المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : افعال العباد



فراس يوسف حسن
05-09-2004, 16:53
قال تعالى : " تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" [الصافات 95_ ـ 19].
يقول الله مخاطبا عابدي الأوثان التي صنعوها بأيديهم بأن الله هو خالقكم وخالق الذي تعمله ايديكم .
هذا هو المعنى الاجمالي للآية الكريمة . اما المعنى التفصيلي , فانظر أخي الى ما حملت الآية من معان تنزيهية لله عز وجل بما ورد فيها من مطلق الخالقية الثابتة لله تعالى بخلقه للإنسان ولما يعمل .
نقول تنزيهية لأن الآية قد حملت معنى مطلق الخلق واثبتته لله تعالى ,
دون غيره - وتحدت الآية العظيمة فاعلي هذا العمل بمطلق اختيارهم ومطلق اراداتهم بأن الله تعالى هو خالقهم وخالق اعمالهم ( وهذا تحد ما بعده تحد للكفار صانعي الأوثان وعابديها ).
ونقول ( لما يعمل ) لوجوب التفريق بين كلمة الفعل - وذلك بما ورد في القرآن الكريم في غير موضع - وبين كلمة العمل .
فالفعل يتضمن الأفعال الإرادية واللا إرادية معا - وفي مواضع من القرآن الكريم تعبر هذه الكلمة عن الأفعال اللا إرادية دون الإرادية , وسنوردها ان شاء الله في غير هذا الموضع - والأفعال اللا إرادية لا ينازع فيها احد انها من خلق الله تعالى وانها لا تقع تحت قدرة العبد ابدا .
اما العمل فهو لا يتضمن إلا الأفعال الإرادية الصادرة عن الإنسان بإرادته وتربصه ونيته القلبية .
فإذا عرفت ذلك أخي , فارجع إلى نفس الآية واستقرئها مرة اخرى بتمعن أكثر , لترى مدى ما بثته من اسرار أفعال الله في كونه .
قال تعالى : " والله خلقكم وما تعملون " فقد ذكر الله انه خلق البشر وخلق لهم عملهم الإرادي , بذكره لكلمة تعملون , فهو لم يقل
( تفعلون ) وذلك لرفع الإلتباس عنا فنعلم ان المقصود من الأفعال بالخلق المطلق من قبل الله تعالى هي الأفعال الإختيارية الإرادية , واستثنيت اللا إرادية من ههنا لأنها ليست محل نزاع بين الناس .
فهذا اثبات من القرآن الكريم لمسألة خلق الأفعال الإرادية المباشر من الله دون توسط وسيط كما يقول منازعوا أهل السنة من معتزلة وغيرهم .
فهل نقول ان العبد ليس له قدرة على الإطلاق فيما يصدر عنه من أفعال بترتب عليها ثواب وعقاب في الآخرة .
فهنا - وبما قدمناه من تفسير للآية الكريمة - نقول :
لا خلاف في ان الأفعال اللا إرادية هي بخلق من الله تعالى وقد تفضل الله تعالى بإسقاط التكليف عن المضطر الذي ليس له سلطة على افعاله .
اما الأفعال الإختيارية فهي التي يخلقها الله في العبد ويكون للعبد فيها اختيار وتربص ونية لها , ويخلق الله تعالى مع هذه الأفعال قدرة للعبد , وهذه القدرة هي صفة وجودية تتعلق بالفعل الإختياري - اي ترتبط وتقترن به عند وجوده بخلق من الله له وبعد توجه العبد ونيته وتربصه وعزمه عليه من غير ان يكون لها فيه تأثير ( اي على سبيل الخلق والإيجاد من بعد العدم ) لأن الخلق هو الإيجاد من بعد العدم والإيجاد من بعد العدم لا يوصف به احد سوى الله تعالى .
فمقتضى الكلام , اننا نقول بوجود القدرة الحادثة عند العبد وهذه القدرة لها تعلق بالفعل الإختياري , ولكن لا يلزم من هذا القول ان القدرة الحادثة هي التي اوجدت الفعل من العدم , لأن هذا يلزم منه القياس على قدرة الله تعالى وتمثيل لله وتشبيه له بمخلوقاته .
فما دام ان مقتضى القول بتأثير القدرة الحادثة في الفعل يلزم منه التشبيه , ونحن قد قررنا وجودا للقدرة الحادثة وتعلقا بالفعل , فلا بد ان يكون تعلقها على وجه غير الخلق والتأثير , وهذا الوجه هو الذي اسماه علماء أهل السنة بالكسب .
إذن العبد يتوجه بالنية للفعل والله عز وجل يخلق له هذا الفعل عندما يستكمل العبد كافة وجوه التوجه الى ذلك الفعل , ومن ثم يتلبس به فيوصف به ويثاب ويعلقب عليه من قبل الله تعالى . فليس في قولنا هذا ما يُشتم منه رائحة الجبر , وليس في قولنا هذا ما يُشتمّ منه رائحة الإشراك - كما قالت المعتزلة , فهم يقولون ان العبد له قدرة من جهة الخلق والتأثير والإيجاد من دون الله تعالى , ولهذا وجدنا غير واحد من أهل العلم قد كفرهم واعتبرهم اشد كفرا من اليهود والنصارى الذين جعلول لله شريكا واحدا , اما هؤلاء فقد جعلوا لله مل لا يحصى من الشركاء , وتوقف البعض في تكفيرهم -
بل ان قولنا هذا هو قمة التنزيه لله تعالى مع اثبات افعال العباد التي عليها يثابون او يعذبون .
فقول العلماء : " ( ليس في الوجود فعل لغيره عز وجل )" وهذا من ناحية الخالقية المطلقة .
وقولهم : " ( التوحيد هو اعتقاد الوحدانية بل التلبس به اعتقادا وفعلا فهو فعل للعبد يتعلق به التكليف ). اثبات من العلماء لوجود فعل للعبد من ناحية الكسب .
وأختم بقول الإمام الطحاوي رضي الله عنه : " وأفعال العباد خلق من الله وكسب من العباد "

