المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى [الأستاذ]أبي الفداء: إشكال حول الصفات



أحمد محمود علي
07-09-2004, 20:31
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أما بعد.. فسوف أنقل لكم بعض العبارات التي سطرتها أيدي المخالفين لأهل الحق وذلك حول مسألة الصفات هل هي عين الذات أم لا ؟

وأرجو من سيدنا ومولانا شيخ الإسلام أبي الفداء حفظه الله تعالى أن يناقش ما يلي من أقوال وأن يوضح أكثر قول أهل السنة وبرهانهم، وشبهة أهل البدعة وكيف يكون ردها ..
سائلا ربي تعالى أن يبارك في هذا الشيخ ويمده بحوله وقوته
وأن ينفع به الإسلام والمسلمين نفعا تبقى آثاره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وهاهو كلام أحد مخالفينا بحروفه وأخطاءه الإملائية، والذي نرجو من سيدنا الشيخ حفظه الله تعالى مناقشته تعليما لطلابه ومحبيه:

(( 1- نظرية الحكماء :
الحق من هذه الاقوال هو الرأي المنسوب الى الحكماء , اي ان له تعالى صفات , وهذه الصفات عين الذات , وكل صفة هي عين الاخرى , يعني انها مختلفة في المفهوم ولكن مصداقها مصداق واحد .
والدليل على هذا القول يتألف من مقدمات هي :
1- ان الواجب تعالى علة تامة لكل موجود ممكن , اما ان يكون بلا واسطة او بواسطة واحدة او بعدة وسائط , بمعنى ان الواجب هو العلة بذاتها .
2- ان كل كمال وجودي في المعلول ناشئ من العلة , يعني العلم الموجود في المعلول , القدرة الموجودة في المعلول , كل ما نراه من وجودات كمالية في المعلول , ناشئ من العلة . ولذلك لابد ان تكون العلة في مقام عليتها واجدة لهذا الكمال الوجودي بنحو أعلى واشرف , فالعلم الموجود لديك لابد ان يكون عند الواجب بنحو أعلى وأشرف .
اذا للواجب بالذات كل كمال وجودي مفترض .
3- ان ووجود الواجب وجود صرف بسيط , وهو واحد بالحقة الحقيقية , وليس واحداً بالوحدة العددية , فان ذات الواجب ليس فيها تعدد ولا تركيب ولا جهة من الجهات , لأن اولحدة الحقة هي التي تكون فيها ذات الواحد عين الوحدة , أذ لو كانوحدته زائدة على ذاته لأن اولحدة تسوق الوجود .
4- فالنتيجة نا كل كمال مفروض له يكون عين ذاته وعين الكمال الاخر المفروض له . وعلى هذا الاساس تكون الصفات الذاتية الثابتة للواجب بالذات , وان كانت مختلفة مفهوماً ,ولكنها متحدة مصداقاً .

الارادة :
قال بعض ان علة الايجاد هي المشيئة والارادة دون الذات . لكن يقول هذا الكلام لا محصل له , وذلك لما يلي :
1- ان الارادة ان كانت صفة ذاتية فهي عين الذات , يعني تكون نسبة ايجاد الاشياء للارادة عين نسبة ايجاد الاشياء للذات , لانه لا توجد عندنا اثنينية , وانما الارادة هي الذات والذات هي الارادة مصداقاً , فهما امر واحد .
2- واذا كان يقصد ان الارادة من صفات الفاعل , فصفات الفعل منتزعة من مقام الفعل , يعني لابد ان يكون هناك فعل موجود ثم ننتزع منه صفة الفعل , فيكون الفعل متقدماً على الارادة , يعني الذات اولاً والفعل ثانياً والارادة ثالثاً , لان صفة الفعل منتزعة من الفعل فكيف يكون الفعل مستنداً اليها في وجوده؟ لأن اسناد الفعل اليها في وجوده يعني تقدم المعلول على العلة . وهو محال .
3- انه يلزم من القول الذي يقول : ان علة الايجاد هو المشيئة والارادة دون الذات , كون نسبة الايجاد والخلق الى الواجب نسبة مجازية لا حقيقية , لان الخالق ليس هو وانما الخالق حقيقته هو مشيئته وارادته , بينما نسبة الخلق والايجاد الى الواجب تعالى ليست نسبة مجازية وانما هي نسبة حقيقية .

