المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأسيس دار العلوم (ديوبند)



فيصل عبدالله صومار
07-06-2009, 19:37
لم تتأسس دار العلوم وبدون قصد واهتمام، ولا نتيجة عن رغبة في إنشاء معهد كبير والإشراف عليه، ولا بناءًً على نزعة عصبية مذهبية أو لسانية ونحوها - ولله الحمد - بل كانت أهدافها أعلى وأسمى من كل ذلك، ولتأسيسها قصة معروفة الشأن، ذكرها كل من أنصف ممن تكلم، وكتب وألف في تاريخ الإسلام والمسلمين، وتاريخ الدعوة الإسلامية بالهند(1)، وشهدت لهم بذلك أحوالها وخدماتها.
وإليكم بيان ذلك نقلاً مماكتبه سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في كتابه" الصراع بين الفكرة الإسلاميةوالفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية"، يقول حفظه الله:

الصراع بين الشرق والغرب في الهند
وكان المجال الثاني الذي ظهر فيه - لعوامل سياسية وثقافية - الصراع بين الشرق والغرب واضحاً قوياً ، وكان مكلفاً باختيار أحد الطريقين: الحياة الإسلامية على أساس العقيدة والإيمان، أو الحياة الغربية على أساس القوة والتقدم، هو الهند التي توطدت فيها الحكومة البريطانية الزعيمة للحضارة الغربية في الشرق، وزحفت إليها العلوم الحديثة والتنظيمات الجديدة، وما تستتبعها من آلات ومصنوعات وآراء وفلسفات، وكان الشعب الإسلامي الهندي منهوك القوى، مثخناًبالجراح، مجروح الكرامة، يعاني دهشة الفتح وعار الهزيمة، وجيشاًمن التهم والظنون، ويواجه فاتحاً ممتلئا بالقوة والشباب والثقة، وحضارة زاخرة بالجدة والنشاط الإنتاج وقضايا كثيرة ومشكلات، تتطلب الحل السريع الجازم، والموقف الواضح الحاسم.

القيادة الدينية والمدرسة القديمة
في هذه الساعة العصيبة الدقيقة، وفي هذه الحالة النفسية المحرجة برز في الميدان نوعان من القيادة:
أولهما القيادة الدينية، التي يتزعمها علماء الدين
والقيادة الثانية: يتزعمها سيد أحمد خان وتلاميذه وأنصاره من أهل المدرسة الجديدة.
أما علماء الدين فقد كانوا أقوى علماء العالم ألإسلامي شخصية دينية، ومن أكثرهم رسوخاًُ في الدين، وزهداً في الدنيا، وإيثارا للآخرة، وغيرة على الاسلام، وجهاداً في سبيله بالنفس والنفيس، ولكن جوهم الخاص الذي عاشوا فيه، وثقافتهم القديمة، لم تمكنهم من السيطرة على هذه الحضارة الغربية والثقافة الجديدة وقيادتها إلى ناحية جدية مجدية تعود إلى الإسلام والمسلمين بالنفع والقوة.
ثم إن الهمجية التي ظهرت من الحكومة الإنجليزية، والقسوة النادرة التي عاملت بها المسلمين الذين اعتبرتهم أصحاب الفكرة في الثورة المخفقة سنة 1857م وقادتها(2)، وتحمُّسَ الحكام والولاة الإنجليز لنشر المسيحية في طبقات الشعب الهندي، والسرعة الزائدة التي كانت الحضارة الغربية تنتشر بها في الجمهور وتأثيرها في عقيدة المسلمين وأخلاقهم، كل ذلك وضعهم في مركز الدفاع عوضا عن الهجوم، وجعلهم يفكرون في الاحتفاظ بالبقية الباقية من العاطفة الدينية والروح الإسلامية، ومظاهر الحياة الإسلامية، والدعوة إلى التجنب عن هذه الحضارة والابتعاد عنها ما أمكن، وجعلهم يفكرون في نباء معاقل الحضارة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، والعلوم الشرعية، وتخريج العلماء والدعاة والمرشدين من هذه المعاقل التي سميت بعد بالمدارس العربية .
وكان على رأس هذه الحركة الإصلاحية والتعليمية المنتجة الإمام محمد قاسم النانوتوي مؤسس معهد ديوبندالكبير، وكان لا ينظر إلى المؤسسة التي ساهم في تأسيسها وقادها في حياته، كمعهد يقوم بتدريس العلوم والمواد الدراسية ويخرج الفقهاء والمعلمين فحسب، بل ينظر إليه كمركز و" ثكنة " تخرّج المكافحين والدعاة الذين يفتحون جبهة جديدة للكفاح بعد ما لقي المسلمون الهزيمة المنكرة من الإنجليز، وانقرضت الدولة الإسلامية من الهند.