سعيد فودة
06-09-2004, 00:18
بارك الله تعالى فيك يا أخ فراس على هذا الكلام اللطيف والدال على علم
نعم إن المذهب الأشعري لا ينفي القدرة الإنسانية، ولا ينفي الاختيار الحاصل له، ولكن غاية ما ينفيه هو أن يكون الإنسان خالقا لأفعاله، أي موجدا لأفعاله من عدم، أو موجدا لأي شيء من عدم، بل الإنسان يكتسب ما هو موجود بإيجاد الله تعالى.
وقد أفضت في تفسير هذه النقطة في ردي على كتاب ابن رشد مناهج الأدلة الذي لم أنشره بعد، ولكنني انتهيت منه بحمد الله تعالى قبل حوالي السنة.
والله الموفق

خالد محمد خالد
06-09-2004, 08:03
الأستاذ المكرم سعيد فودة

قال الاخ فراس: اما الأفعال الإختيارية فهي التي يخلقها الله في العبد ويكون للعبد فيها اختيار وتربص ونية لها , ويخلق الله تعالى مع هذه الأفعال قدرة للعبد , وهذه القدرة هي صفة وجودية تتعلق بالفعل الإختياري - اي ترتبط وتقترن به عند وجوده بخلق من الله له وبعد توجه العبد ونيته وتربصه وعزمه عليه من غير ان يكون لها فيه تأثير ( اي على سبيل الخلق والإيجاد من بعد العدم ) لأن الخلق هو الإيجاد من بعد العدم والإيجاد من بعد العدم لا يوصف به احد سوى الله تعالى.

و قال الاخ فراس انه بهذا القول خالف الجبرية و المعتزلة. بالنسبة لي يشكل على التفريق بين قول الاشاعرة و قول الجبرية. اليك اشكالي ايها الشيخ الفاضل و ارجو منكم التوضيح.

الجبرية قالوا بان العبد مجبر و ليس له اختيار.

قال الاخ فراس "وهذه القدرة هي صفة وجودية تتعلق بالفعل الإختياري - اي ترتبط وتقترن به عند وجوده بخلق من الله له وبعد توجه العبد ونيته وتربصه وعزمه عليه"

اتفقنا ان هذه القدرة التي للعبد هي من خلق الله بعد توجه العبد و نيته. و توجه العبد و نيته هي كذلك خلق الله. اذا محصلة القضية ان الامر كله اختيارا و فعلا خلق لله و اسناد الفعل الى العبد هو فقط من باب المجاز.

ارجو من جنابكم التوضيح

خالد محمد خالد
06-09-2004, 08:17
كذلك ما هو الفرق بين قول الاشاعرة و قول السلفية المتمثل في التالي

قال احد علماء التيار السلفي رحمه الله "وأما الوسط‏:‏ فهم الذين هدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيراً في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى فيها من القوى الموجبة‏.‏
وهؤلاء هم الطائفة الوسط الذين وفقوا للصواب وجمعوا بين المنقول والمعقول، والمحسوس، وإذا كان القدر لا ينافي الأسباب الكونية والشرعية فهو لا ينافي أن يكون للعبد إرادة وقدرة يكون بهما فعله، فهو مريد قادر فاعل لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 66‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 46‏]‏‏.‏

لكنه غير مستقل بإرادته وقدرته وفعله، كما لا تستقل الأسباب بالتأثير في مسبباتها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 28-29‏]‏‏.‏ ولأن إرادته وقدرته وفعله من صفاته وهو مخلوق، فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضاً، لأن الصفات تابعة للموصوف، فخالق الأعيان خالق لأوصافها‏.‏"

اقول ان هذه القوة المودعة هي كذلك من خلق الله. فيظهر لي ان الاختلاف بين الاشاعرة و السلفية فقط لفظي.