نظرية الاشاعرة :
ينسب الى المدرسة الاشعرية انها تقول : بأن ذات الحق تتصف بمجموعة من الصفات , وبحكم كون الصفة مغايرة للموصوف فان الصفات مغايرة للذات .
وبكلمة اخرة ان الصفات زائدة على الذات , وبما ان االموصوف , الذات قديمة الوجود , اذا يلزم ان تكون الصفات ايضاً قديمة , وبما ان الذات واجبة الوجود فيلزم ان تكون الصفات ايضاً واجبة الوجود كالموصوف .
فصفات واجب الوجود تكون كذات الواجب , فكما ان ذات الواجب واجبة فالصفات واجبة ايضاً , وكما ان ذات الواجب قديمة فالصفات قديمة كذلك .
وذكروا من هذه الصفات : الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والارادة والكلام فهذه الصفات تكون كلها قديمة .

مناقشة الأشاعرة :
وقد رد الطباطبائي عليهم بقوله : بأن هذه الصفات اما ان تكون معلولة او لا تكون معلولة , يعني ان هذا الصفات الزائدة على الذات واللازمة لها والقديمة بقدمها , ان كانت في وجودها مستغنية عن العلة قائمة بنفسها , فيلزم من ذلك تعدد القديم , اي يكون هناك ثمانية قدماء , سبعة منها الصفات , والذات هي الثامنة . كما ان براهين وحدانية الواجب تثبت ان الواجب القديم واحد أحد , وليس سواه واجب قديم اخر . هذا اذا قلنا ان الصفات في وجودها مستغنية عن العلة , وان قلنا انها في وجودها مفتقرة الى العلة , فلا يخلو أمرها , اما ان تكون علتها هي الذات , فعلى هذا تكون الذات هي علة متقدمة على هذه الصفات ومفيضة لها , بينما كانت الذات فاقدة لهذه الصفات , لانها هي التي توجدها ,ومن المحال ان يكون الشئ موجداً لما هو فاقد له , لان فاقد الشئ لا يعطيه , فهذا محال .
مضافاً الى انه يلزم من ذلك حاجة الواجب باتصافه بصفات الكمال الى غيره , والحاجة بأي صورة من الصور فرضت تنافي الوجوب الذاتي , لأن الوجودب الذاتي مناط الغنى .
كما يلزم من ذلك فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال , كام ان الواجب هو صرف الوجود الذي لا يشذ منه كمال ولا يفقد شيئاً من الكمال الوجودي .
فعلى هذا الاساس يكون القول الذي ذهب اليه الاشاعرة في الصفات ليس بتام .

نظرية الكرامية :
يذهبون الى ان الصفات زائدة على الذات وحادثة .
وهذا القول ايضاً باطل , لانه يلزم منه امكان الصفات واحتياجها الى العلة , يعني ان هذه الصفات تكون ممكنة وليست بواجبة وهي محتاجة الى العلة , لأن كل ممكن محتاج الى العلة .
ثم ان العلة للصفات اما الذات او غير الذات فاذا كانت العلة الذات فيلزم من ذلك ان تفيض الذات هذه الصفات التي هي فاقدة لها , وقد تبين ان فاقد الشئ لا يعطيه , واذا افترضنا ان المفيض لهذه الصفات وعلة هذه الصفات هي غير الذات فيلزم من ذلك تحقق جهة امكانية في الذات وسلب الكمالات الوجودية عن الذات . وقد تحقق ان الذات ليس فيها جهة امكانية ' لأن واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات , وان واجب الوجود يشتمل على كل كمال وجودي .

نظرية المعتزلة :
النظرية المنسوبة الى المعتزلة هو القول الذي يرى ان الذات نائبة عن الصفات , فيلزم من ذلك ان الذات تكون فاقدة للكمال , بينما الذات المقدسة مفيضة للكمال . ومن الواضح ان الفاقد للكمال لا يكون مفيضاً ومعطياً له , ففاقد القدرة والعلم لا يمكن ان يعطيهما , لأن فاقد الشئ لا يعطيه )).