___________________________
(1) (سوانحي قاسمي) الجزء الاول و (تاريخ دار العلوم ديوبند) الجزء الاول وكلاهما بالأردية، وتاريخ الدعوة الإسلامية في الهند للشيخ مسعود عالم الندوي، و(الدعوة الإسلامية في الهند وتطوراتها)ص31 و (أضواء على الحركات الدينية...) و(المسلمون في الهند) ثلاثتها للعلامة الندوي، وغير ذلك مما أُلف في الموضوع.

(2) اقرأ فصل " الدور الذي قام به المسلمون في تحرير الهند " في كتاب "المسلمون في الهند" ص 85 - 94 طبعة المجمع الاسلامي العلمي - ندوة العلماء لكهنؤ (الهند)

يتبع .....

فيصل عبدالله صومار
07-06-2009, 19:54
يقول الشيخ مناظر أحسن الكيلاني في " سيرة مولانا محمد قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم ديوبند:
" قد اشتغل عقله الكبير في فتح الجبهات الجديدة وتهيئة مجالات الكفاح بعد ما أخفقت ثورة عام 1857م، وكان نظام التعليم والتربية السائد في دار العلوم ديوبندعاملا أساسيا لتحقيق هذا المنهج الذي آثره الشيخ [ النانوتوي ].
إن الذين تراجعوا من ساحة شاملي(1) لم ينقطعوا عن التفكير، ولم يضعوا أوزارهم، بل بقي هؤلاء يكافحون لبقاء الدين والعلم الديني، واشتغلت به عقولهم وقلوبهم، ينتظرون من الله النصر.
وكان ضمن هذه الجهود هذه المدرسة التي لم تكن غايتها التدريس والتعليم فحسب، وإنما كان من غايتها الأساسية تربية رجال يتداركون الهزيمة التي لحقت المسلمين في عام 1857م". (2)
وسواء تحقق هذا الغرض النبيل أم لم يتحقق، ولكن مما لا شك فيه أن لهذا الحركة وقادتها فضلاً كبيراً في تمسك الشعب الهندي الإسلامي بالدين وشريعة الإسلام، وتفانيه في سبيله، والتماسك أمام الحضارة الغربية المادية والإلحادية تماسكاً لم يشاهد في بلد إسلامي آخر تعرَّف بهذه الحضارة ووقع تحت حكم أجنبي، وكانت ديوبند زعيمة هذا الاتجاه، والمركز الثقافي الديني والتوجيهي الإسلامي الأكبر في الهند.(3)

_____________________________
(1) قرية بين دهلي وسهارنبور وقد كانت فيها في عام 1857م معركة حربية ضد الإنجليز قاتل فيها الشيخ إمداد الله المهاجر المكي والشيخ محمد قاسم وزملاؤهما واستشهد فيها الشيخ محمد ضامن.
(2) سوانح قاسمي الجزء الثاني بالاردوية.
(3) انظر فصل "مراكز العلم والثقافة الإسلامية" في كتاب "المسلمون في الهند".