاني : أنها تلخيص لكلام ابن تيمية في سائر كتبه بل لو كان عندي من الوقت ما يكفي لنقلت لكل فقرة منها ما يناسبها من كلام ابن تيمية بل كلامه عن كروية الأرض وعن علم الهيئة هو عينه كلام ابن تيمية في الإحاطة المزعومة لمعبوده .
وأغلب الظن أن هذه الوصية قد حرز عليها أبو محمد وحرم ولده أمام الحرمين من ارثها واودعها بعض رعاع الحنابلة قائلا له قبل لحظة من مفارقة هذه الدار احفظ هذه الوصية فيك وفي ذريتك من بعدك حتى يمن الله على خلقة برجل لم ير مثل نفسه يدعى شيخ الاسلام ابن تيمية فاكشفها له حتى يحيي الله بها الأمة .
فقبح الله واضع هذه الرسالة وكم للمشبهة من أمثال ذلك فتباً لهم وتعساً . والله أعلم

جمال حسني الشرباتي
18-09-2004, 17:37
انا اشكرك

ولقد استخدمت كلامك بالرد على الوهابية حول هذا الموضوع