هذا وجزاكم الله تعالى خيرا
ووفقكم إلى خدمة الدين الحنيف.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سعيد فودة
08-09-2004, 11:32
الجواب:
من الظاهر يا أخي الكريم أن هذا الأخ قد نقل كلاما لأحد أساتذة الشيعة على طريقة الطباطبائي التابع للملا صدرا الفيلسوف الشيعي المعروف، والذي تدور عليه معظم كتابات الشيعة المعاصرين الآن، وهذا الفيلسوف قد أقام نظرياته على أساس من وحدة الوجود المبنية على أن الوجود واحد ولكن تكثره على سبيل التشاكك.
والطباطبائي المعروف صاحب الميزان هو أفضل من كتب شروحات وتلخيصات لفسلفة الملاصدرا.
وكثير من الشيعة الآن يتبعونه وإن كان يوجد معارضون لهذه الطريقة عندهم. ولكن هذه المعارضة لم تمعن أن يكون هذا التيار هو الأقوى عندهم في هذا العصر.
وفلسفته كما قلت مبنية على مزج بين ما يسمونه بالعرفان وبين ما يسمونه بالبرهان ، وهو يستعين بخلاصة ما ذكره ابن سينا والنصير، وأتباعهم ومن مشى على هذه الطريقة وإن زاد فيها كالداماد وغيره، وبين ما صار إليه ابن عربي الحاتمي الصوفي وخاصة في كتابه المسمى بفصوص الحكم.
ولذلك فالشيعة الآن يجعلون هذا الكتاب في أعلى مراحل تدريس الفلسفة التي هي البديل عندهم عن علم لكلام لدينا، وهم يختمون دراسات الفلسفة على طريقة الملاصدرا والسبزواري والطاطبائي بالفصوص ، لأن ما في الفصوص هو خلاصة ما في فلسفتهم.
فقول هذا القائل:" ان الواجب تعالى علة تامة لكل موجود ممكن"اهـ
مبني على ما لا يخفى من مذهب الفلاسفة من كون الذات الإلهية هي علة تامة للوجود، وهذا معناه بعبارة أخرى، أن الوجود الممكن لا يمكن إلا أن يوجد، ما دامت الذات الإلهية موجودة، فلا يمكن لله تعالى عندهم إلا أن يكون خالقا، أما أن يريد أن لا يخلق فهذا مستحيل عندهم.
هذا هو اللازم المباشر لقولهم بكون مجرد الذات علة تامة.
وهذا كما هو معلوم مبني على نفي الإرادة، أي مبني على كون الله تعالى غير مريد، ومعنى ذلك أ، أفعاله جل شأنه تصدر عنه ولا يمكن إلا أن تصدر عنه، فلا يمكن أن لا يريد إفناء وإعدام العالم، ولا يمكن إلا أن يكون العالم موجودا وعلى هذا النظام الكائن المشاهد. وهذا نفي كما هو ظاهر للاختيار، وهذا ما يدلك عليه قوله بعد ذلك
قوله :" ان كل كمال وجودي في المعلول ناشئ من العلة , يعني العلم الموجود في المعلول , القدرة الموجودة في المعلول , كل ما نراه من وجودات كمالية في المعلول , ناشئ من العلة"اهـ
فهو قد أرجع وجود العالم إلى مجرد العلم والقدرة، وهذا معناه نفي الإادة كصفة مع العلم والقدرة، فالإرادة عندهم هي عين الأفعال، وإن رأيت في كلامهم اسم الإادة افعرف أنهم إنما يريدون بها الأفعال بعد وجودها، لا يريدون بها معنى الصفة كما نقصده نحن الأشاعرة.
والعلم متعلق كما تعلم بالأشياء كما هي في نفس الأمر، ولذلك فلا إرادة ولا اختيار لله تعالى عندهم، فبكونه عالما يكشف عن ما يجب أن يوجد، وبكونه قادرا، يوجد عنه أو يصدر عنه ما علمه. ولا يمكن إلا أن يكون كذلك.
والعلم عندهم يتعلق بماهيات الأمور كما هي في نفس الأمر لا كما يريدها الفاعل. ولذلك فالماهيات عندهم غير مجعولة. ولا يتصور عندهم أن يوجد الله تعالى غير هذا العالم، ولا يمكن إلا أن يكون هذا العالم موجودا. وهذه هي المسألة الأساسية بيننا وبينهم. أي بيننا وبين الفلاسفة ومن تبعهم كابن رشد الحفيد وغيره.

