المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انقسام أخبار الخاصة إلى متفق عليها ومختلف فيها



أسامة نمر عبد القادر
27-08-2004, 08:26
سبق أن ذكرنا انقسام الأخبار إلى خبر عامة وخبر خاصة ، وهاهنا نريد أن ننقل عن البيهقي التقسيم الذي ارتآه لأخبار الخاصة ، فقد ذكر أن ثمة أخبار خاصة مقبولة ، وثمة أخبار خاصة مردودة ، وثمة أخبار خاصة مختلف في حكمها بين القبول والرد .
قال البيهقي : ومما يجب معرفته في هذا الباب أن تعلم أن ((الأخبار الخاصة المروية)) على ثلاثة أنواع ، نوع اتفق أهل العلم بالحديث على صحته ، والنوع الثاني فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها ، والنوع الثالث فهو حديث قد اختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته ، فمنهم من يضعفه ، ومنهم من يصححه .
النوع الأول : ما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته .
وهذا النوع قسمان :
القسم الأول : المروي من أوجه كثيرة وطرق شتى ، حتى دخل في حد الاشتهار وبعد من توهم الخطأ فيه أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه .
وذكر البيهقي في حكم هذا القسم : أنه يحصل به العلم المكتسب .
ومثل البيهقي له بالأحاديث التي رويت في القدر ، والرؤية ، والحوض ، وعذاب القبر ، وبعض ما روي في المعجزات ، والفضائل ، والأحكام ، قال البيهقي : فقد روي بعض أحاديثها من أوجه كثيرة .
قلت : وهذا القسم من خبر الخاصة هو نفسه الذي عرف فيما بعد بالمشهور ، وهو غير المتواتر ، فإن ضابط المتواتر ما استحال فيه التواطؤ على الكذب أو وقوع الخطأ نفسه من رواته ، وهذا المتواتر لا يبحث في حال رواته من العدالة ، بل يقبل ضرورة بمجرد حصول التواتر .
أما المشهور ، فهو ما رواه عدد كثير من الرواة ، ولم يصل إلى حد أن يستحيل فيه التواطؤ على الكذب ، كما يستفاد ذلك من قول البيهقي (وبعد من توهم الخطأ فيه أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه) ، فقوله (بَعُدَ) فيه إشارة إلى أنه وإن لم يكن الكذب والخطأ مستحيلا لكنه بعيد بسبب كثرتهم ، ومثل هذا الخبر يجب البحث في حال رواته من حيث العدالة ، لأجل استبعاد الكذب عنهم ، لكن لا يجب البحث في حال رواته من حيث الضبط ، لأن استبعاد الخطأ منهم حصل بسبب كثرتهم .
ومن هنا تفهم تفريق البيهقي بين القسم الأول ، أعني خبر العامة ، وهو المتواتر ، الذي حكم عليه بأنه يفيد العلم الضروري ، وبين هذا القسم من خبر الخاصة ، وهو المشهور ، الذي حكم عليه بأنه يفيد العلم المكتسب .
وليلاحظ القارئ أيضا أن البيهقي وضع أحاديث الرؤية في أمثلة المشهور من خبر الخاصة ، ولم يضعها في أمثلة خبر العامة المتواتر .
القسم الثاني : المروي من جهة الآحاد .
ومثل البيهقي لهذا القسم : بالأحاديث المستعملة في الدعوات ، والأحاديث المستعملة في الترغيب والترهيب ، والأحاديث المستعملة في الأحكام .
وذكر البيهقي في حكم هذا القسم : أنه يجب العمل به ، وإن كان يجوز على مخبرها الخطأ والنسيان ، وإنما وجب العمل به : لورود السنة بقبول خبر الواحد إذا كان عدلا مستجمعا لشرائط القبول فيما يوجب العمل ، وذلك : كما ورد نص الكتاب بقبول شهادة الشاهدين إذا كانا عدلين ، مع جواز الخطأ والنسيان على الشاهدين .
قلت :
تنبيه أول : ذكر البيهقي هنا المعجزات التي رويت فيها أخبار آحاد في ذكر أسبابها ، فإنها وإن كانت آحادا في طرقها ، إلا أنها باجتماعها تدل على معنى واحد ، وهو ظهور المعجزات على شخص واحد ، فيحصل بمجموعها العلم المكتسب .
قلت : يعني البيهقي أنها تنتقل من مرتبة القسم الثاني ، وهو المروي من جهة الآحاد إلى مرتبة المروي من طرق كثيرة حتى دخل في حد الاشتهار .
ثم قال البيهقي : بل إذا جمع بينها وبين الأخبار المستفيضة في المعجزات والآيات التي ظهرت على سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم دخلت في حد التواتر الذي يوجب العلم الضروري ، فثبت بذلك خروج رجل من العرب يقال له (( محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب)) ادعى أنه رسول من رب العالمين ، وظهرت عليه الآيات ، وأورد على الناس من المعجزات التي باين بها من سواه بما آمن عليه من أنعم الله عليه بالهداية ، مع ما بقي في أمته من القرآن المعجز .