سعيد فودة
08-09-2004, 10:45
الجواب
كون الإرادة في ذاتها مخلوقة لله تعالى لا يستلزم أنها بتصرفاتها في الأحوال العارضة للإنسان لا تستقل بذلك، والأحوال ليست موجودة ول امعدومة. وهذا هو معنى قولنا إن الإنسان يختار ما أوجده الله تعالى، أو أن الله تعالى يوجد ما اختاره الإنسان ليكتسبه وينسب بعد ذلك إليه فيقوم به في محل قدرته.
وهذا كله لا يتعارض مع قولنا إن ذلك كله بإرادة الله تعالى.
والفعل ما دام قائما بالإنسان والصفة ما دامت قائمة بالإنسان فهو متصف بها.
والإرادة قائمة به، فهو متصف بها، أي هو مريد. ولا يضر كون الله تعالى هو الذي خلقها، فهذا حاصله أن الله تعالى خلق الإنسان مريدا. وهو صحيح.
فالإرادة الإنسانية لها أثر كما للقدرة الإنسانية لها أثر، ولكن أثر القدرة ليس الخلق بل تؤثر على نحو آخر سميناه نحن الكسب، ول انعرف حقيقته سوى أنه ليس بخلق للأدلة البرهانية على أن الله تعالى هو الخالق وحدة، ولا خالق سواه، وكذلك نقول للإرادة أثر يليق بنا نحن. ولا يضر عدم معرفتنا لحقيقة أثر الإرادة في إيماننا بأننا مختارون حقا، فيما يمكن اختياره وكسبه.
كما أن عدم علمنا بحقيقة كون الله تعالى خالقا لا يضر في إيماننا بأنه خالق، أي عدم معرفتنا لحقيقة الإيجاد من عدم، وهو مفهوم الخلق، لا يضر بكوننا مؤمنين بأن الله تعالى خالق.
ولذلك ما نعرفه مجرد أحكام، وهو الكافي لبناء الإيمان والتصديق.
وأما مذهب السلفية أي أبن تيمية، فيحتاج إلى تحقيق من طرفهم، فهم أحيانا يميلون في أقوالهم إلى أن القدرة الإنسانية يترتب عليها الإيجاد والأإعدام وتارة أخرى نراهم ينفون ذلك ويقتربون من مذهب الأشاعرة وإن كانوا دائما يشنعون على مفهوم الكسب، مع موافقتهم له أحيانا. وهذه هو حالهم في كثير من الأمور.
وربما نعمل بحثا خاصا نوضح فيه مذهبهم في هذه المسائل المهمة. كما فعلنا فيما يتعلق في توضيح مذهب ابن تيمية فيما يتعلق بذات الله تعالى.
والله الموفق.

عبد الله الكوثري
09-09-2004, 23:41
الوهابية لا يفهمون ما يقولون في هذا الباب وكما قال الاستاذ سعيد فكلامهم غير واضح ومرة يميلون للاشاعرة ومرة الى الاعتزال. مذهبهم غير واضح في هذا ابدا فلو سالتهم من خالق افعال العبد يقولون الله ولكن يقولون العبد له اختيار واذا سالتهم من خالق اختيار البعد لقالوا الله لكن الوهابية يانفون عن التصريح بذلك ولو خلي الوهابي ونفسه لاقر بالحق لانه اما ان يقول بقول المعتزلة الكفري بخلق العبد فعله واما ان يقول بالجبر او قول الحق وهو الكسب وليس له الا ان يوافق الاشاعرة حتى يهرب من الجبر ومن قول القدرية فانه لا قول ثالث يخرج عن هذه الثلاث.

ماهر محمد بركات
09-03-2005, 23:04
سيدي الشيخ سعيد :

لم أفهم معنى قولكم : (كون الإرادة في ذاتها مخلوقة لله تعالى لا يستلزم أنها بتصرفاتها في الأحوال العارضة للإنسان لا تستقل بذلك)

هلا تكرمتم بشرح هذه العبارة ؟؟
وما المقصود بالأحوال العارضة للانسان ؟؟