وأما ما قاله من أن الصفات ليست زائدة على الذات خارجا، فهذا صحيح إذا لاحظنا أن الذات لا توجد إلا متصفة بصفات، فالموجود خارجا هو العالم المريد القادر، وليس الموجود ذات عارية عن الصفات ثم اتصفت بصفات هي غيرها. فلا تغاير في الخارج وإنما التغاير في المفهوم.
ومحاولته نسبة التغاير الخارجي والتكثر خارجا إلى الأشاعرة غلط ناتج عن سوء فهم شائع عند هؤلاء المخالفين.

وقوله :" قال بعض ان علة الايجاد هي المشيئة والارادة دون الذات"اهـ
إذا كان يقصد به الأشاعرة وهو يقصدهم، فهو كذب عليهم، وجهل بمذهبهم، وعيب على من يخوض في هذه المباحث أن يكون حاله كذلك.
فلا أحد منهم يقول إن علة الإيجاد هي الأرادة دون الذات، بل نصوصهم على أن الذات توجد من حيث هي مريدة قادرة.
وقول هذا القائل "دون الذات " يفهم، أن الإادة منفصلة عن الذات خارجا، وهو باطل وليس من قول الأشاعرة أهل الحق.
ويمكن أن تلاحظ بسهول أثناء كلامه عن الإرادة أنه لا يعترف بصفة اسمها الإرادة كما اعترف بصفة اسمها العلم وصفة اسمها القدرة، وإن أرجعهما إلى عين الذات مصداقا، فلا كبير إشكال في ذلك، ولكنه في مقام الذات لا يثبت له أنه مريد، بل اشتق الإرادة من ملاحظة الذات في مقام الفعل.
وهذا ما قلناه لك سابقا من أنهم ينفون كون الذات مريدا مختارا، وذلك بكل بساطة لأنهم يقولون إن الذات علة تامة، فعله ليس بإرادة منه.
وأما محاولة استدلاله أخيرا على أنه لو أثبت إرادة للزم كون الذات ليس فاعلا بل الإرادة، مجرد تهافت منه، فلم لا يقول إن الذات لها في مقام الذات الإرادة، مع عدم تغايرهما خارجا ومصداقا، تماما كما قال عن العلم والقدرة. فلا يلزم ما استلزمه من كون الإرادة دون الذات هي الفاعلة.
والحاصل أن جميع استدلالاته على هذا المطلب أعني الملا صدرا والطباطبائي وغيرهم ومن قبلهم من الفلاسفة كابن سينا ومن قال بذلك من المعتزلة باطلة، ومجرد توهمات يحسبونها أدلة.

ومناقشات الأشاعرة التي ذكرها مبنية على أن هناك تكثرا في الخارج بين الصفات والذات، وهذا منفي أصلا، فلا تكثر خارجا، بل موجود واحد متصف بصفات، وهذه الصفات ليس غيره. ولا يقال عند الأشاعرة إن الصفات غير الذات كما بنى عليه هذا القائل، بل يقال لا عين الذات ولا غيرها، أي مفهوما وخارجا.
واللازم من دليل التوحيد إنما هو إثبات ذات واحد، وليس اللازم أن يكون هذا الذات غير متصف بصفات. بل دليل الوحدانية يقول أصلا على اتصافه بالصفات. فلا يلزم مخالفة الوحدانية في هذا المقام.

وقوله إن وجود الواجب هو صرف الوجود الذي لا يشذ عنه كمال مطلقا، وأن فاقد الشي لا يعطيه ، كل ذلك مبني على أساس وحدة الوجود، وربما على الوجود الرابطي الذي قال به البعض منهم ومنهم من نتكلم معه.
ولا يخفى على العاقل أن الواجب الوجود لو كان علة بذاته لوجب بناء على قانون السنخية بين العلة والمعلول أن يكون العالم من طبيعته، وربما قالوا بأن وجود العالم المخلوق وجود رابطي.

وقوله في مقام بيان مذهب الأشاعرة:" وبحكم كون الصفة مغايرة للموصوف فان الصفات مغايرة للذات"اهـ
نقول: قد ذكرنا أن هذا توضيح غالط لقولهم. فالتغاير في المفهوم لا خارجا.

وأما الكرامية فيقولون بقدم بعض الصفات وبحدوث بعضها، ومذهبهم باطل، وإن كنتا نختلف مع الشيعة في طريقة الإبطال، لأنهم يقيمون أدلتهم على نظرتهم إلى الوجود التي نخالفهم نحن فيها.