وهذا كما أن أسباب ما اشتهر بها حاتم طيء بالسخاوة إ،ما علمت بأخبار الآحاد ، غير أنها إذا جمعت أثبتت معنى واحدا ، وهو سخاوة حاتم ، فدخلت في حد التواتر في إثبات سخاوة حاتم .
تنبيه ثان : وذكر البيهقي أيضا أن الأمر كذلك في فضائل واحد من الصحابة التي رويت فيها أخبار آحاد في ذكر أسبابها ، فإنها وإن كانت آحادا في طرقها ، إلا أنها باجتماعها تدل على معنى واحد ، وهو إثبات فضيلة شخص واحد ، فيحصل بمجموعها العلم المكتسب .
النوع الثاني من الأخبار ، وهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها .
وهذا النوع ضربان :
الضرب الأول : الأخبار التي رواها من كان معروفا بوضع الحديث والكذب فيه .
وذكر البيهقي في حكم هذا الضرب : أنه لا يستعمل في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين ، واستدل البيهقي بحديث سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين .
الضرب الثاني : الأخبار التي رواها من ليس متهما بالوضع ، لكنه معروف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته ، أو الأخبار التي رواها راو مجهول ، لم تعرف من وثاقته ما يجب معه قبول خبره .
وذكر البيهقي في حكم هذا الضرب : أنه لا يستعمل في الأحكام ، وذلك كما لا تقبل شهادة من هذه صفته عند القضاة والحكام .
النوع الثالث من الأخبار ، وهو : حديث قد اختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته .
وقد نص ابن الصلاح في علوم الحديث (ص13) على أن نقاد الحديث قد يختلفون في صحة بعض الأحاديث ، وهذا أمر لا يتنبه إليه بعض طلبة العلم ، ومما ينبني على معرفة هذا الأمر : وجوب احترام قول المخالف في الحكم على الحديث ، كما يجب احترام قول المخالف في الحكم الفقهي ، بشرط أن يكون ذلك من متأهل لذلك ، أو يكون ذلك اتباعا لقول ناقد من النقاد المشهود لهم عند كثير من أهل العلم .
وقد ذكر البيهقي في حكم هذا القسم أنه القسم الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والرد ، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحها .
قلت : في هذا إشارة إلى ثمرة من ثمار دراسة علوم الحديث ، فإن بعض الغافلين يزعمون أنه لا حاجة الآن إلى دراسة علوم الحديث ، ما دام النقاد المتقدمين حكموا عليها تصحيحا وتضعيفا ، وقد غفل هذا الزاعم أن بعض الأحاديث اختلفوا فيها ، أقول : فلا بد من دراسة علوم الحديث للأجل النظر والاجتهاد في اختيار الصواب من أقاويل العلماء بناء على معرفة أسباب القبول والرد ومعرفة أي منها هو المتحقق في الحديث ، ومن ثم يقبل أو يرد .
وأقول أيضا : إن في قول البيهقي (ينظروا) و (يجتهدوا) إشارة ودلالة على فتح باب النظر والاجتهاد في التصحيح والتضعيف للعصور اللاحقة ، لا سيما فيما اختلف فيه من الأحاديث .
ولنعد هنا إلى معرفة أسباب اختلاف المحدثين ، فقد ذكر ابن الصلاح في علوم الحديث أنها تعود إلى أحد سببين :
السبب الأول : اختلافهم في وجود بعض هذه الشروط في الحديث .
وقد مثل البيهقي في دلائل النبوة لهذا السبب : بما إذا ضعف بعض أهل العلم الحديث بجرح ظهر له من بعض رواته ، وقد خفي ذلك الجرح على غيره من النقاد فصحح الحديث .
أو بما إذا ضعف الناقد الحديث بسبب أنه لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره ، وقد وقف غيره من حاله على ما يوجب قبول خبره فصحح الحديث .
أو بما إذا ضعف الناقد الحديث بسبب أنه وقف على انقطاعه ، أو انقطاع بعض ألفاظه ، أو إدراج بعض رواته قول رواته في متنه ، أو دخول إسناد حديث في حديث ، وقد خفي ذلك على غيره فصحح الحديث .
السبب الثاني : اختلافهم في اشتراط بعض هذه الشروط .
وقد مثل البيهقي على ذلك : بما إذا ضعف الناقد الحديث بسبب أن المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحا .
ولنقف عند هذا الحد فقد انتهى المراد ، والله الموفق والهادي إلى طريق الرشاد ، والحمد لله رب العالمين .

سعيد فودة
27-08-2004, 13:46
بارك الله تعالى فيك يا شيخ أسامة زدنا من هذه الفوائد
فأنا أعلم أن عندك منها الكثير