المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل أخرج البخاري ومسلم أحاديث في صحيحيهما لأجل أن يعلاها ؟؟



أسامة نمر عبد القادر
09-09-2004, 19:13
هل أخرج الشيخان في كتابيهما أحاديث وأعلاها ؟
(( 1 )) أما بشأن الإمام الجهبذ مسلم ، فقد ذكر القاضي عياض ، كما نقله ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم ص 91 ، أن مسلما أشار في خطبة الصحيح إلى أنه سوف يذكر علل الأحاديث ، وذكر عياض أن مسلما قد وفى بهذا في كتابه ضمن ما أتى به فيه من جمع الطرق والأسانيد والاختلاف .
قلت : وسوف آتي بعبارة مسلم في ذلك من مقدمة صحيحه ج 1 ص4-5 ، فقد قال : (( ثم إنا ـ إن شاء الله ـ مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة، سوف أذكرها لك ، وهو : إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس ، على غير تكرار ، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى ، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك ، لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام ، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة ، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن ، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته ، فإعادته بهيئته ـ إذا ضاق ذلك ـ أسلم ، فأما ما وجدنا بدا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى )) .
وسوف أذكر مثالا من صحيح مسلم على ما سبق .
فقد قال مسلم : حدثني حرملة بن يحيى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني حميد بن عبدالرحمن بن عوف ، أن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، ويقول خيرا وينمى خيرا ، قال ابن شهاب : ولم أسمع يرخص (بضم الياء على البناء لما لم يسم فاعله) في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها .
ثم قال مسلم : حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا أبي ، عن صالح ، حدثنا محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب ، بهذا الإسناد ، مثله ، غير أن في حديث صالح : وقالت : ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث ، بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب .
ثم قال مسلم : وحدثناه عمرو الناقد ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، إلى قوله (ونمى خيرا) ، ولم يذكر ما بعده ( ) .
يلاحظ أن مسلما قدم إسناد يونس ، الذي فيه أن عدم الترخيص في الكذب إلا في ثلاث إنما هو من قول الزهري ولم ينسبه إلى قائل ، ثم أتبعه بعد ذلك بإسناد صالح الذي فيه أن عدم الترخيص في الكذب إلا في ثلاث إنما هو من قول أم كلثوم مما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي تقديمه هذا دلالة على ترجيحه رواية يونس الذي ليس فيها رفع الترخيص بالأشياء الثلاثة معا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواية صالح التي فيها رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بذلك يعل رواية صالح ، ويصوب رواية يونس ، وهكذا يتبين لنا أن مسلما أخرج حديثا في صحيحه ليبين ما فيه من علة ، لكن جاء بيانه بالتلميح القريب من التصريح لا بالتصريح المباشر .
(( 2 )) أما بشأن العبقري الفذ الإمام البخاري ، فقد صرح ابن تيمية بأن من عادة البخاري إذا روى حديثا اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه ، انظر : التوسل والوسيلة ص 91 ، قلت : وهذا أمر ثابت ، لكنه بحاجة إلى استقراء ، وهو ينفع دراسة خاصة لطلبة الماجستير والدكتوراة لمن أراد ذلك ، فلينصح بذلك .
ولا بد من التنبه إلى أن القضية التي طرحناها تختلف عن قضية أخرى ، وهي انتقاد بعض أهل العلم مثل : ابن عمار الشهيد ، والدارقطني ، والجياني ، وغيرهم بعض أحاديث أخرجها الشيخان ، ففي القضية الأولى إنما أخرج الشيخان الحديث لبيان علته ، وفي القضية الثانية أخرج الشيخان الحديث تصحيحا له ، لكن خالفهما في تصحيحه بعض أهل العلم ، فليتنبه إلى هذا الفرق بين القضيتين .

عمر شمس الدين الجعبري
15-11-2018, 14:07
جزاك الله خيرا د. أسامة .. علل الحديث علم تتجلى فيه مهارة المحدث ومدى أهليته في الحكم على الحديث.