وردهم على المعتزلة لا يجدي ههنا، وهم إنما يردون عليهم لأن المعتزلة لا يقولون بأن الذات هي محض الوجود، أو الوجود الصرف.
ولا يقول المعتزلة أيضا بوحدة الوجود كما يقول هؤلاء. ولا يقولون بالوجود الرابطي العائد إلى أن الوجود مجرد نسب إشراقية للذات. وغير ذلك مما قد يحتاج إلى تفصيل.
هذا ما أحببت أن أجيب به على هذا الكلام، منبها إلى أسسهم التي يبنون عليها. على وجه السرعة، ولو كان يوجد لدي وقت لنقلت لكم أقوالا منهم.

وهذا الكلام الذي جاء به هذا القائل المخالف، نقله تقريبا بعبارته من كتاب بداية الحكمة للطباطبائي الفيلسوف العروف لديهم كما عرفناك، وهو كتاب دراسي عندهم في الحوزات العلمية، يمثل مرحلة أولى للفلسفة، يتلوها نهاية الحكمة ثم الأسفار، وفي النهاية يتوجون ذلك بشروح الفصوص وغالبا ما يختارون شرح القيصري.
والله تعالى هو الموفق

أحمد محمود علي
09-09-2004, 00:25
فضيلة الشيخ أريد أن أستفسر وأرجو ألا تضيقوا بي ذرعا
وأعلمكم بأني لا أتعجل مطلقا فلتكتبوا وقتما تشاؤون وحينما يتوفر لديكم الوقت المناسب بارك الله تعالى فيكم وأعانكم على الخيرات..

قولكم : " وهذا الفيلسوف قد أقام نظرياته على أساس من وحدة الوجود المبنية على أن الوجود واحد ولكن تكثره على سبيل التشاكك ".
أريد أن أفهم أكثر هذه العبارة ..
(الوجود واحد) هل المقصود من حيث تحققه في الخارج بمعنى أن كل ما في الخارج هو شيء واحد فيكون الخالق هو المخلوق ؟!
أم المقصود أن حقيقة الوجود واحدة فلا فرق بين حقيقة وجود الخالق وبين حقيقة وجود المخلوق مع إثبات التغاير بين الخالق والمخلوق في أمور أخرى؟!
(ولكن تكثره على سبيل التشاكك) هل المقصود التشاكك الذي هو من نسبة الألفاظ مع المعاني؟!
فيكون الوجود معنى واحدا، ولكن التكثر والاختلاف هو من قبيل الاختلاف العرضي لحقيقة الوجود -إن صح التعبير- فيحسب الناظر أن للوجود حقائق متعددة مختلفة اختلافات ذاتية، في حين أن الاختلافات عرضية وحقيقة الوجود واحدة ليست متعددة ..
ولكن هل نخالف في هذا القول ؟! لقد وجدت في عبارات أهل السنة أن الوجود معنى مشكك.
لا أدري ! المسألة تحتاج عندي أن أضبطها حتى أفهم هذه العبارة.
فإنني لا أدرك العلاقة بين القول بوحدة الوجود وبين القول بأن الوجود معنى مشكك إلا أن يكون التشاكك يقصد به شيء آخر لا أعلمه.


وقولكم : " وهذا معناه بعبارة أخرى، أن الوجود الممكن لا يمكن إلا أن يوجد، ما دامت الذات الإلهية موجودة، فلا يمكن لله تعالى عندهم إلا أن يكون خالقا، أما أن يريد أن لا يخلق فهذا مستحيل عندهم.
هذا هو اللازم المباشر لقولهم بكون مجرد الذات علة تامة ".

هل ينفعهم هنا أن يقولوا : لازم المذهب ليس بمذهب.
بالرغم من أنه لازم ظاهر كالشمس لا خفي.
وعلى هذا فهم قائلون بقدم ما نسميه نحن العالم ولابد أنهم بناء على قولهم بوحدة الوجود يسمونه إشراقات للصفات أو شيء من هذا القبيل فيجعلونه مختص بالذات الإلهية وقديم بقدمها.
فهل يقولون هنا بأن العالم قديم النوع حادث الآحاد أم أنه قديم الآحاد.

قولكم : " وأما ما قاله من أن الصفات ليست زائدة على الذات خارجا، فهذا صحيح إذا لاحظنا أن الذات لا توجد إلا متصفة بصفات، فالموجود خارجا هو العالم المريد القادر، وليس الموجود ذات عارية عن الصفات ثم اتصفت بصفات هي غيرها. فلا تغاير في الخارج وإنما التغاير في المفهوم".
في أي موضع هنا يخالفنا المعتزلة، فهم يقولون أيضا بأن الموجود خارجا هو العالم المريد القادر، ويقولون لا تغاير في الخارج وإنما التغاير في المفهوم.
ولكن أهل السنة قالوا بأنها صفات موجودة يصح أن ترى، فتكون رؤية القدرة مثلا مخالفة لرؤية الإرادة، فهل هذا تجاوز للقول بأن التغاير في المفهوم ؟
أم أن مقصدهم هو رؤية كونه قادرا وكونه مريدا مثلا، وهل هناك فرق بين رؤية القدرة وبين رؤية الكون قادرا مثلا ؟
وهل الأمور المعنوية يصح أن ترى من حيث هي معان لا من حيث هي مدلولات لمرئيات.
فمثلا الغضب معنى، ولكنني لا أراه بل أرى ما يدل عليه كاحمرار الوجه وانتفاخ الأوداج وعبوس الملامح، ولكن هذه الأمور ليست هي الغضب، لأنها يمكن أن توجد بالمحاكاة ولا يكون ثم غضب حقيقي.
فأرجو توضيح هذا المقام.

قولكم: " وقوله إن وجود الواجب هو صرف الوجود الذي لا يشذ عنه كمال مطلقا، وأن فاقد الشي لا يعطيه ، كل ذلك مبني على أساس وحدة الوجود، وربما على الوجود الرابطي الذي قال به البعض منهم ومنهم من نتكلم معه.
ولا يخفى على العاقل أن الواجب الوجود لو كان علة بذاته لوجب بناء على قانون السنخية بين العلة والمعلول أن يكون العالم من طبيعته، وربما قالوا بأن وجود العالم المخلوق وجود رابطي ".
هل من لمحة بسيطة عن القانون المذكور، ومعنى الوجود الرابطي.
ثم إنني لا أتصور كيف يقولون بأن الواجب الوجود هو علة تامة، وأن العالم هو معلولها، ثم بعد ذلك يقولون بوحدة الوجود، كيف هذا والعلة لابد أن تكون مغايرة للمعلول.


{ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ @
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ @
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هشام محمد بدر
09-09-2004, 01:21
هذا نفس هراء الفلاسفة الذي نسفه الإمام الغزالي نسفًا في التهافت

سعيد فودة
10-09-2004, 09:41
الجواب:
أسئلتك كالعادة تدل على حرصك وفهمك وذكائك. ومواقفك التي وقفت عندها فأبرزت أسئلة وإشكالات لها دلالات كبيرة عندي، تجعلك مستحقا للجواب وأكثر. أدعو الله تعالى لك بالتوفيق.
وها أنا أعلق لك على بعض الإستشكالات الأساسية الواردة في كلامك.

قولك:" الوجود واحد) هل المقصود من حيث تحققه في الخارج بمعنى أن كل ما في الخارج هو شيء واحد فيكون الخالق هو المخلوق ؟! "اهـ
نعم المقصود أن الوجود في الخارج واحد، ويستحيل أن يون أكثر من واحد. ولا وجود إلا للواجب.
ولكن بناء على ذلك لا يكون الخالق هو المخلوق، لأن المخلوق إن أريد به الموجودات الحادثة، أو الوجود الحادث، فلا يتحقق وجود حادث. وإن أريد به الاعتبارات القائمة بعين الواجب والنسب الحاصلة به بحيث يظهر بها متكثرا والحقيقة أنه واحد، فهذه النسب ليست عين الوجود الواجب. فلا يقال إن الخالق عين المخلوق. وهذا هو ما يقولون به.
بل يمكن أن يقال إنه يلزم أن الله تعالى لم يوجد شيئا بعد عدم، ولا يعدم شيئا بعد وجود. وغير ذلك من اللوازم الباطلة.
فحقيقة الوجود واحدة ذهنا وخارجا. والفرق أن المخلوق هو مجرد اعتبار قائم بالوجود الواجب عندهم. فكل هذا العالم الذي نراه لا وجود له في نفس الأمر، بل هو مجرد اعتبار قائم بالله تعالى.
وأما التشاكك، فهو مقولة من حيث الأأصل يمكن أن تطلق على وجودين متحققين في الخارج اشتركا في جهة من الجهات ولو الاعتبارية، ولكن تحقق هذه الجهة في واحد منهما أقوى منها في الآخر. ومن هذا الباب يقال عند بعض علمائناأن الوجود مقول على التشاكك بين الله تعالى وبين المخلوقات. فإطلاق وصف الوجود الثابت لله تعالى لكونه واجبا وغنيا وقديما، أولى من إطلاقه على المخلوق الحادق الفقير.
وهذه الأولوية لا تستلزم وحدة الوجود كما تلاحظ، وهو المعنى الذي تراه في كلام بعض علمائنا.
أما التشاكك المقصود عند الشيعة والقائلين بمذهبهم من غيرهم، فهو مبني على أن الوجود المتحقق خارجا هو واحد، وهو الواجب الوجود، فإن كان واحد في نفسه فأين التشاكك؟؟ من هنا منشأ سؤالك.
التشاكك إنما يصدق على المظاهر والتجليات التي يتجلى بها هذا الواحد في نفسه، وهي التي يحصل بها التشاكك والتكثر، ولذلك فهم يقولون إن القول بالوحدة المطلقة مع عدم تحقق أي نحو من أنحاء التكثر ، مخالف للحس، والوجدان، والقول بتكثر الوجودات، أعني إلى وجود حادث ووجود قديم، متحققين خارجا، وإن لم يشتركا في الحقيقة الخارجية، يدعون أن هذا مخالف للبرهان الحاصل عندهم. ولذلك فهم يقولون إن المذهب المختار عندهم هو أن الوحدة في عين الكثرة، والتنزيه في عين التشبيه....الخ.
وبذلك يتضح لك أنه لا اشتراك بين مذهب أهل الحق وبينهم في هذه الناحية.
ولعلنا نوضح مذهبهم بشيء من التفصيل في مقال خاص بهم.


وكلامك أيها المحب، عن أن القول بكون العالم لا بد من حصوله عندهم، هذا ليس مجرد لازم للمذهب، بل يصرحون به. كما تصرح به الفلاسفة، ولعل هذا المعنى هو الذي قصده الأخ هشام محمد بدر، حين قال إن هذا عين مذهب الفلاسفة الذي نقضه الإمام حجة الإسلام الغزالي في التهافت.
فالعالم عندهم قديم لكن لا بصورته بل بنوعه، وأيضا مع قولهم بأنه لا وجود حقيقيا خارجيا للعالم، لأنه مجرد إشراقات للذات وتجليات لها.
ولهم ههنا تفاصيل أخرى لا يتسع المقام لذكرها.

وأما سؤالك الأخير عن مايصح أن يرى، وما لا يصح.
فالقول المختصر فيه:
أن على مذهب الإمام الأشعري كل موجود يصح أن يرى. فهذا بناء على اختلاف الرؤية والعلم يحتاج إلى تحقيق وزيادة استدلال كما صرح به علماؤنا المحققون، وأما عند من يقول برجوع البصر والسمع إلى العلم، فكل موجود يصح رؤيته أي العلم به، لا خلاف عندهم في هذا. والاستدلال عليه ظاهر واضح كما لا يخفى.
وقولهم إن الصفات موجودة أو وجودية، يريدون به أنها ليس مجرد اعتبارات ونسب حاصلة للذات عند ملاحظة المخلوقات، أو المتعلقات، بل هي كمالات حقيقية للذات.
فالذات لها مفهوم عند العقل، وللصفات لها مفهوم. ولتقريب ذلك: لو استحضرت مفهوم الذات وحدها بلا ملاحظة كونها متصفة بالصفات، ثم استحضرت الذات متصفة بالصفات المعاني كالقدرة والعلم. فالعقل يحكم على أن الحالة الثانية أكمل وجودا من الأولى. فهذا هو معنى كون الصفات وجودية. وبناء على ذلك قال من قال بأن الصفات يصح أن ترى، بناء على أن كل موجود فيصح رؤيته.
والحاصل أن ما كان له وجود في نفسه (لا بنفسه) فيصح أن يرى عند من قال بذلك. وما لا فلا، كالأحوال والاعتبارات المحضة.

وأما سؤالك الأخير عن قانون السنخية، فحاصله بأنه لا بد من وجود ارتباط ما بين العلة والمعلول، وهذا الارتباط عند كثير من الفلاسفة قبل هؤلاء راجع إلى الحقيقة، ولذلك قال الفلاسفة بالاشتراك المعنوي بين وجود الواجب ووجود المخلوقات، وهذا بناء منهم على أن الواجب الوجود علة لغيره. وقلنا نحن الأشاعرة بالاشتراك اللفظي، بناء على أن الخالق جل شأنه ليست ذاته علة، بل هو خالق جل شأنه بالإرادة، فلا اشتراك بين الخالق والمخلوق في الحقيقة مطلقا. بل الاشتراك لفظي محض. وربما يعبَّر عنه بأنه اشتراك في بعض الأحكام، وقد وضحت هذه المسألة توضيحا تاما في كتاب (نقض الرسالة التدمرية التي ألفها ابن تيمية).
ولذلك فلما كانت النار علة عندهم للإحراق فمعلولها من جنسها، ولما كانت الشمس علة فمعلولها من جنسها أعني الحرارة مثلا أو الضوء.
ولكن هؤلاء الشيعة، لم يطردوا هذا الأصل هكذا لظهور بطلانه، واستلزامه لوازم كثيرة باطلة، فقالوا: بأن الوجود عند ظهوره في مراتبه فإن مصاديقه تختلف حقائقها عند تنزلاته، فحقيقة العالم الذي نسميه بالوجود الممكن ليس وجودا محضا، بل هو وجود رابطي محض، والمقصود بالرابطي أي هو ليس له وجود في نفسه، بل له نوع ارتباط بالوجود الثابت في نفسه وبنفسه، وهو الوجود الواجب.
وجعلوا العالم من باب النسب والاعتبارات، ولكن هذه النسب والاعتبارات ليس لها طرفان هو بينهما نسبة، بل هي نسبة ذات طرف واحد، وهو وجود الواجب، ولذلك سموها نسبة إشراقية.
والمسألة كما تلاحظ تحتاج لمقدمات عديدة بحسب ما يريدون بيانها هم. وما كتبته لك هنا هو خلاصة سريعة كتبتها على عجل وبحسب ما يلائم أسئلتك.
وكتب الشيعة في هذا الباب كثيرة ومطولة. ولذلك قلت لكم في المحاضرات التي ألقيتها في مصر إن مشايخ أهل السنة الآن يعتقدون أن الشيعة ما زالوا يتبعون المعتزلة في إقامة الحجج والبراهين، وهم في هذا واهمون، فالشيعة الآن أقاموا فلسفة تتميز بمميزات جديدة، صحيح أنه يوجد بينها وبين ما تقدم نوع اشتراك، كاشتراكهم مع فلسفة ابن سينا، وفلسفة السهروردي الفيلسوف الإشراقي، وغيرهم. ولكنهم مزجوا بينها واضافوا عليها بحسب ما يلائمهم.
فلذلك وجب على مشايخ أهل الحق دراسة كتبهم كما يريدون هم، والرد عليهم بردود مناسبة لفلسفتهم الجديدة هذه وخاصة المتمثلة بتيار الملا صدرا.
نعم يوجد من الشيعة من يرفض هذا التيار كما ذكرت لك سابقا، ولكن جمهورهم الأقوى الآن متابع له.
وتكرار الأدلة والمفاهيم التي كان يقول بها علماؤنا للرد عليهم ، دون تحرير لمقولاتهم الحالية الآن، يتسبب عنه ضرر لا يخفى.
ومن هذا الباب يعتقد الشيعة المعاصرون أنهم قد بلغوا القمة في الفلسفة وفي التحقيق، لأنهم يرون كثيرا من المخالفين لهم لا يدركون هذا التطور الحاصل عندهم. والحقيقة أن الرد عليهم وبيان غلطهم في كثير من أفكارهم حاصل عندنا، وقد أقمنا مباحث مفصلة للرد عليهم من أصولهم الكلية. ولكننا نتمنى من أهل السنة أن يزدادوا حرصا علىتعلم هذا العلم الجليل الذي به يرجعون قادة العلماء والمصوبين للأغلاط التي يقع بها غيرهم.
وللأسف أقولها بحسرة، إن كثيرا من علماء أهل السنة من الأشاعرة، لا يبذلون جهودا كافية في تعلم هذا العلم وتعليمه، بل بعضهم يرى عدم فائدته، وهذا هو السبب الأساسي في نظري الي يرجع إليه كثير من الإشكالات الحاصلة في هذا الزمان.
ولهذا الكلام بقية.
والله الموفق